سياسة التحكم في الأجساد ” تنميطا” و” تفجيرا و” حجرا”

img

هاجر منصوري

(دكتورة في الدراسات الحضاريّة مهتمّة بتحليل الخطاب الدّيني وتحليل الخطاب حول النساء)

سياسة التحكم في الأجساد ” تنميطا” و” تفجيرا و” حجرا”

 

حديث ذو شجون: قد لا نتبيّن للوهلة الأولى أيّ رابط بين ما تعرّضت له الصحفيّة فدوى شطورو من استهزاء على مظهرها الخارجي في شبكات التواصل الاجتماعي، وبين ما أقدم عليه شابّان تونسيّان من تفجير نفسيهما استهدافا لدوريّة أمنيّة، وبين قرار الحكومة التونسيّة درءا لمخاطر الفيروس التاجي الجديد على مواطنيها/مواطنات من حظر التجمّعات البشريّة بما في ذلك تعليق صلاة الجماعة والجمعة في المساجد وصولا إلى الحجر العام.. ولكن حينما نفكّك كلّ هذه الشجون الثلاثة سنجدها تعود لحديث واحد لا غير هو سياسة الأجساد والتحكّم فيها بآليات متنوّعة ووفقا لرؤى مختلفة.

1- الشجن الأوّل: الأجساد في الإعلام الجديد وسياسة ” تنميط الجسد الأنثوي”

 سمح الإعلام الجديد بشكله الرقمي التفاعلي ووسائطه العديدة من التواصل الشبكيّ المتداخل وسهولة نفاذ المستخدمين/ات إليه والمشاركة في إنتاج المحتوى الاتّصالي. وقد تنزلق مشاركة بعض المستخدمين في صلب الذهنيّة المهيمنة على تمثّل الذكورة والأنوثة، وهي ذهنيّة لم يستطع الإعلام ذاته الخروج منها، بل نجده يكرّسها عند اختياره للمذيعين/ات أو المراسلين/لات وفقا لمعايير يكون أساسها الشكل والمظهر الخارجي، ولا سيما تلك المتّصلة منها بصورة ” الإعلاميّة” التي يجب
أن تكون أكثر جمالا، ونعومة ورقة من أجل جذب المتابعين ورفع عدد المشاهدات. ويبدو أنّ المشاهد نفسه بات مبرمجا على المواصفات التي اقترحت عليه، فنجده ينفر في أحايين كثيرة من المحتوى الجيد ويلتفت إلى المظهر حتّى في أقسى الظروف وأحلكها.

 وهو ما جرى بالضبط في حادثة مراسلة الأخبار التونسيّة فدوى شطورو بالقناة الوطنية الأولى حينما أطلّت صبيحة يوم الجمعة 6 مارس لتنقل وقائع التفجير الانتحاري في منطقة البحيرة 2 على الطريق المحاذي للسفارة الأمريكيّة بالعاصمة التونسيّة. فما راعنا من المتابعين للبث على موقع القناة إلاّ أن شرعت إحدى المتتبعات تعيب عليها ظهورها على الشاشة دون مساحيق تجميل مستهزئة من مظهرها الخارجي واعتبر آخر أنّ ظهورها بهذا الشكل غير لائق بمراسلة إخبارية مؤكّدا على أنّ هذا المظهر دليل على سوء إدارة القناة في اختيارها لهذه الصحفيّة التي لا يؤهّلها شكلها للعمل كمراسلة إخبارية، مشدّدا على أنّ مظهر المذيعة أو الصحفية يمثل عنصرا أساسيا لتواصلها مع المشاهدين، مطالبا إيّاها بالاقتداء بمراسلات أخريات.

ويعكس هذا التفاعل لبعض المتابعين لموقع القناة تمثّلا لصورة الإعلاميّة استشرى في ذهنيّة المتلقّي وأصاب مقتلا لكلّ محاولات تغيير أشكال تنميط هذه الصورة، فهذه الصحفيّة التي سبّقت الرسالة على هيأتها، نالها كلّ الضيم النفسي والاستفزاز اللغوي إذ لم يشفع لها بشهادة زملائها من الإعلاميين ذكاءها ونشاطها في عملها الميداني بل وتألقّها فيه فضلا عن تمكّنها من اللغتين العربيّة والإنجليزية. ولكن ماذا عسانا ننتظر من استراتيجيّة إعلاميّة تامّة تعلي كثيرا من المظهر الخارجي للإعلاميّة على حساب الرّسالة الإعلاميّة ذاتها وجوهر مضمونها. وتكون نتيجة لذلك هذه البانوراما الكاشفة لعوراتنا “نحن جميعنا” من مستثمرين/ات في الإعلام ومنتجين/ات له ومستهلكين/ات له ومستخدمين/ات لمواقعه. وما دمنا نتحرّك في ظلّ عالم افتراضي يتمعّش من الصورة عرضا وطلبا ويشكّل استثماره لها وفق نمط معيّن تحكمه مقاييس الجمال والقيافة والرقة عوضا عن الفعاليّة والالتزام والكفاءة خاصة في تعامله مع النساء الإعلاميّات فإنّ ذلك لن يزيد المشهد الإعلامي إلاّ تكريسا لسياسة تنميط الجسد الأنثوي وفق رؤية واحدة لا يحيد عنها. 

ولكن تجدر الإشارة إلى أنّه رغم قتامة المشهد الإعلامي الرقمي وسياساته في تنميط ” الجسد الأنثوي” ضمن إطار التجارة الإعلاميّة والاستثمار في هذا القطاع، فإنّ ذلك لا ينفي وعي كلّ الأطراف في المشهد الإعلامي ذاته من منتجين وإعلاميين ومستهلكين برهانات الإعلام الحقيقيّة وتحدياته من أجل إعادة تشكيل البنى الثقافيّة من جهة وعلاقتنا بأجسادنا من جهة ثانية، وما حملة دعم فدوى شطورو سواء من  أسرة موقع ” أرابسك” من إعلاميّيه وإعلامياّته، ومواقع وصحف تونسية وعربيّة، ونشطاء من المجتمع المدني التونسي والعربي إلاّ دليلا على الوعي بخطورة الوضع الإعلامي وتحدّياته. وهذا شجن الحديث الأوّل موجع إلاّ أنه تمثّل حاصل، يشفّ عن الحاجة إلى مراجعة الإعلام التونسي والعربي وحتّى العالمي في تمثلّه للإعلاميّة الجديرة بأن تكون كذلك. وآن الأوان أن ندعو كلّ الأطراف في المشهد الإعلامي إلى أن يرفعوا وصايتهم عن صورة المراسلة أو الإعلاميّة أو الصحفيّة لأنّ الكفاءة والإمكانات المعرفيّة هي المطلوبة في التمكين الإعلاميّ للنساء والرّجال..

2- الشجن الثاني: سياسة التحكّم في الأجساد في الخطابات الدينيّة المتطرّفة وآليّة” التفجير” 

مثّل الجسد في الحركات الدينيّة المتطرّفة قربانا لطقس الشهادة بتفجيره في الزمان والمكان المحدّدين. وقد لبّ كلّ من الشابين محمد سليم الزنيدي ( 29 سنة) وخبيب لعقة ( 27 سنة)  نداء تحويل وجهة شبابهما من طلب الحياة إلى نسفها عن طواعية على الساعة الحادية عشرة من صبيحة يوم الجمعة 06 مارس على متن درّاجة نارية مفخّخة. التفجير استهدف دورية أمنية متمركزة أمام محيط السفارة الأمريكية بمنطقة البحيرة 2 بالضاحية الشمالية للعاصمة، وأسفر عن استشهاد الملازم الأوّل من وحدات التدخل توفيق محمد الميساوي، وإصابة 4 أمنيين آخرين ومواطنة تونسية. 

 وما كان لهذين الشابين أن يقدما على تفجير نفسيهما لو لم تكن هناك حاضنة تنظيميّة استقطبتهما وما تزال تستقطب غيرهما، وقد خطّطت وقرّرت ثمّ حسمت زمان التفجير ومكانه. ولا نشكّ في أنّ هذه الحاضنة لها بناؤها الاجتماعي والثقافي واللوجستي والاقتصادي العابر للقطر التونسي في انتظار تشكلها السياسي النهائي، وهي تعمل سرّا في تونس، وتقدّم بالتقسيط المريح خيرة شبابنا وشاباتنا إلى محرقة ” الحاكمية لله” بتسخير أجسادهم/هنّ خدمة لهذه الفكرة ، شأنها في ذلك شأن سائر التّنظيمات الإسلاميّة المتطرّفة، مثل “التّكفير والهجرة”، و”الجهاد”، و”طالبان”، و”بوكو حرام”، و”داعش”… وفكرة الحاكميّة لله، قديمة جديدة صاغها سيّد قطب في كتابه ” معالم في الطريق” حتّى يحكم بها على الحضارتين العربيّة والغربيّة بالجاهليّة لاعتمادهما أنظمة سياسيّة قائمة على القوميّة أو الدّيمقراطية ولا تدين بالحاكميّة لله .. ولذلك وجب ” الجهاد في سبيل الله”  ضدّهما لكفرهما وخروجهما عن دار الإسلام. 

 ويتمّ اقتناص الضحيّة الذي يبدأ مشواره نحو ” الجهاد” ومعناه الدعوة ضدّ الأعداء من الجاهلييّن من أجل إقامة مملكة الله في الأرض ووفق ما يقرّره من شريعة مبيّنة. وقد تقتضي هذه الدعوة الجهاد المسلّح وقتال أهل الكفر حتّى يدخلوا الإيمان. ولأجل ذلك تُجنَّد كلّ الإمكانيات البشريّة الذهنية والنفسيّة والماديّة واللوجستيّة من أجل التحكّم في سياسة أجساد هؤلاء المنتمين إلى التنظيم نحو ترويضها للتفجير. وكلّه يهون من أجل التخلّص من المجتمع الجاهل وإرساء المجتمع الإسلامي الذي يطبّق الإسلام عقيدة وعبادة، شريعة وتشريعا. فلا نعجب حينئد من رؤية الأجساد متلاشية هنا وهناك لأنّهم أحكموا القبض على أرواح أصحابها بمقوله الحاكميّة لله والجهاد في سبيل الله… وهذا شجن الحديث الثاني مرعب إلاّ أنه واقعيّ يستدعي الحاجة إلى مراجعة نوعيّة من الخطابات الدينيّة المقدّمة للشباب/ الشابات حتّى يتمّ استقطابهم وتسخيرهم لمآربهم في خلافة موهومة أو عمالة مشبوهة. ولذا فإنّ الأوان حان لأن يرفع المعاصرون وصايتهم عن القراءة الأحاديّة والاجتراريّة التي قدّمها القدامى للدين حتّى لا نفجع في طاقاتنا الشابة  التي نحتاجها بوصفها قوى لاستثمار ثرواتنا وتحقيق نمائنا وتقدّمنا.

3- الشجن الثالث: الأجساد مع الفيروس التاجي الجديد” وآلية ” الحجر” 

منذ أن أعلنت وزارة الصحة التونسيّة في 2 مارس 2020 عن تسجيل أوّل حالة مؤكدة للإصابة بفيروس “كورونا” الجديد في تونس، حتّى بات الحديث عنه الشغل الشاغل للمجتمع التونسي شعبا وحكومة. والكورونا اصطلاح يطلق على مجموعة من الفيروسات توجد عادة في الحيوانات وتتسبّب في اضطرابات صحيّة شديدة عند انتقالها إلى البشر، ومنها الفيروس التاجي الجديد الذي يتسبّب بمرض المتلازمة التنفّسيّة الحادة الوخيمة »  سارز «وبعض أنواع الزكام العادي. وهذا الفيروس ظهر لأوّل مرّة في «ووهان» بالصين وأُطلق على المرض الناجم عنه اسم مرض الفيروس التاجي 2019 (COVID-19) والاسم الإنجليزي للمرض مشتق من:  « CO » أول حرفين من كلمة كورونا « corona »، و « VI »  أول حرفين من كلمة فيروس « virus »، و « D » أوّل حرف من كلمة مرض « disease ». 

ولمّا كان الفيروس ينتقل عبر الاتصال المباشر بالرذاذ التنفّسي الصادر عن المصاب به سواء بالسعال أو العطس أو ملامسة الأسطح الملوّثة به، فقد شرعت عدواه التي لم يوجد لها دواء إلى الآن  تجتاح العالم منتقلة من جسد إلى آخر ومخترقة حتّى أجساد الدول والقارات لتستوطن بلدنا. ولهذا سعت حكومتنا إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للوقاية منه وكان ذلك على مراحل بحسب درجة تفشّي الوباء ومداه . فكان أوّل إجراء اتّخذته وزارة التربية في 10 مارس حينما أصدرت بيانا تستوجب فيه تقديم عطلة الربيع من 15 مارس إلى يوم الخميس 12 مارس بالنسبة إلى المؤسّسات التعليميّة العموميّة والخاصّة تفاديا للعدوى في صفوف التلاميذ والطلبة. وبعيد هذا الإجراء بثلاثة أيّام أعلن رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ عن سلسلة من الإجراءات تمثّلت في غلق الحدود الجوية مع إيطاليا البلد الذي وفد منه إلينا الفيروس، وإلغاء كل التظاهرات والعروض والمعارض والتجمّعات، وإغلاق المقاهي والمطاعم ابتداء من الساعة الرابعة مساء بالتوقيت المحلي، ناهيك عن تعليق أداء صلاة الجماعة وصلاة الجمعة وذلك إلى غاية يوم 4 أفريل. وبخصوص الإجراء الأخير طالب مفتي الديار التونسية الشيخ عثمان بطيخ في رسالة صوتيّة للتونسيين بالبقاء في البيت وأداء الصلوات بشكل فرديّ تجنّبا  للعدوى.

وفي مرحلة لاحقة أعلنت رئاسة الحكومة مجموعة جديدة من الإجراءات الوقائية تتمثّل في غلق الحدود الجوية والبرية أمام كل الرحلات التجاريّة ما عدا السلع والبضائع ورحلات الإجلاء. ومنع التجمّعات على غرار الأسواق والحفلات وغيرها من أماكن التجمهر، والعمل بنظام الحصّة الواحدة طيلة خمس ساعات بزمنين مختلفين لتقليص الضغط على النقل وذلك ابتداء من يوم الإربعاء 18 مارس، إلى جانب تأجيل كل التظاهرات والأنشطة الرياضيّة والبطولات. إلاّ أنّه أمام تفشي الفيروس بشكل أفقي وسريع أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد في 20 مارس حجرا صحيّا عامّا في كامل تراب تونس، مع تأمين الدولة للمرافق الحيويّة من أمن وصحّة وغذاء والإبقاء على المحلاّت التجارية مفتوحة.

وبين أوّل إجراء وما استتبعه من إجراءات أخرى من حجر جزئي إلى حجر تام تعالت أصوات من هنا وهناك حول تعليق صلاة الجماعة والجمعة في المساجد، فقد ندّد البعض من ممثّلي حركة النهضة وأتباع الإسلام السياسي بشكل عام مسألة التعليق، إذ يعيب رئيس جامعة الزيتونة هشام قريسة على وزارة الشؤون الدّينيّة عدم تشريك الجامعة في اتخاذ قرار التعليق، متسائلا أنّه “كيف سيكون الابتهال إلى الله والتضرّع له إذا نحن تركنا الصلاة في المسجد والله سبحانه هو الرافع للبلاء”. وأمّا سعيد الجزيري النائب في مجلس نواب الشعب عن حزب الرحمة فقد هاجم كلاّ من رئيس الحكومة ومفتي الديار التونسية الذي دعا إلى الصلاة في البيت واعتبر ذلك منافياً لتعاليم الإسلام. 

 ونحن نتفهّم هذا التنديد لأنّ الأجساد الجماعيّة في شعيرة الصلاة في المسجد أو صلاة الجمعة في الخطابات الدّينيّة تمثّل كتلة مرئيّة لها بعدها الرمزيّ المطابق لمدلول الجماعة، ولمّا كانت كذلك فإنّ هذه الأجساد لم تعد ملكا لأصحابها وإنّما هي ملك لعصبيّة الانتماء إلى هذه الجماعة التي شرعت قوّتها تتزايد في الشعوب العربيّة وصولا إلى راهن أيّامنا. وفي الخطابات الدينيّة عموما تعدّ صلاة الجماعة مطلبيّة حضاريّة تحجز أجساد المصلّين لرصّ الصفوف وكأنّها جسد واحد. ولا ينبغي أن يغيب عنّا هذا الربط اللغوي والاصطلاحي بين الإمامة الكبرى بمعنى الخلافة والإمامة الصغرى بمعنى صلاة الجماعة فالأولى لا تتقوّى شوكتها إلاّ بالثانية وهو ما نتبيّنه في  بعض الأحاديث النبويّة التي ينقل فيها عن العبّاس وأبي إسحاق قولهما عن صلاة الجماعة: “هي فرض كفاية يجب إظهارها في النّاس، فإن امتنعوا من إظهارها قوتلوا عليها،” ( الإفصاح عن معاني الصحاح في الفقه على المذاهب الأربعة 1-2/ ج 1).

 ولئن تمّ الإلحاح على صلاة الجماعة وصلاة الجمعة في الخطابات الإسلاميّة السلفيّة منها والمتطرّفة فلقد غاب عن دعاتها وداعياتها أنّه في التاريخ مرّت بنا أوبئة اقتضت فيما اقتضته تعليقهما، وأضحى تسخير الأجساد لتكريس مفهوم الأمة يقتضي الحجر عليها حتّى تنجو الأمّة ذاتها بحياتها ووجودها، وإن لم تقبل وجب ” التحجير “على الأجساد من ظلال أوهام الدعاة، والأمثلة على هذا الحجر أو تعطيل المساجد والجماعات في التاريخ عديدة: بدءا  بطاعون عمواس الذي عمّ بلاد الشام سنة 18هـ، ثمّ وباء مكّة المكرّمة والبيت الحرام سنة 827 هـ، والوباء العظيم الذي وقع في تونس وشمال إفريقيا سنة 395هـ، والوباء في الأندلس سنة 448هـ، ووباء آسيا الوسطى سنة 449هـ . وفي جميع هذه الأوبئة خلت أكثر المساجد من الجماعات إن لم نقل كلّها. وهكذا فإنّ الأجساد قد يتمّ حجرها عن الفضاء الخارجي بما في ذلك دور العبادة من أجل سلامتها من الفناء والإفناء. وهذا شجن الحديث الثالث، خانق إلاّ أنّه أمر واقع. فحالة الحجر العامة التي تفرضها الحكومة التونسيّة علينا جميعنا نعيشها للتو وما تزال إلى أمد غير محدّد، وتستدعي منّا اليقظة للتوقّي من وباء مرض الفيروس التاجي 2019 أملا في إيجاد الترياق المناسب له، حتّى لا تتحوّل تونس حاضنة للفيروس وما عدا ذلك من الخطابات التي تدعو إلى رفض الحجر مهما كان مأتاها إنّما هي قراءة سطحيّة للخطاب الدّيني لا تعترف بالسياق والظرف. ولذا فإنّ الأوان حان لتعقّل الخطاب الدّيني، وإن كنا للدين بعده الوظيفي النفسي والروحي في اللحظة الراهنة فلن ينقذنا إلا العلم الذي ينبغي أن تراهن عليه الحكومة التونسيّة بعد هذه المحنة. 

 خاتمة الحديث وشجونه: يتّضح لنا من خلال جميع شجون الحديث أنّ ” أجسادنا” تنوء بحمل المناويل الثقافيّة والفكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة والبيولوجيّة، فيتحكّم فيها تارة بما قامت عليه ذهنيّة الشعوب من تمثلات لكلّ من الذكر والأنثى فيكون التنميط، وطورا بما يقتضيه الانتماء إلى الجماعات الإسلاميّة وبما يفرضه على أصحابها وصاحباتها من قراءة مخصوصة للدين تحمل الأجساد إلى حدّ التفجير، وطورا آخر وليس أخيرااا يتحوّل فيها الجسد معبرا للموت من داء يقتضي الحجر عليه حتى يسلم أصحابه وكل المحيطين به ولا تمييز في ذلك بين الأجساد لا على أساس الجنس  أو العرق أو اللون أو الانتماء بل على أساس المناعة وقدرته على مقاومة الفيروس.. ففي أجسادنا يكمن الداء والدواء…   

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: