الرئيسيّة » حرّيات » شكري بلعيد :ذاكرة لا تمحى و فكرة لن تزول
حرّيات

شكري بلعيد :ذاكرة لا تمحى و فكرة لن تزول

Share Button

بقلم حازم فجراوي ناشط حقوقي و أمين عام منظمة شبابية تونسية.

إن الإمساك بملامح شخصية الشهيد شكري بلعيد المحامي والسياسي المثقف (1964 – 2013) ليس أمرا يسيرا ولا هيّنا شخصيةٌ امتزجت فيها روافد الفكر والمعرفة بمختلف عصورها ومشاربها. فالرجل ذو التوجهات اليسارية  لم يكن يفاضل كثيرا بين أشعار « الحلاج » وبين قصائد « فولتير »، ولم يضع فاصلا تاريخيا بين النص التحرري الذي ترعرع في البيئة الإسلامية في القرن الثالث هجري وبين المنجزات العقلانية للثورة الفرنسية الحديثة في أواخر القرن الثامن عشر. حفظ مدونة « نهج البلاغة » للإمام علي ابن أبي طالب عن ظهر قلب مثلما ثابر على التهام أمهات الكتب التي أنتجتها عبقرية الفيلسوف الألماني  كارل ماركس

وُلِد الشهيد شكري بالعيد يوم 26 نوفمبر 1964 بأحد أحزمة الفقر المحيطة بتونس العاصمة، بمنطقة جبل الجلود، الحي السكني والصناعي الذي يقع على مشارف المدخل الشرقي للعاصمة.

زاول شكري دراسته بالمدرسة الابتدائية بنهج سكيكدة بجبل الجلود أين درس مع رفاقه ولعب فيها مع أترابه « البيس » و »الزربوط »، وتخاصم فيها مع الكثير من أصدقاء الطفولة وتصالح فيها مع البعض الآخر، الأمر الذي جعله في نظر أصدقائه آنذاك مصدر خوف وحب في آن واحد حيث كان مشاكسا وعنيدا ولا يقبل الهزيمة، ولم يكن متطلّبا كغيره من الأطفال قنوعا ولا يعير اهتماما كبيرا للهدايا.

بعد إتمام المرحلة الابتدائية بتفوّق التحق شكري بالمعهد الثانوي ببن عروس حيث قضّى  المرحلة الثانوية، وتأثّر بجاره أستاذ الفلسفة أحمد بوعلاق الذي اعتبر في تلك الفترة أن هذا الفتى سيكون شخصية لامعة .

بعد أن أنهى بلعيد تعليمه الثانوي التحق  بكلية العلوم بتونس حيث بدأت تتشكل ملامح الشخصية السياسية المعارضة لنظام الحكم . وفي قلب المشهد السياسي والعقائدي « البانورامي » الذي عرفته الحركة الطلابية آنذاك، بحثَ شكري عن موقع يتطابق مع قناعاته، فانحاز إلى التيار الوطني الديمقراطي.

ساهم بلعيد في تأسيس الفصيل الطلابي لهذا التيار الذي أُطلِق عليه اسم « الوطنيون الديمقراطيون بالجامعة “الوطد بالجامعة”»، وقد كان أولَ من تكلم باسمه مُعلنا ميلاده يوم 5 ديسمبر 1984 لينطلق بعد ذلك في رحلة التعريف به في العديد من التظاهرات الطلابية من خلال التردّد على عديد الجامعات. وفي الفترة الفاصلة بين سنتي 1985 و1986 اعتُقِل الطالب شكري بلعيد ليخضع إلى التجنيد الإجباري بقرار من السلطة .

فترة التجنيد القسري في رجيم معتوق دامت نحو عام (1985 – 1986) مرض على اثرها شكري بلعيد فتمّ نقله الى المستشفى العسكري بالعاصمة للعلاج ليتمّ بعد ذلك اخلاء سبيله ووضع حدّ لعقوبة التجنيد. عاد بلعيد، على اثر ذلك، الى العاصمة حيث انخرط من جديد، بحماس أكثر من السّابق، في النشاط الطلابي. وساهم في إنجاز المؤتمر 18 الخارق للعادة للاتحاد العام لطلبة تونس الذي انعقد في سنة 1988 وانتُخب شكري عضوا في مكتبه التنفيذي الى جانب نوفل الزيادي وسمير العبيدي وجوهر بن مبارك وعاصف اليحياوي (…) ليتمّ بذلك انتزاع المنظّمة النقابية الطلابية من براثن النظام بعد أن كان قد وضع يده عليها بتاريخ 1972 على اثر انقلابه على المؤتمر 17 وابطاله لأشغاله وتنصيبه لمكتب تنفيذي منبثق من رحم الحزب الدستوري الحاكم.

بعد ذلك المؤتمر تسرّب القلق من جديد إلى شكري بلعيد بفعل الحصار الأمني الذي كان يعيشه، حيث كان مراقبا ومفصولا من الدراسة. وفي بداية التسعينيات بدأ نظام الاستبداد الجديد يمارس عملية تصفية شاملة على معارضيه السياسيين، فقرر شكري السفر إلى العراق بإيعاز من أحد أصدقائه النقابيين. ولم يكن في البداية ينوي الاستقرار هناك، ولكن الزخم الثقافي الذي عرفته بلاد الرافدين في تلك الفترة شدّه إلى الانغماس في الفضاء « المشرقي » الجديد والساحر.

في العراق التحق شكري بكلية القانون ببابل التي نال فيها شهادة الأستاذية في الحقوق…وجالس في أروقتها كبار الكتاب من بينهم رئيس تحرير جريدة « الجمهورية » صلاح المختار الذي كتب معه شكري العديد من المقالات.

شكري كان يحظى باحترام كبار قادة النظام البعثي العراقي آنذاك أمثال الصحاف وطه ياسين رمضان. وقد كان لبلاد الرافدين فضل في شحذ معارف الرجل وإثرائها، اذ كانت معبرا ولَجَ من خلاله إلى مؤلفات كبار المفكرين الماركسيين العرب أمثال حسين مروة ومهدي عامل، بالاضافة الى الإطلاع على أطروحات « الإسلاميين » بمختلف مذاهبهم. والأفضل من ذلك أنّ تجربة العراق وضعته في قلب الحراك الشعري العربي الذي ازدهر في بغداد، عاصمة عبد الوهاب البياتي ونزار قباني ومظفر النواب.

كان شكري قارئا جيدا وكاتبا جيدا. له المئات من المقالات والقصائد. وقد أسرّ لنا شقيقه عبد المجيد بأنه ترك أشعارا تتسع لديوانين شعريّين سينشران قريبا.

في سنة 1998 عاد شكري إلى تونس، وعادت المراقبة البوليسية والهرسلة السياسية لتفعل فعلها فيه. فقرّر الارتحال مجددا، وكانت الوجهة، هذه المرة، عاصمة الأنوار باريس التي تحصّل فيها على شهادة المرحلة الثالثة في الدراسات القانونية، وغنم فرصة الإقامة فيها لينهل من مكتباتها ومن ثقافتها وتاريخها.

وفي الأثناء التقى شكري برفيقة دربه بسمة الخلفاوي -أم طفلتيه نيروز وندى- التي رافقته في رحلة الدراسة إلى باريس، ليتزوجا هناك يوم 18 ماي 2002 ويعودا سويّة إلى تونس بعد إقامة لم تدم أكثر من ثلاث سنوات في باريس.

مثّلت المحاماة واجهة جديدة للنضال السياسي والحقوقي، ودفعت بشكري العائد من باريس إلى معترك الحياة السياسية مرة أخرى لينشغل بالترافع في أمهات قضايا الرأي التي عرفتها تونس في بداية الألفية الثانية.

تجوّل الأستاذ بلعيد بين أروقة المحاكم نازعا قبعته السياسية. دافع عن السلفيين في ما يُعرف بأحداث سليمان 2007، مثلما دافع عن معتقلي الحوض المنجمي في انتفاضة 2008.

وقد شارك في حراك المحامين الذي عرفه شارع باب بنات بالعاصمة مع اندلاع أحداث انتفاضة 17 ديسمبر 2010، ما كلفه الاعتقال يوم 28 ديسمبر 2010 قُبيْل أقلّ من أسبوعين من انهيار أركان حكم بن علي.

وأنت تبحث عن مكامن شخصية شكري بالعيد، يلحّ عليك كل من تصادفهم من رفاقه وأصدقائه بأن للرجل إيمانا لا يتزعزع بقضية « الوحدة ».

وقد تجلى ذلك بوضوح طوال المسيرة النضالية لشكري بلعيد، حيث ساهم في بداية الثورة في تأسيس حركة « الوطنيون الديمقراطيون » التي ضمّت « وطد الجامعة » وحلقات قادمة من تجارب أخرى في التيار الوطني الديمقراطي. ثم لعب دورا مركزيا في تأسيس حزب « الوطنيون الديمقراطيون الموحّد » بالاضافة الى مساهمته المركزية رفقة رفيقيه حمّة الهمّامي وعثمان الحاج عمر في تهيئة الأرضية السياسية الملائمة لتأسيس الجبهة الشعبية التي انخرطت فيها العديد من الأحزاب اليسارية بتوجهاتها الماركسية و القومية والعروبية.

لم يكن هاجس الموت بعيدا عن ذهنه بل كان يعيش بداخله ويسكن فيه ولكنّه لم يخف أبدا ولم يتراجع ولم يشأ أن يبوح بذلك حتّى لا يخيف المحيطين به ويشغل بالهم ويثنهم عن مواصلة السّير في درب النضال. يقول شقيقه عبد المجيد الذي كان يلازمه في تلك الفترة بأن « الوحيد الذي كان يدرك اغتيال شكري بالعيد هو شكري بالعيد ». وقد كان شكري يتحاشى الحديث عن التهديدات التي تصله أمام عائلته ورفاقه، وكان يبوح بذلك في شكل زلات لسان، ولكنه سرعان ما يتراجع ويهوّن من خطورتها عندما يتفطن إلى تفطّن الآخرين لذلك.

قبل اغتياله بثلاثة أيام أوصى رفاقه في كواليس اجتماع مدينة الكاف الذي اقتحمته مجموعات متشدّدة بأن لا يُظهروا الجبن إلى خصومهم وأن يواجهوا العنف بأجساد واقفة وأن يواصلوا عقد الاجتماعات مهما كان حجم التهديدات.

في نفس تلك الفترة فتح شكري قضية تأسيس « الحزب اليساري الكبير » مع زعيم حزب العمال حمه الهمّامي وألحّ عليه بالشروع في هذه الخطوة… لتكون تلك آخر الوصايا التي تركها في الطريق قبل أن تستهدفه رصاصات الإرهاب الغادرة أمام منزله بضاحية المنزه السادس قُبيْلَ مغادرته نحو عمله صباحا لتظلّ حقيقة اغتياله مغيّبَة بالرّغم من تبنّي إحدى المجموعات الإرهابية بقيادة المسمّى أبا بكر الحكيم بتاريخ 17 ديسمبر 2014، عبر مقطع فيديو نشر على الانترانت، الاغتيالين السياسيين الذّين طالا بلعيد ورفيقه محمد البراهمي لاحقا.

 

دون وعي منهم حقق الجناة إحدى أكثر أمنيات شكري إلحاحا ، كان الرجل يكره أن يموت على فراش المرض، ولطالما تمنّى الموت وقوفا كالأبطال، مثل غارسيا لوركا وباتريس لومومبا وصدام حسين.

شكري بلعيد عاش أكثر من جلّاديه وقاتليه. أصبح فكرة « سرمدية » يحملها كل الحالمين بالحرية، ويحفظها المبشّرون بالإنسان الجديد.رحل شكري بلعيد جسدا.. قتلوه برصاص الغدر كي يسكتوه .. فتحوّل إلى فكرة والأفكار لا تموت، حتّى وان فنت الأجساد التي تحملها فانّ أجسادا أخرى وعقولا أخرى سترثها.

 

 

Facebook Comments
Share Button

اضف تعليقا

انقر هنا للتعليق

تابعنا على الفيسبوك

Facebook By Weblizar Powered By Weblizar

حمّل تطبيق الموقع

https://i1.wp.com/www.intelligentsia.tn/wp-content/uploads/2017/08/Download-button-now.png?w=1320&ssl=1

تابعنا على تويتر

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 18٬410 مشتركين