شعرية الإلحاد في مجموعة إسلام نوّار

img
شعرية الإلحاد في مجموعة إسلام نوّار
لا تقل عن ولدي إنه يمشي في السماء
علوان الجيلاني
 
 
يمكن تقديم مجموعة إسلام نوار ( لا تقل عن ولدي إنه يمشي في السماء) بوصفها تمثُّلاً مُشوّشاً لواقع مشوش ، إنها تجربة تخرج من رحم الأحداث الكبرى التي تخلّقت فعلاً من هيجانات الشوارع العربية عام 2011م ، وما تلى تلك الهيجانات من أزمات اجتماعية واقتصادية وحروب وتمزقات طالت صميم إنسانيتنا ، وتخلّقت ذهنياً من ثورة وسائل التواصل الاجتماعي وما أتاحته من حرية غير مسبوقة سواء في القدرة على النشر ، أو في القدرة على الوصول إلى المادة الثقافية في تجلّياتها كافة .
على صعيد آخر فإن منحى كتابة اسلام نوار يذكّر إلى حدٍّما بالأدب السوريالي ، وإذا كانت السريالية تعرف بوصفها (حركة ذاتية نفسية صافية يقصد بها التعبير عن العمل الواقعي للفكرة التي تهجم في غياب مراقبة العقل، وبعيدًا عن كل اهتمام جمالي أو أخلاقي بطرح الفكرة أو المشاعر، ويتم التعبير عنها شفويًا، أو كتابيّا، أو بأية طريقة أخرى) فإن كتابة إسلام نوار (هي أيضا كتابة ذاتية نفسية مشوّشة تعبر عن واقع مشوّش بعيداً عن مراقبة التابوهات ، لا تابوهات هنا ، بل فضاء واسع من الحرية يستطيع هدم منطق الكتابة بوصفها كلاماً يُرقم على الورق ، ويهدم منطق الكتابة الشعرية إذا فكرنا في الشعر من وجهة نظر معيارية .
لنبدأ القراءة :
بعقلٍ عادي
في يومٍ عادي
لا يعرف لأي شيء مُسمى
وغير قادر على التسمية
 
الله مدينة، المومس، مدينة،” أحا”( )، المومس، تعمَّدوا عندما تفتح قدميها، اقطعُوا يد السارق.. فقط إنْ كان مظلوما، صكوكُ إرْثِ الظالم فوقَ الكِفايَة، مُحتَّل يرتدي زِيَّ عدوه، ويضرب بالسُّوط أباه، “وأنا شفت بتاعها”.
عندما كنا حول المدْفأة قالَ لي أبي: سوطي هديَّتي لزوجك غدًا في زفافكما. لا لا يا آدم لا تنازعْ ربَّكَ.
– لا تقلقي لقد اتَّفقتُ معه.
 
الكُوّةُ شمس، لا الشمس، القناعُ الملتصق على الوجه أسارير وملامح، لا الوجه، “زغللي عيوني”.
البشارةُ
إذن فهناك نقاط التقاء كثيرة بين هذا المنحى الذي تسير فيه كتابة نوار وبين السوريالية (تنبني أفكار السريالية على جوهر فلسفتها، القائمة على مقولتين: الأولى كما سماها بريتون “النقطة العليا” وهي الاعتقاد بوجود نقطة في الفكر ينعدم فيها إدراك التناقض بين المتناقضات كالحياة والموت، أوالواقع والخيال، والماضي والمستقبل، وما يقبل التواصل وما لا يقبل التواصل، وما يقبل المنطق وما لا يقبل المنطق. والاهتمام بالبحث عن المتضادات وإيجاد الروابط الخفية بينها فرؤيته لانعدام التناقضات تلغي الروابط الزمانية والمكانية الواقعية لينتقل بعدها مباشرة إلى عالم الفكر والشعور. أما المقولة الثانية فهي “المصادفة الموضوعية” وتسعى إلى الروابط الطبيعية بين الآلية الذاتية الشخصية والآلية الكلية، أو بين اللاوعي الشخصي الفردي واللاوعي الجماعي واللاوعي الكوني)، كثير من نقاط الالتقاء ، لكن الفارق يتركز في كون تلك حركة فلسفية ، يتكىء الكتاب المنتمون إليها على نهج فلسفي تم التنظير له وشرحه وبلورته ، في حين تنبع كتابة نوار من ذات متمردة تستمد تمردها من واقع مشوّش ومشوه ، لا يمكن التعامل أو التعاطي مع مجرياته دون أن تتعور ذهنيتنا وتصاب بالتشوّش .
لا أنتَ إلَّا هو
إلا أنا
إذاً
هيَّا نرمي أنفسنا أولًا بحجَر
يا راجل
أرى شابًا شهيدًا الآن
في ميدان للثورة،
أرى شابة حرة،
أرى زيفًا
أرى نفسي الطفلة ترى كل شيء
مفككًا في صورته الخام بلا معنى
أراه
منتقلًا أمام عيني، كسربٍ أبيض
بخلفية سوداء
 
كأن ثقباَ أسود على قناة “ناشيونال جيوجرافيك”
أرى نفسي
باكية مكتئبة أمام قناة تليفزيونية،
تعرض بثًا مباشرًا لميدان في وسط البلد
اليوم 25 يناير.
اليوم 30 يناير.
اليوم أي يوم وأنا لست هناك
وكم واحد لم يكن هناك
ما سوى النُقطةِ الأولى إلا النقطة الثانية
وإن تعددت الأبعاد
هكذا قال سقراط مثلًا أو أي أحد كان،
ماذا يقول ما أدرس في الجامعة البعيدة عن الميدان؟
يقول: لن تتحمل فاعجز مكملًا سنينًا
مكتئبًا أمام البث.
أو هكذا هو العالم الحديث الضاغط،
ماذا يقول تاريخ الفن؟
“أبجد هَوَّزْ حُطي كَلَمُنْ شكل الأستاذ بقي منسجمٌ”
أغني أغني بدلًا من تحية العلم
في طابور الصباح،
أغني على سلم الجامعة
في يومٍ عادي
ليس فيه إلا:
يا مجنون
الله لم يمتْ،
الله انْتحر
لما بدا في الأفق نور
نور محمد كلبة وجميل وجميل
نصوص المجموعة تتعامل مع المقدس بنفس منطق هيجانات الشوارع ، لقد سقطت قداسة السلطة وسقطت معها سلطة المقدس ، جميعنا يعرف أن السلطة كيفما كان شكلها تمثل حلقات من الاستبداد ، هناك محرمات لا تستطيع التحدث عنها نقدياً إلا في الجلسات الخاصة ، مع أصدقاء تثق بهم ، فتناولها كتابة ونشرها يعرضك عادة لويلات لا آخر لها ، وتجد نفسك أمام عدة سلطات ، كل سلطة تتعامل معك كتابع ، مجرد واحد من القطيع ، ولذلك فإن كل خروج على هذه السلطة تمرد ، وإفساد ، هرطقة وزندقة ، والحاد وكفر ، وهذه بالمناسبة كلها مصطلحات سلطوية دينية ، وهي أسلحة تستعملها السلطة الدينية ضد الأتباع كما يستعملها المجتمع ضد أفراد منه وتستعملها السلطة ضد مواطنيها ، هي في حقيقتها أدوات قمع.
مجموعة إسلام نوار تكاد تكون بكاملها اشتغالاً شعرياً على انتهاك المقدس ، كسر التابو ، التابو هو ما لا يحل انتهاكه ، ما يحرم مسه ، وهو كما يقدمه فرويد يشير من جهة إلى ما هو مقدس مكرس ، ومن جهة أخرى إلى ما هو مخيف وخطير ومحرم ومدنس ، إنه مصفوفة من القيود والنواهي ، والمحظورات ، والتابو في معظمه ليس مُبرراً إلا بقدم التواطؤ على قدسيته وهذا المعنى ورد عند دريدا.
اللافت للنظر أن جيلا كاملاً من المبدعين الجدد يتعاملون مع المقدس بشكل مختلف تماماً ، كان التعرض للمقدس ، يتم إنتاجه إما عبر نصوص تلامسه ملامسة خفيفة ومرتعشة في أغلب الأحيان ، وإما عن طريق كتابة شعرية ناقمة ومستعدة للمصادمة دفاعاً عن قناعاتها .
في حالة إسلام نوار ومجموعة كبير

من مجايليه يُجترح التعرض للمقدس ليس بوصفه بطولة ، ولا بوصفه موقفاً أيديولوجياً ، وإنما بوصفه ضرباَ من الاحتجاج على الواقع ، ليس بلغة المحامي في المحكمة الذي يريد اقناع القاضي ، ولا بلغة عضو البرلمان وهو يقدم مداخلته في جلسة مهمة ، وإنما بلغة القرفان الذي يريد أن يتقيأ هذا المقدس ، ولذلك سنلاحظ أن النصوص تعتمد كثيراً على ما يمكن تسميته بمفارقة التسخيف .
اليكم هذا النموذج
الله مدينة
البت مديحة
وهذا نموذج آخر
تقول البذرةُ: اتخذني مذبحا، أنا كل النبيذ أنا الخبز،
“بتاعها كبير”.
وهذا نموذج ثالث
كنتُ في غرفتي وسمعتُ المؤذن ينادي:
“الصلَاااااااااةُ خيرٌ من النوووووم/ الصلَاااااةُ خيرٌ من النوومْ”
فهرعتُ إلى “رَاوْتَر” النِّتْ كي أصلِّي له.
نموذج رابع
وهذا العالم
كان من الممكن أن ينتهي ببساطة هكذا ضاحكين
دون أي حادث نهائي فاجع مزخرف لغويًا
نموذج خامس
حتى أنتَ تدلّل على أني غير صالح إلا في البكاء
بينما أنا سيكون أوفى لك قائلًا:
“بكى كما بكى “محمد سعد” على فراش “فيفي عبده” في فيلم “امرأة وخمس رجال”
وأستمني لأقذف أول قطرة كالعادة مع انفجار الآذان.
أيهما أكثر قداسة كي أخط فيه باكيًا الإيلاجة المجهضة
ماخور “مالينا” أم ماخور “عائشة”؟
المقدس يتكون من مصفوفة من الأيقونات ، منها ما هو ديني محض ، ومنها ما يتزيّا بالدين كي يكون مقدساً ، الازراء بالأيقونات وهجاؤها بمفارقتها في سياق واحد مع ضديات تقع ضمنياً في إطار المدنس هو جوهر اشتغال المجموعة ، ما يلفت النظر أن إسلام يقودك عبر دهاليز لعبته الملتوية كثيراً لتقول معه نفس مقولاته ولتستمتع معه بتحطيم سلطات المقدس ، إنها ليست الفكرة ولكنها شعرية الالحاد .. وهذا تفصيله يطول
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: