سميرة ربعاوي: جسد المرأة بين سندان الذكورية ومطرقة القهر

img

 

قد ينتقمُ العدلُ ،في البلدان التي تحترم حقوق الإنسان، للنّساء اللواتي يُجلدْن حرفيًّا. لكن، ماذا لو كان الجلدُ باللسان أو القلمِ أيًّا كان نوعه : تحقيرٌ فتقزيمٌ فتكفيرٌ لمجرد رؤية جزءٍ عارٍ من أجسادهنّ؟

يُعاملُ المجتمع العربيّ النساء على أساس أنهنّ أجسادٌ فقط، وقد تُوهمُك بعض الآراء الناقدة لسلعنة جسد المرأة –تعريَةً أو إخفاءً- أنها أصواتٌ تدعو إلى تحريرها من تشييء جسدها. لكن لو تفكر قليلاً بموضوعيّة ستجدُ أنّ هؤلاء أنفسهم يرون المرأة مجرّد “جسمٍ” . فالرّأي الذي يدعو بابتذالٍ إلى تعرية جسد المرأة يلتقي مع الرأي الذي يدعو إلى تغطيته بحيث لا يتركُ المجال لها كي تختارَ وفق إرادتها الحرّة والواعية، تماهيًا مع الفكرة القائلة بأنّ “المتطرّفين يتقاطعون” أي يلتقون في نقطةٍ ما .

جسدُ المرأة مصدر إرباكٍ للمجتمعات الذكورية

تقول سيمون دي بوفوار في مقالها الشهير “لا تولد الواحدة منّا إمرأة بل تصبح كذلك” بأن الوضع البيولوجي للمرأة لا يشكل عائقًا في حد ذاته، وإنما الطريقة التي تفسر بها المرأة هذا الوضع، هي ما تجعله إيجابياً أو سلبيًا. التجارب الأنثوية الخاصة -تطور الأعضاء الجنسية الأنثوية، الدورة الشهرية، الحمل، سن اليأس- ليس لها معنى في جوهرها، لكن في مجتمع جائر، قد تكتسب تلك التجارب معنى يعرِّفها باعتبارها عبئًا أو نقصًا، حيث ينتهي الأمر بالنساء إلى قبول المعاني التي يعيِّنها لهن المجتمع اﻷبوي.

ولهذا السبب، قد تجدُ عديد النساء اللّواتي يمقتن أجسادهن وينعكسُ ذلك بدوره على نظرتهنّ إلى أجسادِ مثيلاتهنّ، مما يؤدّي إلى تبنيهنّ لمواقفَ معادية لجسد المرأة في محاولة للتبخيس من قيمته وإخفاءه .

إنّ جسد المرأة بالنسبة للكثيرين يمثّلُ مصدر هلعٍ كيف لا وقد يزعزعُ عرش الذكورية التي تتربع في عقل الذكر العربي وتساعدُهُ في ذلك العناصر النسائية -التي ترعرعت بين أحضان العقلية الأبوية السلطوية- متعمّدة إثارة الرجال بالإنحياز لهم. فالذكورية بالنسبة لهؤلاء جميعا موردَ رزقٍ فهي التي تمكنهم من إمتيازات بالمجانّ قد يكونوا غير جديرين بها.

إحتقار جسد المرأة تبريرٌ لمحاولات إختراقه

بين أوامر ضمّ الساقين بالنسبة للبنت والإنتباه لفستانها حتّى لا يعلو فيُظهر جزءًا منهما، وبين ترك المجال للولد حتى يفتحَ ساقيه ويحرّكهما بحريّة، تنشأ المرأة. وقد يدفعُ التبخيس من قيمة أجساد النساء بمحاولات إخفاءه قسْرًا إلى تحويلهنّ إلى مجرّد شيءٍ و سلعةٍ قابلة لكلّ أشكال الإعتداء والإختراق، وذلك من خلال السلوكات التي تمثّلُ عنفًا مسلّطا عليهنّ. فإحتقارُ جسد المرأة يجعله عرضةً للإنتهاكِ إذا “ثار” على العقلية الذكورية التي يمثل إخفاء جسد المرأة ركيزةً أساسية لها. فخروج المرأة في مجتمعنا إلى الشارع وهي ترتدي لباسا يُظهرُ أجزاء من بدنها، سيعلّقُ عليها نظرات الذكور محاولين أن يجمعوا بأعينهم أكثر صورٍ لها لإثراء خيالهم الجنسيّ بها ،وقد يرمونها بجمراتِ ألفاظهم وأحيانًا بأفعالهم، تحرّشا و ضرًبا ولما لا إغتصابًا وصولاً إلى القتلِ.

في المقابل يبرّر المعتدي تصرفه  بأن لباس الضحية وجسدها قد دفعاهُ إلى ذلك وهو ما يمثّل محاولةً لتبرير فعله، وبالتالي تبريرَ فشله في كبت غرائزه كشخصٍ متخلّف يعيشُ قهرًا إجتماعيّا كما يقول الدكتور مصطفى حجازي في كتابه “التخلف الإجتماعي مدخل لدراسة سيكولوجيّة الإنسان المقهور”. فالشخص المتخلّف والمقهور في آن، بعد فشله في ردّ الفعل على الأطراف التي تسلطت عليه – والتي من بينها المجتمع الذي يكبته ويقيّده- يهرب من ذلك الفشل برد الفعل على أضعف الحلقات التي يقابلها وعادة ما تكون المرأة.

بالتالي لا يمكنُ لهاته المجتمعات -المقهورةِ أفرادها-  أن تتقدم طالما أنها لم تنتفض على هذه العقلية الذكورية المتخلّفة ، فهي مجتمعات تصمّ أذنيها و تغمضُ عينيها عن التجارب الناجحة لباقي المجتمعات والتي أصبحت ترى جسد المرأة مقدّسًا، قد يكون محملاً فنّيا حتّى.

جسدُ الإنسان محملٌ فنّي

إنّ كارهي الجسد عموما وأجسادُ النساء خصوصًا هم إمتدادٌ لأجيالٍ تتبنّى –منذ القديم- طمرِ المرأة فكرًا وجسدًا إنتصارًا لعقليةٍ ذكوريّة ترى صفة “الذكر” إمتيازًا يعطي الحقّ لحاملها بأن يليكون حرّا على جميعِ الأصعدة، وقد يصلُ بهم ذلك مثلا إلى القبول بأن يجعلَ الفنان من جسده موضوعًا لعمله ، ولكنهم يعارضون هاته الفكرة بشدّة إذا قامت بذلك فنّانة رغم أنّ الأسماء الفنيّة النسائية قد أبدعت في هذا المجال، ولعلّنا نستدلُّ على  ذلك بالتجارب والأعمال الفنية لمارينا أبراموفيتش “جدّة البرفورمانس” حيث جعلت من جسدها وأجساد الآخرين لبّ عروضها وأفلامها، مؤكدة على أنّ الفنّ يدفعك إلى أن تفعل بجسدك ما لم تستطع فعله في الواقع المكبّل بالقيود.

في إحدى تجاربها الآدائية  مثلا ،وقفت مارينا مع حبيبها وهما عاريين بالكامل بشكلٍ يكونا فيه متواجهين في مدخل بنايَةٍ بحيثُ لا يسمح لأيّ شخص ثالث بالمرور بينهما إلا إذا إحتكّ بكلا الجسمين العاريين، وقد مثلت هذه التجربة فرصة لدراسة حساسية “الجمهور” تجاه لمس جسد آخر عار في النهار وأمام أعين المارّة فاختلفت ردود الفعل من شخصٍ إلى آخر : فبالنسبة للبعض مثل ذلك دافعًا للإرتباكٍ ، كما حاول البعض الآخر تجنّب أحد الجسدين فتحاشى لمسه ليلمسَ بذلك الجسد الآخر…وغيره التصرفات التي تكشف عن طبقات العُقد والخوف والحساسية المفرطة حول العري، وأيضا مفهوم “الجندر”.

 

 

 

 

 

 

أخيراً، إذا كنت تخافُ أن ترى إمرأة عارية أمامكَ… إذا كنت ممّن لا يستطيعون تقبُّل فكرة أن  المرأة تملك جسدًأ وعقلا مثلك، فالأفضل أن تقوم بإكتشاف جسدك لتتصالح معه  إذ من المحتملِ أن تشيحُ بنظرك عنه لو رأيته  عاريًا في المرآة .

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: