سميرة ربعاوي: ازدراء الأديان حماية لسلطة اليَمين أو لمشاعر المتديّنِين

img

إنّ الفرد يمكنهُ ،إذا ما تخلّص من تطرّفه الفكريّ بانفتاحه على معارف وشعوب وثقافات وديانات أخرى، أن يصبح أكثر تسامحا مع نفسه ومع الغير. فقد تنسى لولهةٍ أنك في مجتمعٍ يرفضُ الآخر المختلف وأنت تستمع إلى صوت الفنّانة غالية بن علي مغنّيةً كلمات محيي الدّين ابن عربيّ ، حيث تقول” لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني.لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ،فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ،وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ ،وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن. أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني”.

لقد إستطاعت أغلب الدول أن تضع قوانين تحمي مصالح أفرادها بجميع إختلافاتهم بما فيها إختلافاتهم الدّينية، ولكن ماذا لو تمّ تطبيق تلك القوانين بطريقة تتلاءم ومصالح السلطة الحاكمة؟ أي ماذا لو أصبح تطبيقها يختلفُ حسب المرجعيّة السياسية والفكريّة لمن هم في السلطة؟

قد تلاحظ أنّه كلما صعدت الأحزاب اليمينيّة للحكم في أيّ دولة كانت ، إلاّ و تغيّرت وجهة المطالب الإجتماعية وأصبحت تلك المطالب تتمحورُ حول الهويّة الدينية لهذا المجتمع أو ذاك، وكأن إعتناق دينٍ ما يتطلّبُ أن يتمّ تبريره ليكتسب الشرعية وذلك رغم أنّ الإعتقاد بديانة ما من عدمه هو فكرة شخصية لأن كلّ فردٍ في هذا العالم ينظر إلى الأديان بطريقة مختلفة عن الآخرين.

فبالعودة للأحداث الواقعة بعد أحداث ديسمبر2010- جانفي 2011، تمّ تحويل وجهة أهم شعار مركزيّ للإنتفاضة في تونس من “شغل حرّية كرامة وطنية” إلى “ماهو دين الشعب التونسي؟”.و لعلّنا ،في هذا الإطار، نذكر تلك النقاشات الحادة حول الفصل الأول من الدستور وإمكانية تغييره والتي وصلت إلى تكفير بعض النواب.

علّق الأستاذ عياض بن عاشور في تلك الفترة قائلا بأنّ : ” تمرير إقتراح الفصلين الدستوريّين -والذي يرمي أولهما إلى حماية المقدسات الدينية ، أما ثانيهما فيجرّم الإعتداء عليها، بالإضافة إلى إقتراح تعديل الفصل 165 من المجلة الجزائية لتفوق العقوبة المقررة لجريمة الإعتداء على المقدسات الأربع سنوات سجن- سيؤدي بنا إلى هاوية الإستبداد الثيوقراطي، وهو أبشع وجوه الإستبداد”.

لقد تنامت الدعوات المطالبة للمجتمع الدولي بتجريم ما أُسمِيَ بإزدراء الأديان على مستوى القوانين الدولية، في حين نجد هذا المجتمع الدولي بمختلف مكوّناته ينادي جميع الدول بإلغاء هاته الجريمة و عدم تحويلها إلى وسيلةٍ لدحر الخصوم السياسيين وجميع الأشخاص الذين يحملون فكرًا مغايرًا للسلطة الحاكمة، ولعلّ هذا ما تمرّ به في تونس. فرغم قبول حركة النهضة الإسلاميّة بحرّية الضمير والتعبير، فإنّ ذلك كان من باب التنازلات لا من باب الإقتناع. وهنا، يمكن أن نستدلّ على عدم إقتناعها ذلك بكلّ الأحداث الواقعة منذ سنة 2011 إلى يومنا هذا، بداية من أحداث الحرق التي طالت أضرحة الأولياء الصالحين باعتبارها حسب رأيهم ضدّ الدين الإسلامي، وصولا إلى حادثة العبدلية و حادثة نسمة بسبب عرضها لفيلم “برسيبوليس” وغيرها من الأحداث.

جريمة إزدراء الأديان التي نجدها في قوانين عدة دول، تختلفُ حسب طبيعة سياسة السلطة الحاكمة

جريمة إزدراء الأديان تُعتبرُ من الجرائم المرنة والتي يمكنُ تطويعها حسب الخلفية السياسية لمن هم في الحكم، وذلك حسب مدى إحترام ومقبوليّة حقوق الإنسان من قِبل تلك البلدان .

ففي البلدان العربية عامّة، على غرار البلاد التونسيّة، تُحوّل السلطة “إزدراء الأديان” ،التي تكرّسها في قوانينها بصفة فضفاضة وغير قابلة للحصرِ، إلى سيفٍ تحاربُ به خصومها السياسيين و المواطنين الذين ينتقدون أدوات توليها الحكم فتزجّ بهم داخل السجون ، هذا إذا لم تتم معاقبتهم بعقوبات بدنية قد تصلُ إلى الجلد ولعلّنا نتذكّر جيّدا محاكمة رائف البدوي في السعودية منذ سنوات، حيث إعتُقل سنة 2012 بتُهمة الإساءة للدين الإسلامي من خلال شبكة الإنترنت، كما إتُّهم بعدة قضايا من بينها الردة. وقد كانت عقوبته آنذاك تُقدّر بسبعة سنوات سجن إضافةً إلى تلقّيه ستمائة جلدة.

إنّ هذه السياسة العقابية تشجّعُ على أن تتمّ معاقبة كلّ ذي رأي مخالف، لا من قِبلِ الهيئات القضائية فقط، بل كذلك مِنْ قبل بعض الموطنين الذين يرونَ في طريقة تعبيره مساسًا بمقدّساتهم، ونذكر هنا مثلاً ما تعرّض له نجيب خلف اللّه مخرج مسرحية “ألهاكم التكاثر” من إعتداءات جسدية، بعد أن شنّت نقابة الأيمّة عديد الحملات لمنع عرضها، وقد علق المفكّر يوسف الصديق حينها متسائلاً : “ماذا لو سمّينا عملاً فنّيا آخر البقرة أو الصّياد أو الحديد؟ هي أيضا عناوين صُورٍ في القرآن…من هؤلاء النّاس الذين ينصّبون أنفُسهم نوّابا”.

في المقابل، نجدُ عدّة بلدان تعترفُ بهذه الجريمة وتضمنها في قوانينها بصفة صريحة و واضحة، بطريقةٍ تُصبح فيها الغاية منها حماية المشاعر الدينيّة للأفراد الذين يعتنقون دينًا ما ، و يعني ذلك أن تجريم إزدراء الأديان في تلك الدّول يهدفُ إلى حماية المواطنين من الإعتداءِ عليهم أو التحريض ضدّهم وممارسة الميز تجاهم، لا من أجل تكميم الأفواه المعارضة

إنّ حماية حرّية التعبير والرّأي، على غرار باقي الحريات، تختلفُ من بلدٍ إلى آخر وذلك حسب توفّر الإرادة السياسية لحمايتهما. لذلك من المهمّ جدّا ،إذن، أن تتمّ إثارة النقاش من جديد حول هاتين الحريّتين خاصّة بعد تداخلهما مع عدّة حريات أخرى كحرية الضمير وحرّية المعتقد.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: