سناء موسى : التراث قصّتي، قصّتنا وتاريخنا

img

سناء موسى : التراث قصّتي، قصّتنا وتاريخنا

حوار مع الفنّانة الفلسطينيّة سناء موسى:

أجرت الحوار : إشراق كرونة/ طالبة بجامعة السوربون ـ فرنسا

تقديم:

صوت الجليل الفلسطيني، حملت التراث من فؤاد الجدّة الشجرة إلى قلوب الجماهير المبثوثة وطافت به في أرجاء الأرض تبشّر بتهليلة جديدة.. تهليلة النصر هذه المرّة. لأنّ عصا موسى لم تشّق الأرض دون الفلسطيني ولأنّ يعقوب أبصر من ريح يوسف ومن دمه.. من هنا يجيء التراث كورسا من الحبّ ودليلا على البقاء ومن هنا كان الضياء وكان الصوت وكان السناء…

رحلة مع فنّانة فلسطينية مفعمة بالحبّ والتراث عبر حوارأُجري في ضواحي باريس ليحطّ ضيفا على تونس. تونس التي لم يشف الفلسطيني من حبّها ولم يتنكّر الدم التونسي لنبل قضيّتها فكانت غارة أكتوبر الغاشمة على حمّام الشطّ دليلا على أقصوصة أو.. أهزوجة “كنعانية بين قرطاج وفلسطين”.

 

1/تؤكدين دائما على دور العائلة في توجيه ذائقتكِ وخياراتكِ الفنيّة، ولكّن مخاض البدايّة كان طويلا وعلى دفعات في ألبوم “إشراق”، هل لكِ أن تحدثينا على أثر هذا المناخ في عملكِ البكر؟

أعتقد أن العائلة أو المكان/ مكان نشأة كل شخص هو عمليا بداية تكوين لا للذائقة فقط وإنما شحذ الموهبة أيضا. لأنّه بدون حاضنة حقيقية ومن دون بيئة مناسبة من الصعب جدا الخروج بشيء قيّم وواضح بالنسبة إليّ على الأقل.

أوّل لحن تراثي سمعته من جدتي. أتحدث هنا عن الجيل الأوّل (أسمته الجيل الصفر) للنكبة أيْ سنة أو سنتين بعد أحداث 48، وقد كان عبارة عن تهاليل فلسطينية. تعرفت فيما بعد عن “العتابا” وأثّر فيّ إلى درجة أنّني توجهت إلى هذا اللون من الغناء (التراث) الذي كان مطروقا غير أنّه ليس شائعا قبل 2010 أمّا ما لم يكن مطروقا فهو المحاور المتناولة كالتي عملت عليها في “إشراق”. كان غناؤه بالأساس على المسرح ولم يلق رواجا قبل هذا التاريخ بين أوساط المغّنين (أمّا قصّة نجاحه بين الناس نتكلّم فيها لاحقا).

كان والدي (علي موسى) صاحب صوت جميل أيضا، صوت مثقف يبدع في الغناء العراقي والشامي والفلسطيني فضلا عن إلمامه بالموسيقى الكلاسكيّة المصريّة. لقد كنت محظوظة بنشأتي في وسط عائلي وفي بيت بهذه المواصفات وبهذا الزخم. هذا التنّوع يجعلك تمتص وتخزّن كل هذه الألحان وهذه الأفكار. في اللحظة المناسبة، يوجد “محفّز” وهذا المحفّز يمكن أن يكون صدمة، نهاية/ بداية مرحلة معيّنة. وبحضور هذا المحفّز تجد ما يكفي من مخزون مؤثر فيك. عمليا لا أغني الأغاني كما حفظتها تماما من جدّتي ومن أبي. أنا أغنّي تأثيرهم عليّ وانطباعي من تأثيرهم فيّ. كم من الممكن أن أشبه جدّتي؟ أن أقول ما قالت؟ في النهاية أنا خلقت في عصر مختلف عن عصرهم ولدّي تجربة مختلفة عن تجاربهم ولذلك أقول الأشياء بطريقتي، أصوغ تأثيرها فيّ.

2/ كانت بداياتكِ مع “المونولوج” لونا غنائيا يبذر موشّحات ويطّل على المسرح، هل من خيط ناظم بين لون “الموّشح” الذي نشّم منه أندلسا بعيدا وبين “التراث ” المستعاد من ذاكرة بعيدة أريد لها أن تطمر؟

السؤال جميل جدا. في البداية، المونولوج قالب مختلف كليّا عن الموشّحات. الآن أقول نعم، هناك خيط يصل بين “المونولوج” وبين “الموشحات” وهو أساسا الطريق، أي كيف وصلت إلى الأغاني التراثية ثم كيف وصلت بينها. “المونولوج” قالب كلاسيكي ولد في مصر في العشرينات وتطوّر في الأربعينات ثم توّقف. ولعّل أهمّ من لحّن هذه المونولجات (وهي ليست أغان تندرج ضمن قالب المونولوج) هو الموسيقار محمّد القصبجي وأهمّ من غنّى هذه الأغاني هي أم كلثوم. إنّ “المونولوج” قالب غنائي يشبه في تركيبته “الأريا” في الأوبرا، وهو فصل غنائي يبدأ فيه المغنّي/ة بسرد “حكاية” تلخّص فترة معيّنة من حياته موسوم ببداية وبنهاية وله “عقدة”. لا يستوعب هذا القالب إعادات لحنية أو ترديد كلمات. يُسمّى أيضا “ثروكمبوزد”/ انسيابي.يتميّز بالصراحة والشفافيّة ( ما يغيب عن أغلب الأغاني  باعتبارأن هناك أغان تنظم فقط لتلائم إيقاعا أو وزنا). على عكس المونولوج الذي لا يعرف المجاملة، وفيه قدر عال من الصراحة والمصداقيّة والحدّة وأنا أحببت هذه الميزات وكنت أبحث عن موسيقى في الأغاني التراثيةتحيل كلماتها على هذا النمط قبل عملي الأوّل “إشراق” (وهو عمل جماعي شارك فيه العديد ولهم الفضل في إنجازه).

لقد كانت الأغاني التراثية الفلسطينية الأكثر شيوعا هي أغاني الأفراح (وين ع رام الله، على دلعونا، زفينا العريس) وهي أغان تقدّم ضرورة في طقس جماعي وفيها ــ حسب رأيي ــ الكثير من التكلّف أو التظاهر ذلك أننا نبدي ظاهريا عكس ما نضمر من مشاعر (حزن، ألم..) لأنّ “الضرورة” تحتّم ذلك ولأنّ المجتمع يطلب منك أن تكون “قويّا”. هنا نجد مبالغة كبيرة في الصور وفي معنى “الأشياء” المغنّاة، فمثلا نجد جمل فخر “رائعة” من حيث الصورة والبلاغة “خيلنا تدوس المنايا خيلنا … ” ولكّن قوّة الصورة فيها هي بالضبط المبالغة التي يطلبها الطقس الجماعي (رفعالمعنويات، الاعتداد بالنفس..) غير أننّي كنت أبحث عن مونولوج، كلمة لوم وعتاب صادقين دون تكلّف. في المقابل لنأخذ مثالا آخر عن نساء حرمن من الزواج من شخص مرغوب فيه و”تغرّبن” كما تقول العبارة الفلسطينية (أيّ أنّهّن تزوّجن في قرى بعيدة نسبيّا عن عائلاتهّن) “يا أهل الغريبة طلّوا ع غريبتكم وإن تعبت الخيل شدّولي عزيمتكم”. هذا المونولوج الصريح والحادّ الذي كنت أبحث عنه والذي أحببته في أسطوانة “إشراق” ولذا كان صوتا نسائيا لأنهّن رائدات في قول كلمتهّن الصريحة وفي نقل مشاعرهّن بشجاعة وصدق بعيدا عن التكلّف.

3/ في عالم الأدب، اختيار العنوان عامل لا يقّل أهميّة عن المحتوى، لماذا “إشراق” .. على التراث؟

“إشراق” هي ترجمة “لمعنى” واسترجاع الذاكرة أيضا (فلاش باك). أتذكّر هنا رواية مارسال بروست “رومينيسونس” لأنّها تتحدث عن هذا الموضوع بشكْل واضح وهي واحدة من الروايات التي أثّرت فيّ بشكل عميق. هذا الوحي وهذه الهواجس أفضت إلى “إشراق”.كان قراري ببدء الغناء مرتبطابظرف صعب مررت به (فقداني لجدّي الذي كنت متعلّقة به كثيرا). وعندما سمعت جدّتي تحكي بيت “عتابا ” عن جدّي قفزت إلى بالي أغان، كمن يخفي شيئا حتى ينساه تماما ويأتي من ينبش هذا التفصيل المتروك، وقتها تذكرت تهاليل جدّتي حين كنّا نقوم بأعمال البيت. استرجاع هذه المشهد بالذات جعلني أشعر ببداية رحلة في الذاكرة و”إشراق” رحلة في الذاكرة.

4/ يبدو هذا العمل الأوّل متنوّعا في تاريخيّة الأغاني التي جمعتها من الذاكرة الجماعية الفلسطينية، فهل عمدِت أن يكون صوتا نسائيا بحتا؟

صحيح، صحيح. أنا كنت أبحث في عملي عن “المونولوج” ووجدته كلّه في صوت المرأة وفيما كتَبَتهُ وفيما قالَتهُ، ولذا لم أقحم أغان كتبها “رجال” فقط من أجل إيجاد توازن. أصلا لم أكن أبحث عن التوازن. أنا معنيّة بالصدق والشفافيّة مع جمهوري ومع مشروعي. هو صوت نسائي لأنّه صوت صادق. هناك قالب غنائي يعجبني كثيرا ( يغنيه الرجال) اسمه “الشوباج” وهو القالب الوحيد الذي يعبّرون فيه عن مشاعرهم دون خوف وبعفويّة تامّة. في أسطوانة “هاجس” حضرت أصوات رجاليّة بغزل ملفت من حيث خفته وصورته الطريفة: أغنيّة “طل القمر” أغنية غزل بامتياز وهي أغنيّة رجالية/ “السامر” أغنية رجالية كذلك فيها الكثير من الحنين ولكّن بطريقتهم الخاصّة “عاليومي لو انو الوطن ينشال فوق جمالي لأرحل وأجي لعندكم يا هاديين البالِ/ ع اليومي لا تحسبوا البعد نسّاني طريق هالي/ لأركب على الهجنة وأتدرّج على مهلي” وهذا ما كتبته بعملي “هاجس”.

و”السامر” ما يقوله الرجال في محاوراتهم وهو يتطلّب فصاحة وذكاء وقدرة على الحفظ (هناك من يحفظ مئات الأبياتبيت). فضلا عن ذلك أعتقد أن “حزن” الرجال قاتل. في هذا البحث/ العمل “هاجس” تعلّمت أن أقدّر هواجسهم ودمعتهم ” وإياك واياك يا للي ربيت أنا وإياك / إن عشنا عشنا سوا / وإن متنا أنا وإياك”. التراث هو أدب الشعب.

5/ ما التراث بالنسبة إلى سناء موسى؟ / فقد عُرفت بفنانة التراث منذ ال2000؟ وكيف ترين علاقة الفنّ بالتراث؟

يشرّفني أن أعرف كفنّانة تراث وأنّ اسم “سناء موسى” يحيل على التراث. التراث بالنسبة إليّ قصّتي، قصتنا وتاريخنا. والتراث بالنسبة إليّ هو سحر الكلمات والأغاني وأنا تحت تأثير هذا السحر وهو السهل الممتنع. التراث أغنيـتي الشخصيّة، الأغنيـة التي أبحث غنها. أغاني “إشراق” وقع تصفيتها من مئات الأغاني. إننّي أعتبرها أغانيَ الشخصيّة. هذه الأغاني هي “سناء موسى”. وكل أغنيّة من هذه الأسطوانة تتحدث عن “سناء موسى”، وليس فقط عنّي، عن كلّ سيّدة فلسطينية وهذا سرّ نجاح “إشراق” دون أي مكنة إعلامية. ببساطة لأنّ العمل منّا، لأنّها أغاني كل فلسطيني وكل عربي. تخيّلي مثلا أن أنشد “طلّت البارودة والسبع ما طلّ” أو أن أنشد ” يا خيل سالم باش روحتولي؟” في النهاية نحن نتحدّث عن نفس القصّة. الخاصيّة الفلسطينية مشتركة مع كل العالم، مشتركة مع البرتغال في أغنية “السفر برلك”. هنالك أغان كلماتها موجودة في موسيقى “الفادو” مثلا “باركونغرو” وهي عبارة عن “قوارب السود” التي تأخذ رجالا من البرتغال في رحلة مضنّية للبحث عن لقمة العيش فما كان للنساء البرتغاليات سوى هذه القوارب يتحدثّن معها عن مشّاق هذه الرحلة التي ستأخذ رجالهّن إلى المجهول في عرض البحر وهذا ما كانت السيّدات الفلسطينيات تفعلنه في السفربرلك حين كان العثمانيون يأخذون الرجال إلى الحرب. في الحالين لم يكن غالب الرجال يعودون، وهذه محاور مشتركة. في “يا خيل سالم”، صليحة تحدّث الخيل كلمة بكلمة وهي لم تأت بذلك من فراغ لأنّ جذورها تعود إلى زمن الاحتلال الفرنسي لتونس ولذا لا أستغرب أنّ أغني يوما “يا خيل سالم” لأنّها فعلا تمسّ القلب.

التراث هو ما يقدّم. يمكن أن نقدّم التراث بشكل تأريخي/ أرشيفي وهذا جميل وليس مجانبا للصواب ودليل ذلك أن أعمالا قبلي توّلت هذه المهّمة منذ الثمانينات. مسحت أراض كثيرة بحثا عن هذا الموروث وقدّمت، لكنّها برأيي لن تصل إلى الجماهير.

إنّ سرّ نجاح “نجمة الصبح” و”طلّت البارودة” هو فعاليّة التوزيع. هو مجموع البحث عن المحاور الصحيحة في العمق الصحيح وفي اللحظة السياسية الصحيحة. ولعّله تقديم الأغاني بشكل مختلف/ مغاير للسائد، بشكّل يعبّر عني، يشبهني. الاستشراق في تقديم الأشياء لا يساعد أبدا بل على العكس يتضمّن استخفافا رمزيا بذكاء الناس. هناك أعمال قدّمت التراث على نحو استشراقي، بطريقة لا تمّت إلى التراث بصلة، لا يعرفون ماذا يغنّون وماذا يرتدون ولا يعرفون أحيانا حتى مصدرها. في بعض الأحيان يتّم التعامل مع أغان ليست فعليا من صلب التراث.إنّ مثل هذه الأعمال تؤذي التراث لأنّها إسقاط على مخزون كامل وفي أحيان كثيرة تكون الإساءة دون وعي، وهي في أحيان أخرى تبدو نوعامن المتاجرة بالتراث لا يعي مقدّمه خطورته على هذا اللون الغنائي. المهم هو استدعاء “الأصيل” من التراث و”المجّدد” حتى نتجنّب أي خلط .

الأرشفة مهمّة بل ضرورية. نحن في “إشراق” نوّهنا إلى كلّ كلمة تمّ تغييرها، إلى كلّ مقدّمة تمّت إضافتها. عمل على هذه الأسطوانة لفيف من الفنانين “بشارة الخل” الذي أوّجه له تحيّة حيثما كان       وشقيقي “محمّد موسى”. التقينا لمدّة نصف سنة فقط نناقش قولبة الأغاني ونفكّر في الطريقة التي يجب أن نقدّمها فيها. إذا سمعتِ أغنية “سفر دولة” في الأسطوانة ستنصتين إلى رنين الأساور لأنّ الأساور ارتبطت في مخيّلتي بمشهد العرس عندما كنت أحضرها وأنا بعد طفلة صغيرة. كنت عندما أطلّ لا أرى سوى الأساور في أيْـدي النساء وهنّ يغنين ويصفقن فيحدثن موسيقى ما، وأنا أحببت جدا أن أسترجع هذا المشهد.

6/ كيف يمكن أن يجعل الفنان/ المغنّي من التراث ذاكرة إضافية للإنسان؟ وكيف ترين علاقة التراث بالتاريخ؟

المفروض ألاّ يكون ذاكرة إضافيّة. إنّ هذه الأغاني وهذا التراث الذي نحفظه ونتذكّره خاصّة في حالة احتلال لشعب بأسره اقتلع من أرضه وشـرّد لا يستطيع أن يــُعاش في كلّ محّل. ففي أوروبا مثلا، لايمكن أن نقيم مراسم”عرس” حقيقيّة وبشكل طبيعي، يمكن أن يكون مهرجانا أو حفلا غير أنّه من الصعب أن يكون “عفويا” وصادقا لأنّ التراث ببساطة يحتاج إلى مساحتك الطبيعيّة وإلى محيطكَ الطبيعيّ وإلى بيئتكَ الطبيعيّة. التراث هو الأرض والمناخ والناس والطقس فلا يمكن أن يغّني أغاني الحصاد من لا حصاد له أساسا وهذا لا ينسحب فقط على التراث الفلسطيني بل على كل تراث في العالم بأسره: أن تتحدث عن الرحى مثلا وأنت لم تطحن يوما حبّة قمح واحدة، عمّ تتحدث بالضبط؟ من هنا نحن نخلق ذاكرة للجيل الذي لم يتواصل بشكل مباشر مع تراثه لأنّه لم يخلق في مناخ يسمح له بذلك. نحن الآن نبني فلسطين في مخيّلة هؤلاء الشباب وهنا تكمن أهميّة المشروع ومن هنا تأتي المسؤولية في كيْـفيّة تقديم الأغاني ونقلها بشكل صحيح ودقيق وجدّي لأننّا هنا نخلق ذاكرة ويجب قطعا أن تكون خالية من أي تشويه لجيل شابّ. يجب أن نخلق فلسطين نقيّة وجميلة في مخيّلتهم.

7/ بعد “إشراق”، جاء “هاجس”.. ما هو هاجس المثقف المهتّم بالتراث في مساحة جغرافية محكومة بمحاولات نسيان دائمة؟

الهاجس، هو ما يسيْـطر على نفسيّتِكَ كل الوقت وهاجسي هو خوفي. أخاف أن ينقرض هذا التراث دون أن أتمكّن من رواية كل القصص. هناك محاور عديدة تدور حولها أغاني التراث. أنا في عملي “إشراق” لامست محورا واحدا وكذلك بعملي الثاني “هاجس”. تناولت محورين من حقب تاريخيّة مختلفة كما قلتِ لكّن كل واحد فيهما عمليا لم يعالج سوى محور واحد: في “إشراق” كانت أغاني النساء غالبة، على العكس من “هاجس” الذي غلب عليه الصوت الرجالي. صحيح أننّي قدمت أغنية جديدة من تلحين التونسي “نزار الوحيشي” ومن كلمات “زهير أبو شايب” وهذا جميل لكّنه ليس تراثا. الهاجس والخوف عندي مقرونان بفكرة الضياع، ضياع القصّة في خضمّ الصراع والمعركة، هاجسي وخوفي من الوقت. وهاجسي كذلك يتعلّق بكيّفيّة تقديم الأغنية لأنّ التعامل مع التراث مسؤولية، كنز يجب تقديمة بشكل لائق يتماشى مع أهميّته بالنسبة إلى شعب قابع تحت الاحتلال وكشعب فقد أرضه ولم يبق لديه سوى التراث والحكايات والشهادات دليلا على هويّته وتأكيدا على وجوده على أرض كنعان.

8/ ألا تخاف سناء موسى، فنّانة التراث بامتياز على أنماطها الغنائية الفتيّة من غول العولمة الذي اجتاح حياة البشرية قاطبة؟

تماما. هناك توارد خواطر بيننا فعلا. طبعا أخاف. وفي الواقع، خوفي دائما حول كيفيّة تقديم الأغنية، أي كيف أقدّمها على نحو تظّل معه حاضرة في الذاكرة الجماعية من جهة ومن جهة أخرى كيف تلامس الشباب في ظل سيطرة عولمة حدثت وألقت ظلالا ثقيلة وكثيرة على الذائقة الفنيّة. أتنافس معها (العولمة) لأنّ الإشكالية هنا تصاغ حول طريقة استغلال الحداثة على نحو نجذب معه انتباه الشباب ولكّن دون أن نغيّر جوهر الأغنيّة وأصالتها. الجمهور ذكيّ جدا وليس جمهورا مستهلِكًا وأنا أرى أن عددا من الفنّـانين يعتقدون العكس (أيّ أنّه جمهور استهلاك) ويظنّون أنّهم يستطيعون تقديم “أي شيء “. بيد أن ما يستمرّ مع الجمهور حقيقة هو القيّم الفعلي من الكلمات والأغاني والألحان، أما الباقي فلا يصمد أكثر من يومين ثم يخفت ويتلاشى وينتهي لأنّه ببساطة لم يشكّل جزءا من وجدان الناس. عندما تنتاب المرء حالة من القلق أو أيّ شعورآخر،سيختار الأغنيـة التي قد تريحه بعناية، ربّما تكون أم كلثوم خياره في حال قلق أو وجد.

نجحت الألحان التراثية في فرض نفسها آلاف السنين دون مواقع تواصل اجتماعية (فيس بوك، تويتر، انستغرام إلخ..) فكانت على الدوام السهل الممتنع.

بالنسبة إليّ، أريد أن أسخّر هذه العولمة/هذه الحداثة على نحو إيجابي في خدمة مشروعي الفنّي. هناك ” بيانو” و “كونتر باص” في بعض الأغاني لكّن هاتين الآلتين في خدمة المشروع وليستا مسقطتين لأنّهما لو كانتا كذلك لأنتجتا عملا “مسطحا” و”ضحلا” فقط ليتلاءم مع الآلة الغربية. أنا أسخّر هذه الآلة في المكان المناسب.

9/ في ألبوم “هاجس” لم تغنِ سناء موسى ما حفظته من تراث بقدرما غنّت ما كتبت وما لحنّت . ألهذا وسمتهِ هاجسا؟

لا، هي أغنية واحدة فقط. كتبت لحنا لأغنيـة “لفي محرمتك” وهي من كلمات جدّتي “وطفة موسى”، في أغنية “طلّ القمر” ساعدت في تلحين بعض المقدمات الموسيقيّة،أمّا أغنية “يا رايح ع بلاد الشام” فهي من تأليفي. أنا أعتبرها تجربة بسيطة ولا أرى نفسي كاتبة كلمة أو ملحّنة.

وهو هاجس لأنّه مجموع هواجس المحاور التي تحدثّت عنها في “عودة النوارس”، عن التناقض بين الحريّة والأسر وبين التهجيروالعودة إلى فلسطين. “يا رايح ع بلاد الشام” تتحدّث عن وجع الموت والفقدان، عن مفارقة موت الأطفال في سوريا. أمّا “السامر” فهي قصّة حبّو”لفي محرمتك” كما أسلفت الذكر” كلّ هذه المحاور التي لم أكن أغفل عنها طوال ثماني سنوات ما بعد “إشراق” وما قبل “هاجس”. كلّها سيطرت عليّ وأنجبت هاجسا واحدا كبيرا: ألبوم هاجس.

11/ في أغنية “سفر برلك” هناك نشيج بعيد لشعب يذكّر مستمعه إلى معاناته من طغاة كثر مرّوا على أرضه ولم ينتهوا حتى اليوم.. فيه فكرة القيام، هل يبشّر التراث بفكرة أنّ العودة “مسألة وقت؟”

تحدّث التراث عن أهميّة العودة وعن حنينه إلى أرضه. ينبش التراث في الذاكرة، ولكّن لا أستطيع أن أجزم إلى أي مدى “يبشّر” بالعودة. هو عمل شبابي حقيقي ووعي ينشر بين الشباب يعرّف ويذكّر بحق العودة ويؤكد على عدم إمكانية التفاوض حوله. كل هذا من الممكن أن يؤدي إلى كتابة أغان جديدة. فمثلا “هدي يا بحر هدي” كتبها أبو عرب وفيها حنينه إلى أرضه. أنا أحبّ أن يسمع الشباب، الجيل الشابّ هذا النوع من الأغاني لأنّه الدليل الوحيد على أن قضيتنا مازلت حيّة.

12/ بين “إشراق” و “هاجس”.. مسافة ثماني سنوات، هل تعمدين إلى وقفات تأمل كبيرة بين عمل وعمل؟

حقيقة لا أتعمّد ذلك. ولكّن أنا لا أغني شيئا لم يتمخّض عن تجربة. وهذه التجربة يجب أن تختمر وتنضج حتى يتسنى للأخر أن يشاركني فيها وكل هذا يحتاج وقتا. أنا لا أستطيع أن أغني شيئا لا يعبّر عني. تخيّلي معي أن أغنّي شيئا عن حياة الإنسان على كوكب الزهرة. كفكرة يمكن أن تكون ممتعة وجميلة غير أننّي لن ألمس أي شيء حقيقي لأنّه ليس هاجسي حاليا. أنا سأغنّي ما ينبع من حزني ومن فرحي ومن تجربتي ومن تجربة آبائي. وعليه، من المهم، أن يأخذ العمل وقتا كافيا. وفي النهاية، القصة ليست بعدد الأسطوانات، القصّة بأثر كل واحد فيها. “إشراق”ــ بتواضع وبفرح شديدين ــ غيّرت شكل المشهد الفنّي الثقافي بفلسطين أوّلا ثم خارجها.

12/ لجوليا كريستيفيا عبارة “النص المنجب” في مخابر الأدب، إذا ما أحلنا المصطلح على التراث نرى أنّه من الطبيعي أنّ يؤثر فينا فينجب أصواتاو”حفظة”.. ولكّن كيف نؤثر فيه؟

أعتقد أن إعادة قولبة التراث هو الذي يساعد في نشره أو في عدم نشره. فإذا كانت طريقة مشوّقة فقد ضمنا بذلك استمرارية التراث مع الأجيال القادمة، بل ضمنا تطّوره وتقدّمه. “التطوّر” لا يعني أنّه متخلّف أو بدائي، على العكس من ذلك أن يتطوّر معناه أن يأخذ شكلا يشبهنا لأنّه كلّما كانت المادّة المقدّمة تشبهنا كلّما كانت مقنعة أكثر وحقق نجاحا أكبر.

13/ ماهو واجب المثقف الفلسطيني (بشكل خاص مثقف الداخل) تجاه قضيّة فلسطين؟ / ما الفارق الذي يمكن أن يصنعه مقارنة بسواه؟

أنا أرفض قطعا مصطلح “فلسطيني الداخل”. طبعا لهم خصوصيّة كبيرة في سيرورة الصراع. ولكنّني أحبّذ مصطلحا سمعته ذات مرّة عن فلسطيني الداخل هو “فلسطينيو النواة”. هناك حمل كبير على عاتق فلسطيني النواة. والمفروض أنّ كل فلسطيني العالم هم فلسطينيو الداخل، حتى الضفة هي الداخل. على كلّ فلسطيني أن يورّث قضيّة وموقفا واضحا لمن بعده. غياب الحلّ الفوري لعدم توازن القوى لا يعفي الفلسطيني من ضرورة توريث قضيّة “بكل تفاصيلها وجوانبها”، ومن تعليم الأجيال القادمة كيف يطالب بحقوقه. وهذا حاليا يعّد نجاحا هامّا.

14/ نمّر هذه الأيام بذكرى الغارة الإسرائيلية على “حمّام الشط” في تونس.. كلمة لتونس:

“آخ” تونس.. أتنهّد عندما أتحدّث عن تونس. لتونس مكانة خاصّة. احتضنت فلسطين في أكثر الظروف حرجا. تونس علاقة كنعانية بين قرطاج وبين فلسطين. علاقة قويّة جدا فيها محبّة متبادلة بيننا.

تونس .. وأبسط ما يقال ــ وهو ما ينسحب على الجزائر أيضاــ في القلب بشكل طبيعي وعفوي. قريبة وحاضرة في تاريخنا ووجداننا.

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.