زين العابدين فؤاد :أحدهم يخرج من رسالة

img
زين العابدين فؤاد :أحدهم يخرج من رسالة
سيكون أمامهما سنوات طويلة كي يكتشفا جزء  من الحقيقة،الحقيقة أنه كان يحبها.
ما الذّي يعنيه أن نحب ؟ كان هذا مدخلا جميلا لاول الرسائل بينهما، أنهى خطابه برجائه الدائم كي تكون بخير. و كما يفعل العشاق في البدايات أكد لها جازما انه لم يلتق شخصا بمثل جمالها.
العجوز على كرسيّه منذ ثلاثة و عشرين عاما، يدخل الناس الى المقهى و يغادرونه من دون الالتفات اليه، لقد اصبح ركنا ثابتا من مشهد المكان اليومي، يمرّ صباحا قبل الذهاب الى مركز البريد للتثبت من كل كلمة كتبها البارحة، يعيد القراءة، يرفع نظاراته،ينزلهما. سابقا لم يكن يحمل نظارات. يعيد القراءة في سرّه أو ينشد خطاباته بصوت فخم في البداية، مترهل في اخر النص و نزق في الحالتين.
بعد الذهاب الى مركز البريد يقفل عائدا، إلى الكرسي نفسه، باوراقه و اقلامه يعدّ نفسه للرسالة التالية.
ماذا يكتب في الرسائل يا ترى؟
كان شابا في الثلاثين من العمر يقضي حياته في الارتحال من مدينة الى اخرى، يقول من لا يستطيع مغادرة البلاد، يستطيع السفر في داخله. المهم اذا برأيه ان يسافر، يغير الامكنة، يختلق مكانا جديدا اذا لم يتسع وطن لاحلامه، يقول دائما أن له وطن ..
هي ليست مثله و حتى حين التقاها في اخر سفراته الى احدى الارياف القصية، كانت هناك بدافع العمل فقط.
لا يقول لي شيئا عن ملابسات حضورها الاول،أساله كيف عرفتها؟
يجيبني :هذا هو العنوان،
و يقدم لي قصاصة ورق بها عنوان شخصي لاحد ما في
بلد اجنبي.
أفهم من ذلك اشياء كثيرة لكنني لا افهم أمرا بعينه، و عموما له حريّة البوح و لي أن أتخيل.
كان يبعث الرسائل بشراهة مفرطة، حتى اني اعتقدت باديء الامر انه ربما يغالي في الحديث عن الامر، حين زرته في البيت، رأيت اكوام الرسائل التي استعادها بشكل ما و عددها الذي لا يعدّ.
– مالذي كنت تقوله في الرسائل يا صديقي ؟
– مالذي لم أقله بربك ؟
– كم ارسلت لها من مرة برأيك ؟
– عدد ما يسمحون به في البريد، و احيانا أضع رسالتين في مغلف واحد.
تأخرت الفتاة في الرد على اولى رسائله لاشهر، هذا الذي سبب له احباط كبيرا ، بعد ذلك ردّت :
عزيزي سامر، لم استطع الاجابة في كل هذه الفترة، كنت أعمل في بلاد بعيدة، عدت الان الى البيت فوجدت رسائلك كلها. قرأت معظمها، عليك ان تترك لي فرصة كي اجيب على كل شيء في وقت لاحق.
إلى ذلك،كن دائما بخير..
هذ الرد المقتضب، سيجعله اسعد شخص في المدينة، يقول انه قد شرب نخب رسالتها عشرين يوما و كلما التقى صديقا حدّثه في الامر و اخرج من جيب معطفه الرسالة، ليقرأها و حتى بعد ان حفظها منذ القراءة الثانية، تعمد دائما ان يخرجها كي يؤكد للمشاهد، أنه لا يكذب، خاصة مع وجود بصمة باحمر الشفاه في اسفل الورقة ..
و مرّت السنوات و سامر يراسل فتاته، يغضب حينا، يفرح حين يسعد مع كل دقة جرس، تأتي على الساعة العاشرة و النصف مع قدوم ساعي بريد الحي، حين لا يأتي كان العجوز يذهب الى البريد او يلتقيه في الطريق الى هناك، فيوقع و يأخذ ما ارسل اليه و يعود الى البيت،لم يقل لي انه من الممكن ان يقرأ الجواب في الطريق لكني توقعت ذلك، كان حين يتكلّم يرفع صوته و يخفضه بقدر ما اتسع الموقف، يشير بيديه المرتعشتين، يقف،يجلس،يتحرك بشكل عبثي لكنه يبدو ملائما مع كل ما يقوله،كان حين يتكلم يعرض لي نفسه عاريا و لو بمعطف من الكشمير.
مع قدوم شبكة الانترنت و فكرة البريد الالكتروني، كان يريد نقل حديثهما من طريق البريد الى بريد، طريقه اكثر سرعة،صار نهمه لرسائلها يجعله كثقب اسود، يستطيتع ابتلاع مركز البريد بأكمله، و فكر انه لو يتراسلا الكترونيا سيكون ذلك ما يتمناه منذ سنوات.قبلها أكد لي انها لم تستطع العودة لرؤيته، وهو المطرود من عمله الحكومي لقضية ما،لا يستطيع الخروج من البلاد فقد سبق له ان دخل السجن باكرا، و الى بلادها تنكسر الطرق على حجر الوثائق.
كانت الوثائق الرسمية تدين العجوز،هو يقول انهم لفّقوا الامر.. أنا لا رأي لي بالحكاية.
لا تعود اليه و لا تقبل الحديث إليه بالهاتف و لا يستطيع الذهاب اليها و العجوز لا ييأس ابدا.
مع قدوم الانترنت و الالفية الثالثة و تلك الحروب الكبيرة، لا احد انتبه له وهو يأخذ دروسا في كيفية التعامل مع الحواسيب، ثم استطاع لاحقا ان يشتري واحدا، كانت الدولة حينها تدعو الناس كي يكفوا عن بناء البيوت و يشتروا بدلا عنها حواسيب و يسكنون العالم الجديد،إذ أنه اكثر اتساعا و لو كان اقل دفئا.
أصبح الان متمكنا من قواعد اساسية يستطيع عبرها الحديث مع اؤ شخص في العالم بلمح البرق.في ذلك المساء كتب لها،تحدث عن كل شيء، ما فعله منذ يومين و ما ارتداه و ما فكر فيه و اقترح عليها الامر. فرفضت، لان ليس لها بريدا الكترونيا.
حين اجابته لم يصدق و اصر هذه المرة و اقسم بحبهما على الهجر ان لم توافق، يقول ان حياتهما كانت تحتاج دفعة كهذه، تحدث بعدها المفاجآت، ينتصران في حربهما ربما أو ينكسران ..
رفضت الفتاة مرة اخرى و هجرها حقا، و بعد رسالتين ارسلتهما كفت عن ذلك و لم تعد الساعة العاشرة و النصف حدثا سعيدا بالنسبة للعجوز،غير أنه كلما اشار المنبه الى تمام العاشرة و النصف التفت من دون وعي الى الباب و يقول ايضا انه في الكثير من المرات كان يسمع طرقات ساعي البريد لكنه حين يفتح لا يجد احدا.
بعد اشهر صار الفراق حدثا لا يطاق، لم يستطع اذا العيش من دونها أو تجديد حياته، فأرسل لها مرة و اخرى و عشرين مرة .. لكن الفتاة لا تجيب.
و حينما اشتعل رأسه بدأ بتخمين بريدها الالكتروني، يكتب اسمها و ارقام تاريخ ميلادها، يضيف النطاق الذي من المفترض ان تكون به،يقلب الاسم و التاريخ، يضيف اللقب، يدون اسم كاتبها المفضل، أو لاعب الشطرنج او توم هانكز أو يستبدل كل ذلك بالاوركيد و حمامة الايك و مدينتها، اسم امها أو والدها، أو اختها الصغرى، يكتب اسمه و لقبه و يتوقع ان تكون قد اختارت بريدها باسمه، لقد كانت تحبه، يزيله و يكتب نيتشه،دالي،اراغون، اي شيء تحدثت باسهاب عنه كان من المفترض أن يكون جزء قارا من توقعاته. استمر في فعل ذلك لاسابيع و كان يبعث رسائله الى الف بريد في الاسبوع.
كان يقول لي بحسرة،

أنه لم ينم ليالي بأكملها، و أنه يفضل المحاولة دائما إلى آخر رمق..
بعد شهر و نصف،على الساعة العاشرة و النصف، صباح يوم الاثنين، دق جرس البيت ،هو للتو قد نام و حين تسلل الصوت إلى اذنيه استنفر كحمار وحشي و نطّ من على الاريكة، عاريا،حين بلغ الباب استدار بسرعة الى الحمام و ارتدى “روب” الإستحمام قفز فاتحا خطواته متجها إلى الباب و صارخا : لحظة .. أنا قادم .. أنا قادم.
ساعي البريد الجديد، لم يكن شخصا بشوشا،قدم إليه برقية، لسحب برقية، عليه أن يتجه سريعا إلى مركز الخدمات.هكذا تمضي الأمور في بلادنا حين نكون مستعجلين، نلتزم الفواصل.
لاحقا، أمام القاضي وقفا في قفص الإتهام، يعرف الآن ان أحدا سخر منه حين أجاب على رسائله، يعرف ايضا أنّ امرأة لا يعرفها تقف الى جانبه و بتهمة الخيانة يقفان على خط واحد.
في الطرف المقابل، ساعي البريد القديم، زوجها، يدافع عن حقه في جبر الضرر.
في الجهة الأخرى يقف القضاة الحائرون و يبحثون عن فصل يطوّق المشكلة، كيف سنحكم على الرسائل حين تخطيء وجهتها؟
ساعي البريد الذي ألقى الرسائل في القبو كي لا يعيدها إلى صاحبها و يعود باكرا الى البيت، كان لسنوات يحمل أكواما من الأحداث و الأسماء و الضحكات و الدموع ، يحملها محايدا من دون موقف و مطمئنا من دون خوف، لأنه لم ير شخصا يخرج من رسالة.. كانوا جميعا يبحثون عن أول طلقة خاطئة و أحد لم يجدها ..
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: