صدى الذاكرة في ذكرى استشهاد غسان كنفاني

img
  • بقلم :سيف سالم 
    المسافة بين الصوت وصداه كتب غسان كنفاني، وفي المسافة نفسها عاش حياة قصيرة، ومباغتة كزهر اللوز، وعاش موتًا كاملًا بقلبه الذي تركه في حيفا، وبشجر الزيتون الذي ظل يعصر زيته في قصصه، وظل غسان يتعمشق أغصانه؛ حتى وصل إلى أن يعترف بأن الحياة ليست نصرًا؛ الحياة مهادنة مع الموت.

لم يكن غسان كنفاني ينتظر أن يتحول اسمه يومًا إلى لون وظل، وأن يصير اسمه ظاهرة كاملة في التحام الموهبة مع العمق الحسيّ والمعرفي، وفي التحام رشاقة وذكاء وصدق أسلوب السرد مع السلاسة والوضوح القاتل برمزيته، الوضوح البعيد كل البعد عن التكلّف والزخرف، ظاهرة جعلتنا نفهم أنه ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقدة، وليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة، ظاهرة نابعة من بئر لغوية قصصية كانت تفور، كلما مرت هناك على حيفا غيمة، حمّلها البحر عشقه، وناداها شجر حيفا وشجر القلب؛ فهطلت.

فارس إسبارطى حياته ملتصقة على ذؤابة رمحه، يعتقد أن الحياة أكبر من أن تعطيه، وأنه أكبر من أن يستجدى، وكان دوماً يريد أن يعطى بشرف مقاتل الصف الأول..”، هكذا كتبت غادة السمان عن الكاتب الفلسطينى الشهيد غسان كنفانى.
تميز بتفكيره الثورى ونضاله فى سبيل وطنه المغتصب، وتجسيد مأساة شعبه بأعمال إبداعية متنوعة، صور فيها محنته وتشرده وصموده. وهو مناضل ومفكر وإعلامى وفنان.

ولد غسان كنفانى عام 1936 والتحق بمدرسة (الفرير) بيافا، ولم تستمر دراسته الابتدائية هذه سوى بضع سنوات، فقد كانت أسرته تعيش فى حى المنشية بيافا وهو الحى الملاصق لتل أبيب وقد شهد أولى حوادث الاحتكاك بين العرب واليهود التى بدأت هناك إثر قرار تقسيم فلسطين، لذلك فقد حمل الوالد زوجته وأبناءه وأتى بهم إلى عكا وعاد هو إلى يافا، أقامت العائلة هناك من نهاية عام 47 إلى أن كانت إحدى ليالى أواخر أبريل 1948 حين جرى الهجوم الأول على مدينة عكا، بقى المهاجرون خارج عكا على تل الفخار (تل نابليون) وخرج المناضلون يدافعون عن مدينتهم ووقف رجال الأسرة أمام بيت الجد الواقع فى أطراف البلد وكل يحمل ما تيسر له من سلاح وذلك للدفاع عن النساء والأطفال إذا اقتضى الأمر.
أدب غسان وإنتاجه الادبي كان متفاعلا دائما مع حياته وحياة الناس وفي كل ما كتب كان يصور واقعاً عاشه أو تأثر به. “عائد إلى حيفا” وصف فيها رحلة مواطني حيفا في انتقالهم إلى عكا وقد وعي ذلك وكان ما يزال طفلاً يجلس ويراقب ويستمع ثم تركزت هذه الأحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية. “أرض البرتقال الحزين” تحكى قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية. “موت سرير رقم 12” استوحاها من مكوثه بالمستشفي بسبب المرض. “رجال في الشمس” من حياته وحياة الفلسطينيين بالكويت واثر عودته إلى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء، كانت المعاناة ووصفها هي تلك الصورة الظاهرية للأحداث أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصور ضياع الفلسطينيين في تلك الحقبة وتحول قضيتهم إلى قضية لقمة العيش مثبتاً أنهم قد ضلوا الطريق.
في قصته “ما تبقي لكم” التي تعتبر مكملة “لرجال في الشمس” يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيراً بالعمل الفدائي. قصص “أم سعد” وقصصه الأخرى كانت كلها مستوحاة من أشخاص حقيقيين. في فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة فلسطين 1936 فأخذ يجتمع إلى سكان المخيمات ويستمع إلى ذكرياتهم عن تلك الحقبة والتي سبقتها والتي تلتها وقد أعد هذه الدراسة لكنها لم تنشر (نشرت في مجلة شؤون فلسطين) أما القصة فلم يكتب لها ان تكتمل بل اكتمل منها فصول نشرت بعض صورها في كتابه “عن الرجال والبنادق”. كانت لغسان عين الفنان النفاذة وحسه الشفاف المرهف فقد كانت في ذهنه في الفترة الأخيرة فكرة مكتملة لقصة رائعة استوحاها من مشاهدته لاحد العمال وهو يكسر الصخر في كاراج البناية التي يسكنها وكان ينوى تسميتها “الرجل والصخر”.
غسان الرائد
تجب وضع دراسة مفصلة عن حياة غسان الادبية والسياسية والصحفية ولكننا في هذه العجالة نكتفي بايراد أمثلة عن ريادته بذكر بعض المواقف في حياته وعتها الذاكرة:
كان غسان أول من كتب عن حياة أبناء الخليج المتخلفة ووصف حياتهم وصفاً دقيقا مذهلا وذلك في قصته “موت سرير رقم 12” ولا نستطيع أن نؤكد هنا إذا كان سواه قد كتب عن ذلك من بعده.
في أوائل ثورة 58 التي أوصلت عبد الكريم قاسم إلى حكم العراق، زار غسان بغداد ورأى بحسه الصادق انحراف النظام، فعاد وكتب عن ذلك بتوقيع “أبو العز” مهاجماً النظام العراقي، فقامت قيامة الأنظمة المتحررة ضده إلى أن ظهر لهم انحراف الحكم فعلا فكانوا أول من هنأوه على ذلك مسجلين سبقه في كتاب خاص بذلك.
بعد أن استلم رئاسة تحرير جريدة “المحرر” اليومية استحدث صفحة للتعليقات السياسية الجادة وكان يحررها هو وآخرون. وقد استحدثت إحدى كبريات الصحف اليومية في بيروت صفحة مماثلة.
لا أحد يجهل أن غسان كنفاني هو أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية في الفترات الأولى لتعريف العالم العربي على شعر المقامة، لم تخل مقالة كتبت عنهم من معلومات كتبها غسان وأصبحت محاضته عنهم ومن ثم كتابه عن “شعراء الأرض المحتلة” مرجعاً مقرراً في عدد من الجامعات وكذلك مرجعا للدارسين.
الدراسة الوحيدة الجادة عن الأدب الصهيوني كانت لغسان ونشرتها مؤسسة الأبحاث بعنوان “في الأدب الصهيوني”. أشهر الصحافيين العرب يكتب الآن عن حالة اللاسلم واللاحرب ولو عدنا قليلا إلى الأشهر التي تلت حرب حزيران 67 وتابعنا تعليقات غسان السياسية في تلك الفترة لوجدناه يتحدث عن حالة اللاسلم واللاحرب أي قبل سنوات من الاكتشاف الأخير الذي تحدثت عنه الصحافة العربية والأجنبية.
اننا نحتاج إلى وقت طويل قبل أن نستوعب الطاقات والمواهب التي كان يتمتع بها غسان كنفاني. هل نتحدث عن صداقاته ونقول أنه لم يكن له عدو شخصى ولا في أى وقت واي ظرف أم نتحدث عن تواضعه وهو الرائد الذي لم يكن يهمه سوى الاخلاص لعمله وقضيته أم نتحدث عن تضحيته وعفة يده وهو الذي عرضت عليه الالوف والملايين ورفضها بينما كان يستدين العشرة ليرات من زملائه. ماذا نقول وقد خسرناه ونحن أشد ما نكون في حاجة اليه، إلى ايمانه واخلاصه واستمراره على مدى سنوات في الوقت الذي تساقط سواه كأوراق الخريف يأساً وقنوطا وقصر نفس.
كان غسان شعباً في رجل، كان قضية، كان وطناً، ولا يمكن أن نستعيده الا إذا استعدنا الوطن.
عمل في الصحف والمجلات العربية التالية: – عضو في أسرة تحرير مجلة “الرأي” في دمشق. – عضو في أسرة تحرير مجلة “الحرية” في بيروت. – رئيس تحرير جريدة “المحرر” في بيروت. – رئيس تحرير “فلسطين” في جريدة المحرر. – رئيس تحرير ملحق “الأنوار” في بيروت. – صاحب ورئيس تحرير “مجلة الهدف” في بيروت. كما كان غسان كنفاني فنانا مرهف الحس، صمم العديد من ملصقات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كما رسم العديد من اللوحات..

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً