شجرٌ يشدو مثل طيور الحبِّ- الشّاعرة سلوى الرابحي

img

شجرٌ يشدو مثل طيور الحبِّ

بقلم الشاعرة التونسية سلوى الرابحي

 

في الغابةِ، كان الشَّجرُ الرّاقصُ يشدو مثلَ طيور الحُبِّ.

يحلّق طيرٌ فوق الأغصانِ ليبصرَ موسيقى الخشبِ الحيِّ

كَمِ ارتعدَ الطّيرُ

من العزفِ المُتَرقرقِ في أمواه الروحِ…وطارَ بعيدا:

هل يَسمعُ غيري حمّى النشوةِ

ماذا سأغنّي للخلق الأخرسِ، اصمُتْ وكفى.

متشابكة أيدي الشجر العاشق، مثل شِباك الرّمزِ

يمرّ المعنى كالماء.

وكان هناك غزال يركض نحو مرايا الماء ليبصر رجفته

الأولى في نهر عارٍ منْ رائحة الأسماءِ

وكان يظن الوجه المعكوس حبيبته…

قبّلها ملهوفا ورأى أنَّ غزالتَهُ قد سالتْ من فرط العشقِ

على الشَّفتينِ كما الماء

فكيف نُسمّي الكائنَ مسكوبا في رِعْشات النّهرِ وسقسقَةِ العينِ؟

  • نسمّيه صورتنَا الأولى قال الطيرُ وقد نامَ غَزالٌ في أعماقِ النهرِ وغابَ طَويلا.

عاد الطيرُ إلى شجرِ الغاب، ليَسمَعه الخشبُ الحيُّ وغنّى:

أوشكتُ ، أنا الطائرُ، أن أغرسَ ريشي أشجارا

لأحلّق أعمق في  جذر الفكرة

أن أرضعَ ثدي الأرض بمنقارٍخشبيٍّ حيِّ

قد تينعُ أغصانُ المنقار برأسي

تزهر كالمعنى في الأشجارِ…

أنينٌ من رغوة أنثى فاضت من نهد الأرض، بكاءً محموما:

لا عدلَ على الأرض ولا أغصانَ تُحلّق في أرض البستانِ.

ألا اقذفْ عينكَ في بئر النهدِ ، وأصغِ إلى عزفِ الناي بحلمتها

وتلقّفْ جلدي بجناحيكَ ،لقد صار رمادا.

جسدي جذع صنوبرة مشذوب الأغصانِ

وأرضي حفنة طين سيّجها البستانيُّ

لكي لا أذهب أبعد في المعنى.

روحي تتشمّمُ روحا تأتي من ريح الغابِ كقطٍّ بريٍّ

والأنفاسُ تفرّ من الجسد المبتورِ وتعوي:

” يا مارّا بالروح المسكونة بالطيران،

أُقدِّمُ نبضي قربانا للطيرِ،

أتُلبِسُ قلبي أجنحةَ العصيانِ وتنثره أغنية ًفي صوتِ الغابِ؟

فهذا القلبُ، وميضُ المعنى، وقّادُ الشجر الحيّ، يغنّي منذ زمانٍ:

” ستكون عظامي حطباً

لحمي حفل شواءٍ

للطير الجائع في يومٍ شتويٍّ”

لكنّ البستانيَّ الآنَ، يُشذّبُ أنفاسي…

يتتبّعها…نَفَسا نفَسا

يضربُ بالفأسِ لُهاثي

والفأسُ ذراعٌ منْ غصني وحديدٌ صَدِئٌ في رئتيَّ،

يشذّبني من قَدَميَّ إلى الرّأسِ..،

يُسَوّي جسمي مسطرةً حينا،

ويُعدّد شكلي أحيانا

يصبغُه بالألوانِ لكيِ تتعدّد في الشجر الواحد أشجارُ الكونِ…

وأنسى شجرا كانَ أبي

يشدو مثل طيور الحبِّ

لأينعَ في المعنى إن ضاقتْ أرضُ حروفي.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.