شهادة سجين سياسي سابق: في ظلّ المشنقة!

img

شهادة سجين سياسي سابق

في ظلّ المشنقة!

بقلم : الصادق بن مهني 

(نصّ قديم نشرته أسبوعية “الطريق الجديد” في عدد الخميس_ الأربعاء 12 أكتوبر 1988 (ص5)

 

أيّا كان الأمر لا يمكنك أن تمرّ أمام جناح المراقبة المشدّدة بالسّجن المدنيّ بتونس دون أن تحسّ بالانقباض ودون أن تملأ أحاسيسك رائحة ما.

أمّا متى مررت أمامه وبه 13 إنسانا ينتظرون الموت بل ينتظرون الإعدام فلا بدّ أن تصبح الانقباض ذاته وأن تتشرّب كلّ خليّة من جسمك وكلّ نورونة في أعصابك تلك الرّائحة.

ربّما بسبب ذلك،وربّما لكلّ ذلك جميعا ،رفضت ورفيقا أو رفيقين الذّهاب إلى  “الدّوش”وفضّلت البقاء في “الشّمبري”.

ولكنّ الرّفاق سرعان ما عادوا…أوّل من وصل كان فتحي…كان صمتا ووجوما وعينين فيهما كلّ الغضب اليائس…

إذن تمّ ما أصررتم على الأمل في أن لا يتمّ!

13 روحا أزهقت…13 رقبة قصمت…13 حياة سدّ مجراها…اشتغل حبل المشنقة 13 مرّة … بل وأكثر…

لا تضرّع المتضرّعين سمع ولا تدخّل المتدخّلين كان له صدى.

(عز الدين الحزقي، مع فتحي بلحاج يحيى، نورالدين بن خضر، صادق بن مهني ونوري بوزيد في سجن برج الرومي )

كثيرا ما كنت تسمع”لا تفّرطوا في الأمل ففي الأمل الحياة.” صبيحتها كانت قناعتك:”فلنتعلّم فقدان الأمل فالأمل قتل.”

ذهول،وجوم،غضب يائس،إحباط،تمرّد أبكم…

وأمل:”لعلّ الخبر غير مؤكّد. لعلّهم لم يعدموهم كلّهم.” حتّى البارحة كانت التّحاليل وكلّ الأخبار تؤكّد أهمّية التدخّلات الدوليّة لإنقاذ ال 13 من الإعدام…وكانت قناعتكم أنّ الإعدام وإن أقرّ ليس وشيكا لأنّ الشكليات المعتادة عند قرب الإعدام لم يشرع فيها…وكانت الإشاعات تفيد أنّ القصر سيفاجئ العالم ويمنح عفوه لبعض الرّؤوس…

ثمّ…نبال فوق نبال فوق نبال: تفاصيل الإعدام…ذلك الفجر الدّمويّ الّذي تواصل حتّى الصّباح…تعب حبل المشنقة ولم يتعب الجلاّد…تمرّد حبل المشنقة فرفض تنفيذ الأمر فأرغم عليه…تعب،انهيار،تمرّد.

وحرقت كلّ أوراقك…أضرمت النّار فيها وتصدّيت لرفاقك حتّى لايطفؤوها وملأت عينيك ورئتيك وأعصابك برائحة الكلمات تحرق:”لم يعد للكلمات معنى…لم يعد للكتابة فائدة.”

مشنقة وجلاّد…وسادة محترمون…هل يمكنك أن تقبل بعد الآن أن يفحصك الطّبيب الشّرعيّ؟

رؤوس انطبعت في عينيك بعد أن رأيتها على شاشة التّلفاز…وجهان عرفتهما…صوتان طالما ألفتهما يقرآن شعرا ويحكيان الغد الأسعد والبحر والوطن والأشياء الصّغيرة في ذاك الجناح من ثقب الباب.الشّادلي “مازنيتّا” وضغطه الدّمويّ الّذي لا ينزل تحت العشرين…وأحمد وأخباره الّتي لا تدري كيف تصله:”لقد جدّدوا حبل المشنقة…جلبوا حبلا جديدا من روسيا.”… الشّادلي يكاتبك من سجن إلى سجن فتحسّ أنّه طفل صغير يحنّ إلى أمّه الّتي لم يعرفها إلاّ قليلا…

أحمد وفي نبرته تلك اللهجة الجرجيسيّة رغم البعاد…الشادلي متمرّدا على كلّ شيء…مصرّا على أنّ كلّ ما يروى عن معاركه في الأرض المحتلّة مبالغ فيه…أحمد يغنّي…أحمد يناديك من “الآريا” ويضحك عليك لأنّ قصرك لا يمكّنك من القفز حتّى قضبان النّافذة…وتلك الوجوه…

كان يمكن أن تكون واحدا من ال 13…بل كلّ تونسيّ في قلبه ذرّة من حيرة كان يمكن أن يكون واحدا من ال 13.

كان يمكن أن تعدم وكان…يمكن لأيّ تونسيّ أن يعدم…لنفس الأسباب وبنفس التّهم أو لأسباب وتهم أخرى…

ماذا فعلوا حتّى يعدموا؟ ليس هذا هو السؤال…بل هو :ماذا فعلنا نحن الباقون لنراهم يعدمون؟ أيّا كان فعلهم…لماذا يعدمون؟

وينطلق نقاش: يجب أن نندّد بإعدام ال13 سياسيا…لو كانوا 13 من سجناء الحقّ العامّ ،هل نندّد؟…أنا أندّد في كلّ الحالات… لا أنا مع الإعدام في حالات الجرائم غير السّياسيّة…هناك جرائم فظيعة يمكن قبول حكم الإعدام فيها…بل هناك جرائم حتّى سياسيّة يمكن معاقبتها بالإعدام.

غثيان،ذهول،لم تعد ترى وجوه رفاقك في الغرفة …رؤوسهم كلّهم تمرّ الواحد بعد الواحد من حبل المشنقة…كلامهم لم تعد تسمعه…رأس أحمد يركب رأس عليّ…الشّادلي يلبس جسد عبد الجبّار…كلّ الّذين عرفتهم وأعدموا أمامك…الحطّاب وهو يصرّ على كلمة” قتل” ويرفض كلمة إعدام… وذلك الرّاعي الّذي لم يكن يفهم ما يحصل له…وصديقه الّذي سبقه أو لحقه في نفس الليلة إلى المشنقة… وأصيل منزل تميم… وآخرون لم تعرفهم وإنّما سمعت عنهم…والمقصلة…والجرجار…وذلك الشّيخ الّذي عرفته في برج الرّومي دائم البشاشة ولمّا سألته عن سرّ بشاشته قال إنّه نجا من المشنقة!

هل يمكن أن تصبح المشنقة يوما ما مجرّد آلة بربريّة نعرضها في متحف الفظائع دليلا على أنسنتنا وتعقّلنا؟

ها أنّ الأمل يعاودك…تتمرّد…الجميع يتحّثون عن إضراب جوع…عرائض احتجاج…قلمك الذّابل يتحرّك … تكتب:”أنا في إضراب جوع احتجاجا على تنفيذ حكم الإعدام في مواطنين تونسيين.”

واليوم…ذلك الصّباح الأسود ما زال فيك…بل تلك الصّباحات…وتلك الرّائحة ما زالت تملؤك وتخيفك…والغثيان يأخذك كلّما ذكر الإعدام حتّى تنديدا به…وتلك الوجوه وتلك الرّؤوس وتلك الأرواح… 

واليوم!اليوم وقد تعلّمت من شعبك الطّيّب والسّيئ…وتعلّمت فيما تعلّمت .فنّ اليأس والقنوط وعزيمة الخنوع…اليوم يفاجؤك الأمل وأمل أن لا يغيب الأمل…

هل يأتي يوم نسمع فيه أنّ حكم الإعدام ألغي بلا رجعة من قانون الخضراء؟!

لست من مقبّلي الأيدي ولا من المعبّرين عن الامتنان ولكنّك  تحسّ نفسك تعلن:

“سأكون ممتنّا بتقبيل يد توقّع حكم إعدام حكم الإعدام.”

هل يمكن أن نحلم أن نكون كأرضنا ،كبحرنا ،كشمسنا نمنح الحياة ونرعاها ونرفض التّحالف مع الموت؟ هل يمكن أن أعد صديقي أن نشرب معا عنبا وشمسا ورقّة تنسيه كلّ الخمر الّتي شربها ليهرب من ذهوله أو ليغرق فيه؟


  • الصورة الرئيسية للمقال لـ عز الدين الحزقي وصادق بن مهني في سجن برج الرومي

نقلا  عن موقع نواة ـ”نظارات أمي“ لعز الدين الحزقي: دوعاجيات السجن

  • الصورة الثانية ، نفس المصدر
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: