زهرة الهيبسكس أو زهرة الخزامى Hibiscus -ميشال أنتوني

img
زهرة الهيبسكس أو زهرة الخزامى Hibiscus
تأليف : ميشال أنتوني *
ترجمة : زيد الشهيد
قصّة مترجمة 
 
_ هل أنتَ منفعلٌ ؟ بادرتني عمّتي بالسؤال ووجهها رغمَ ابتسامته يبدو أشدَّ سمرةٍ . كان الموقف أشدُّ تأثير عليها منّي .
_ نعم ! .. قلتٌ .
_ سأٌحضر لكِ كلَّ شيء . لن تحتاج لملابسَ كثيرة ؛ وبحلول عيد الفصح ستكون هناك .
 
لذتُ بالصمت . لم أكنْ راغباً في الكلام : ولم أكن مبالياً سواء وصلت إلى هناك أم لا . بقيتُ مستلقياً ومصوباً نظري نحو السقف ، أو متأملاً عمّتي أحياناً ، أو متطلِّعاً لِلابسات البياض وهنَّ يذرعنَ ردهات المستشفى .
 
_ لن يبقوكَ طويلاً ؛ أتعرف ذلك ؟ .. تكلّمت عمّتي
 
_ كلاّ . .. قلت .
 
_ ألا تريد الذهاب ؟
 
_ اذا كنتِ لا تريدينني أن …..
 
_ كلاّ ! يجب أن تذهب . قاطعتني : فالأفضل لكَ سيما وأشعةُ الشمس على أحسن ما تكون هناك .
_ حسنا .
_ تبدو اليوم أفضل من قبل .
 
رحتُ أٌسمِعُها ما أخبروني به فيما راحت تنصت باهتمام ؛ ثم تُردد : ذلك حسن !! وتسألني سعياً لمعرفة كل ما قالوه . وما أخبرتها عنه تركَ أثراً وانطباعاً شديدين في نفسها … كان التهاب الرئة الذي لازمني قد ولّى بغضون ثلاثة أسابيع . ألقت عمّتي نظرةً على الساعة المرتكنة على الحائط . ولّما أدركت قرب انتهاء وقت الزيارة شرعت باخراج ما جلبته من حاجيات . وضعت حقيبة يدها على فراشي ، متابعةً تأثير كل حاجة تستلها : ثمرة البناناس ، حلوى ، عصير البرتقال ، عصير العنب . رتَّبتها على المنضدة المنتصِبة عند حافة السرير المجاور لرأسي . كنتُ قد أُطعِمتُ من الحلويات مرةً واحدة خلال اقامتي في المستشفى . أمّا ثمار البناناس فكانت تثير شهيتي بحض الأحيان . حاولت ابداء سروري لكنّي كنتُ من الضعف ما لم أستطع فعل ذلك .
 
_ أتحب عصير العنب ؟
 
– أجلبتِ منه شيئاً ؟
_ نعم ؛ علبة صغيرة .
 
في الواقع لم أكن أحب عصير العنب …. حدّقت بي وقالت : إنّه جيد ومناسب لك .
 
_ لا تتعبي نفسك ؛ ولا تجلبي أشياءَ كثيرة بعد الآن .
 
استمرّت تخرج حاجيات أخرى ، بسطتها بعيداً عنّي . وللحقِّ أقول أنها لم تكن تثير اهتمامي لأنّ أفكاري كانت تطوف بعيداً من هنا .
_ أتيتُكَ بشيءٍ تقرأهُ .
 
دسَّت كفّها في جوف الحقيبة مخرجةً كتاباً صغيراً مغلَّفاً بورقٍ أملس وصقيل ، رُسمت على غلافه صورة زهرةٍ في زهوِ تفتّحها “: ” حكايات من الهنود الحمر ” .. رددّت عمّتي .
 
سرّني ذلك وأنا أهمُّ بتعديل جلستي . أمسكتُ بالكتاب وأنا أبصر عمّتي تُبدي ابتهاجاً :
 
_ أتصدِّق أنْ ثمّة كتباً تحكي قصص عن الهنود في هذه البلاد ؟
 
_ كلاّ .
_ حسناً .. عندك الآن هذا ؛ تسلّى به ولكن لا تقرأ كثيراً .
 
انتهت الزيارة لحظة رنَّ من بعيد جرسٌ خافت الصوت فشرع الزائرون ينسلون خارجين فيما نهضت عمّتي من على سريري ، قائلةً :
_ سأكتب لهم محددِّة موعد ابحارِكَ إليهم . طبعاً ذلك يعتمد على رأي الدكتور …. توقفت قليلاً قبل أن تكمل : بأي زورقٍ تود السفر ؟
 
_ هيلدا براند .
 
انحنت ؛ مقرِّبةً وجهها من وجهي كما لوكانت تبغي تقبيلي :
 
_ ربّما سيكون هيلدا براند مرّةً أخرى .
 
ضغطت يدي قليلاً ثم غادرت :” سأراك غداً مساءً ” … توقّفت عند الباب . مالبثت أن غابت خلفه .
 
وكالعادة ما أن تركتني عمّتي حتى ابتدأت أفكِّر بحسنِ صنيعها رغم أن ذاكرتي لم تكن تسعفني كثيراً إذْ الجو المشبّع بالعقاقير وزرق الابر المتوالي يعكّر عليَّ صفوَ تفكيري . ومع هذا لا اقدِّر كم هي رائعة عمّتي معي ، وكم كنت المفضّل لديها في البيت . أتذكّر أنها طلبت حضوري إلى جانبها حالما رحَلَت إلى انكلترا . أمّا الآن وفي حالتي المرضية هذه ، ونزولاً عند نصيحة الطبيب ارتأت ارسالي إلى عائلتي مدّة شهرين بينما استمرَّت تزورني هنا يومياً حاملةً الحلوى والباناناس والبرتقال … سحبتُ الكتاب متطلِّعاً فيه . أدركتُ سرَّ الزهرة المرسومة على غلافه فابتسمت . كان العنوان مثبتاً منحوتاً بكلمات سوداء كبيرة في المساحة العليا من الكتاب ” زهرة الهيبسكس ” وقصص أخرى . وفي حافته السفلى كان اسم المؤلف سي.سي . ماثيوس . تمعَّنتُ بالزهرة مليّاً فعرفتُ أنها لشجرة الهيبسكس ؛ الشجرة التي تنتشر على امتداد جزيرة ” ترينيداد ” وعرضها ؛ وفي مقاطعة ” مايارو” تحديداً . لم تكن تثير أحد من قبل باستثناء مؤلِف هذا الكتاب كما أظن .
 
في الصفحة الأولى طالعتني كلمات اهداء إلى ” ماريانا ” ، ودونها عبارات لا تينية مقتبسة ” ربّما ماريانا قد درست اللاتينية ” قلت في سرّي . أناس كثيرون درسوا هذه اللغة ؛ وكان كرهي لها يفوق كرهي لعصير العنب الأسود . الصفحة التي قلبتها أطلعتني على الفهرست :
 
1- هيبسكس 2- طريق الشمس الساخنة 3- شجرة اللاتا 4- عُد إلى الجزر 5- أسفل النجوم المدارية 6- طعنة حب كارب
 
أغلقتُ الكتاب ورحتُ أحدِّق في زهرة الغلاف مجددَّاً . وجدتها تأتلق رائعةً كما لو أنَّ المؤلف صرف وقتاً من قصة : أسفل النجوم المدارية : ليرسمها تحت ” شجرة البلاتا ” ملوِّناً أوراقها بحمرة الدم الكثيف المأخوذ من ” طعنة حب كارب ” .
 
غب مرورها على أسرِّة المرضى تباعاً اقتربت الممرِّضة من سريري ممسكةً بالمحرار كعادتها . أنحيت الكتاب جانباً وأنا أعوم في غمار دهشة أثارتها عناوين القصص في مخيلتي . يداي ترتجفان قليلاً ما جعلتا الممرضة تبتسم وهي تدنو مني ، وتدفع المحرار إلى فمي في اللحظة التي ألقت بنظراتها على الكتاب .
 
_ هل تقرأ هذا ؟
 
_ نعم . أجبتُ باحراج سيما وهي الممرضة التي اعتادت استفزازي بعبارات مضحكة .
 
_ انظروا إلى هذا الولد الصغير . قالت بسخرية ، وأكملت : يقرأ قصص الحب .
 
_ كلا !
 
_ أنتَ قلتَ لي ذلك . نصوص تعجُّ بقصص الحب … هتفت باسلوبٍ مخادع .
 
_ كلا… كلا ..!
 
كانت عيناها سوداوين وواسعتين تطلقان نظرة حاقدة ، وتبعثان وقاحة ظاهرة . سدرت تقلّب الصفحات . اندفعت في محاولة شرح الأمر لكنها لم تتح لي فرصةً لذلك واضعةً اصبعها على شفتيها طالبةً عدم فتح فمي خشية سقوط المحرار . ألقت لمحةً على ساعتها قبل أن تسحب المحرار ، محاولةً معرفة ردَّ فعلي .
 
مالت هامسةً في أذني :
 
_ هلاّ أعرتني إيّاه ؟
 
دسسّتُ رأسي أسفل الوسادة وانفجرت ضاحكاً من دون أن تراني .
وحالما عمَّ الردهةَ الهدوء وتركتني الممرضة لاتمام دورتها شرعتُ أطالع الكتاب . ولشد ما غمرتني الدهشة وأنا أقرأ قصة ” هيبسكس ” عندما وجدتُ أحداثها ومشاهدها تدور في قرية ” ماريانا ” ؛ قريتي أنا بالذات . القصة تحكي عن فتاة صغيرة يانعة اعتادت المجيء لملىء دلوها من عيون ماء صافية عبر أرض معشوشبة ، مطلقةً صوتها الرخيم بغناءٍ عذب لصديقاتها زهيرات الهيبسكس اللاتي يبادلنها الحب وهي تصف جمالهنّ الساحر . وكان غناؤها كافياً لجعل الزهور أكثر احمراراً ، أمّا بسبب خجلهنّ أو لفرط سرورهنَّ . وحالما تقترب الطيور الطنّانة ** الساعية لامتصاص الرحيق تُعلمها الزهور بما غنَّت الفتاة . عندها يطلبنَ من الطيور مقابل اهدائهنَّ الرحيق اظهار المودَّة لها ، في حين تقدّم الطيور وعداً للفتاة بجعل الزهور أشد احمراراً وأكثر نصاعة بفعل هفهفة أجنحتها على أن تستمر الفتاة بأغانيها المؤثِّرة الجميلة .
 
تركت القصةُ بعد قراءتها أثراً عميقاً في نفسي . عادت بي الذكرى للأرض الخضراء والطريق الممتد عبر أشجار الهيبسكس ، المنحدر صوب ينابيع المياه الصافية . إنَّ الطريق الذي كتب عنه المؤلف ماثيوس جعلني أقرَّ أنّه لا بدَّ وأن يكون قد عاش في قرية ” مايارو ” ، وأنّه يعرف تفاصيل المكان عن كثب . جهدتُ في محاولة تذكُّر شخصاً بهذا الاسم أو فتاة تدعى ” ماريانا ” . لا بدَّ وأن تكون هناك فتاة قد مرّت مراراً من أمام بيتنا ، حاملةً دلوها الصغير نازلةً باتجاه الينابيع . حاولت استذكار ولو واحدة من أغانيها ففشلت . لم أكن قادراً على تذكّر أية أغنية . ينبغي مقابلة ماثيوس والتحدث معه حول أزهار الهيبسكس الحمراء ؛ وأظنها ستزداد احمرارً لسماع حديثنا .
 
قرأتُ القصة أكثر من مرّة ، وبشعور سعيد وغامر واصلتُ مطالعة بقية القصص فأعجبتٌ باسلوبها الجميل ولغتها المثيرة رغم الغرابة التي تغلفها . فقصة ” أسفل النجوم المدارية ” تعكس شعوراً غير مألوف للأنوار المتلألئة في حلكة السماء وارتفاع أشجار النخيل المنشغلة أوراقه بالحفيف الهامس على امتداد الشاطي المزبد . وحين قرأتُ ” عُد إلى الجزر ” بدت لي كما لو أن جميع هذه الأشياء تدعوني للعودة ! ” سأعود لا محال ! لم أعد قادراً على الامتناع عن العودة . وما أن تحضر عمّتي حتى أبوح لها برغبتي في الزيارة . ” لكن بعد قراءة قصة ” طعنة حب كارب ” اعترتني حالة ارتباك وخجل . اكتشفتٌ أنّي أقرأ عن الحب فعلاً ولم تكن الممرضة كاذبة .
مررتُ عبر قصص المجموعة بيد أن ” هيبسكس ” ظلّت عالقة في مخيلتي ، وجعلتني أعود لقراءتها كلّما انتهيت منها ، وباتت ” ماريانا ” وسي. سي ماثيوس يحتلان حيّزاً كبيراً في رأسي حتى غدوت سعيداً لعودتي إلى الوطن عبر البحر مرّةً أخرى . تساءلتُ : هل عبرت ماريانا البحر مرّةً ؟ ” .. ربّما . وربّما هو الذي دفع ماثيوس لكتابة ” عٌد إلى الجزر ” . شعَّ ضوءٌ مباغت في رأسي . غدوتُ متلهفاً لحضور عمّتي . لا بدَّ ستتذكّر شخصاً في قرية ” مايارو ” بإسم ماثيوس أو فتاة باسم ماريانا . غير أنَّ خيبة الأمل أصابتني عندما أخبرتني عمّتي أنها غير متأكدة من معرفة رجل يحمل اسم ماثيوس ؛ أمّا ماريانا فربما تكون موجودة حقّاً . إنَّ أربعة أعوام بعيدةً عن القرية كافية لأن تٌنسِيها الكثير من الأسماء . انشغلت بإعلامي أن أهلي متشوقون لعودتي ، وقد وعدوا بأن لا يجبروني على البقاء عندهم بل سيتركونني أعود إلى انكلترا . كانت عمّتي واثقة بهم إذ أبرزت أمام وجهي تذكرة العودة مثلما أخبرتني بتفاهمها مع الدكتور لاجراء ترتيبات خروجي من المستشفى .
بشعور مفعم بالقوَّة أدركتٌ أنني مقبل على رحلة بحرية طويلة . كل أفكاري تطلعت للوصول إلى قريتي ؛ هناك ! سأسير على طول الطريق المحفوف بأشجار الهيبسكس. لم يأخذ منّي التفكير بأبي وأمي الكثير ؛ ولم أكن أحس بالحنين والوحشة لبعدهم عنّي أبداً لأنَّ عمّتي عوضّتني حنانهم وعنايتهم وزادت . لم يكن للشمس المشرقة تأثير على رغبتي بالعودة إلا عندما قرأت قصة ” عد إلى الجزر ” ، فهي كافية لتذكيري بالدفء وملامسة الاشعة لبشرتي واسترجاع نسيم الجزيرة المنعش الطري . وللحق أقول أنَّ فاعلية الدواء والمزايا الجميلة لقصة ” هيبسكس ” والقصص الأخرى هي ما جعلت صحتي تعود والعافية تدخل إلى جسدي .
 
في الجزر احتفلنا بعيد الفصح ..
 
وعيد الفصح هو نفسه وقت تفتّح زهور الهيبسكس وتألقها . كنتُ كلَّ اسبوع أكتب إلى عمّتي في لندن من دائرة البريد الذي أصله بعد اجتاز طريق مشجّر .. وأكتب :
” عمّتي العزيزة :
 
كم أود لو كنتِ معي هنا . لقد حدثت تغيرات عديدة في القرية . دكاكين جديدة أنشئت ، وبيوت حديثة شيّدت ؛ والقار ! حتى القار ما زال جديداً على أعمدة الكهرباء . المحطة القديمة عند التل هُدِّمت ، والحكومة عازمة على بناء مدرسة جديدة . بيدَ أنَّ التغيير لم يزحف على طريق اشجار الهيبسكس ، ولا حتى ينابيع المياه . الأرض المتاخمة للينابيع هي .. هي ! خضراء يانعة تجاورها برك ماء صافٍ وعذب . والمياه جعلت من ازهار الهيبسكس أشد احمراراً وبهاء .
 
ما أن شرعت الشمس باشراقتها النضِرة حتى أدركت زوال ” ذات الرئة ” ومضاعفاته . طفقتُ أتساءل في سرّي عمّا إذا كان سي. سي ماثيوس قد كتب حول هذا المرض . كم راودتني السعادة لعودتي إلى الجزر رغم الألم الذي يداهمني لعدم سماعي ومعرفتي بـ سي. سي ماثيوس . لا أحد من الذين سألتهم سمع عنه . وحين قلت بأنّه كاتب ولديه مؤلفات أطلقوا ضحكاتهم ، قائلين لا وجود لكاتب يقطن قرية ” مايارو ” . سألوني إن كنت في انكلترا حقّاً ,. أقسمتُ لهم مراراً ؛ ولمّا أيقنوا صدق قولي قالوا : من المحتمل أن يكون ماثيوس هذا في انكلترا ، لأنَّ الانكليز مولعون بتأليف الكتب .. كان جوابهم باعثاً على الألم ! فالانكليز ليسوا وحدهم الذين يؤلفون … تساءلتُ : كيف يكون ماثيوس انكليزياً ويكتب بهذا الاحساس المميز عن الهيبسكس ؟! . هكذا ، ورغم بهجتي وارتياحي لدفء الشمس وغرابة الليالي فقد ولَّت السعادة هاربة منّي ، إذء لا أحد يعرف ماثيوس . بل أنَّ أٌناساً قليلون تذكروني أنا .
 
رحتُ أتمشّى منحدراً صوب ينابيع الماء . لم أر ثمة فتاة صغيرة تشدو بصوتها العذب لزهور الهيبسكس ؛ والطيور الطنّانة ألفيتها هناك جوار البرك اللامعة نائيةً عن الزهور . حين أدركت دائرة البريد أبتعتُ نموذج رسالة ، كتبت :
 
” عمّتي العزيزة :
 
أنا الآن في الاسبوع السادس وسعيد جداً لأنّي سأعودُ إليكِ . “
 
لم تبقَّ سوى أيام قليلة وأغادر الجزر . كان والديَّ في غاية الانفعال بسببي ؛ وحتّى أصدقائي قراتُ في عيونهم حزن عودتي إلى انكلترا . فكّرتُ كم كنت مسروراً لو أنّي رأيتُ ماثيوس أو التقيت ” ماريانا ” ؛ أو أني لم أعرف عنهما شيئاً على الاطلاق .
 
وهكذا .. وفي ليلةٍ تركتُ البيتَ يلفّني الحزن والأسى ، منحدراً رحتُ باتجاه درب الهيبسكس . التقيتُ رجلاً عجوزاً عائداً بأبقاره . توقفت فادليت بسؤالي إليه .
 
_ ماثيوس ؟ … قال متأملاً لبعض الوقت . لاكَ الاسم بطرف لسانه .
 
_ كان معتاداً على الكتابة … قلتُ بشيء من الأمل .
 
_ معتاداً على الكتابة ؟! ..إيه … طفق العجوز يتمتم ، وطفقتُ أنا أتابع عينيه الراحلتين بعيدا ً .
 
أعرف شخصاً باسم ماثيوس . كان قارع ناقوس الكنيسة وحفّار قبور أيضاً .
 
_ كلا ؛ لا يمكن أن يكون هو . لقد كتبَ حول الـ….
 
كبّلني الحرج . أردتُ أن أقول أنه كان يكتب عن الحب ، فتوقّفتُ مترددِّاً .
 
_ ماذا ؟ … تساءل الرجل ، وأكمل : حولَ ماذا كان يكتب ؟
 
لمحتُ شيئاً غريباً يترقرق في عينيه فيما كانت أصابعهُ ترتعش . لم أكن أبغي تضليله فقلت :
 
_ لقد كتب حول الحب … وأخفضت بصري نحو العشب خجلاً .
 
_ وماذا عن الحب ؟
 
صمتُّ فلم أُجِب …
 
_ ما اسمكَ ؟ … سألني .
_ روي .
 
_ حسناً ، يا روي . الحب هو كل شيء . فالحياة حب ، والله حب .
 
كان المكان يلفّهٌ الهدوء تماماً إلى درجة كنتُ أسمع الأبقار تمضغ العشب والسلاسل تجلجل بفعل تحرّكها خطوة فخطوة .
 
_ لا يبدو أنَّ أحداً يعرف ماثيوس … قلتٌ مخاطباً العجوز .
_ أظنَّ …….. وتوقف قليلاً . ثم قال : أظنَّ أنهم كانوا يدعونه بغير هذا الاسم .
_ ربّما لا يكون هو الرجل نفسه . لكنّي أعتقد بوجود فتاة .. نعم فتاة صغيرة .
_ ماريانا ؟ … بادرني الرجل العجوز متسائلاٍ .
 
انتفضتُ كالمصعوق !
 
_ نعم ؛ كان هو الرجل المقصود ! هل تعرف ماريانا ؟
 
_اعتدتٌ أن …….. توقَّفَ فجأةً . بدا كأنه يروم تغيير أفكارِه ؛ غير أنّه أكمل : لا أعرف الكثير بالرغم من ذلك سوى أنها رحلت إلى انكلترا للدراسة .. افتقدها ثم سقط أسير الهواجس والأحزان . لقد تأسى كثيراً عليها . كتب لها راجياً العودة فلم تلبِّ رجاءه حتى هذا اليوم .
 
_ لماذا ؟! … صرختٌ بقلبٍ يختلج . تفرَّستٌ في وجهه فقرأتُ بواعث يأس وألم تمور في عينيه .
 
قال كأنّه يكلّم نفسه : أنتَ لا تفهم الكثير .. أنت .. أنتَ لا زلتَ صغيراً لا تفقه ماذا يعني مرض ذات الرئة .
آآآآه .. لقد ذويت أنا أيضاَ . أحسستُ بالضعف فلم أقدر على الرد . الحقيقة أنّي ما زلتً صغيراً فعلاً ، لكن يعلم الله أنّي فهمتُ كلَّ ما قاله . إتَّضح لي الآن لماذا لم تعُد ماريانا ؛ ولماذا أجهش الرجلُ العجوز بالبكاء .. تذكَّرتٌ ” عٌد إلى الجزر ” . أدركتُ أنَّ مرضَهُ لم تقدر كثرةُ العقاقير القضاءَ عليه .
 
داهمتني لوامس اغماء وشعرت كما لو أنَّ الحمّى عادت إلى جسدي من جديد … نظرتُ واهناً إلى الرجل العجوز فأبصرته يتطلَّع بعيداً .. قال :
 
_ أنا أبكي .. مثل هذا يحدث بعض الأحيان .
 
كانت كلماته تخرج بصعوبةٍ بالغة من بين شفتيه :
 
_ أنا لا أبكي ؛ ولكن الكلمات القليلة ليست كافية ولا تعطي الحقيقةَ كاملةً . ولو كان لديك شيءٌ منها وليس لديك غيرها فإنَّها الشقاء بعينه .
 
 


 
(*) ولد ميشال انتوني في ترنيداد إحدى دول الكومنويلث القريبة من السواحل الفنزيلية . رحل في بداية شبابه إلى انكلترا . مارس أعمالاً عديدة منها عامل طباعة في وكالة رويترز ، وعامل في دائرة البريد العامة GPO . كما عمل في المركز الثقافي البريطاني بعد عودته إلى موطنه . استعين به في وضع المناهج التعليمية في بلاده . وقد عالفي أعماله عالم الطفولة وبيئة وعادات الهنود الحمر . قصته هذه التي نترجمها مأخوذة من مجموعته ” كريكت في الطريق “
 
 
 
له ثلاث روايات منشورة :
 
1- عودة المسافات عام 1963
 
2- أيام السنة في فرناندو عام 1965
 
3- الأيام الخضراء عند النهر عام 1967
 
(**) الطيور الطنّانة طيور تصدر أجنحتها المهفهفة صوتاً كالطنين . وهب اذ تأتي لامتصاص رحيق الازهار بمناقيرها الطويلة المستدقة فإنها تزيل الغبار العالق بالوريقات فتجعل الزهور أكثر رونقاً وأشهى .
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: