زنزانة فردية- راوية صالحي

img

زنزانة فردية- راوية صالحي

 

حدثني صديقي رافعا إصبعه  مشيرا للسماء الفسيحة :”الله محبة”

إني على يقين أبدي بعظمة الخلق والمخلوقات والكائنات المترابطة في دورة حياتية تكاد تكون متقاربة متلاصقة حد أنه في رحم كائن متوفى تزرع بذرة جديدة لكائن حي .

هذا اليقين يقذف بي صوب الهاوية و حد إجترار وتكرار ذاك السؤال الطفولي العميق عمق هذا الخلق :  أيهما خلق أولا البيضة أم الدجاجة ؟

كل مؤمن متعبد يقول في نشوة وإنشراح:   “الله هو الخالق” ’ كل يحمل كتابه ولوحه على عاتقيه مثقل بقصص الخلق محمل بتعاليم العقيدة والشريعة .

سؤال :” الحلال والحرام ؟”

كل يفتح كتابه “قرآن عربي” “عهد عبري” “عهد وأناجيل “,هكذا أخبرنا وخبرنا كتابنا ونبينا وشيخنا وكاهننا وحاخاماننا .

كل يذكر إسم الله في هيبة موصولة بالسماء كأنه ذاك الشعاع أو خيط نور يربط السماء العلياء بالأرض السفلى” الصمد” في تراجيديا ملحمية جسدها آدم وزوجه وفكرة السقوط من الجنة “سقوط عمودي أم مجرد تمرد على سلطة ألوهمية ؟

بعض من حروف مطمورة تحت جذع شجرة في حديقة فسيحة في بلادي وجدت عنوانها بين بعض الأوراق الثبوتية لشقيق الروح رفيق السهر والدم التي تسلمتها عائلته مع جثمانه يوم أعلموا بإنتحاره في زنزانته الفردية في إحدى دهاليز الداخلية التي كان إقتيد لها ذات مساء بينما كانا سنختار إسما لمولودنا البكر .

“لم يقتلني تعذيبهم بل قتلني خوفي عجزي  وغيابك عني ورقة يتيمة في سرواله الداخلي كتبها بدم عذاباته.”

أأبكي زوجي ووليدي البكر ؟سأكتب له قصة بطعم الموت عن والده بطلي الأبدي بطل الحب من قتله إصراره على الـتحرر من عبودية الصنم وعدم الإشادة به في محاولاته الكتابية والإقتداء به كرمز يشتم رائحة شواء الأجساد كقرابين مقصلة وتوابل لقدور الزيت المغلي أو خشبة وصل بين ضفتي نهر الموت أين كان يقذف بالعديد من الكاذب إلى المتمرد إلى الخاسر في الألعاب الأولمبية هكذا كانت روما القديمة و قرطاجنة الحديثة .

وقع طرق خفيف على باب غرفة نومنا ترافقه دندنة وعزف معلنا حلول وقت العشاء ’لم أكن أعلم زمنها أنه عشاءنا الأخير :بسبب تعب الحمل الأول ودلال زوجة عاشقة على معشوقها حملني بين ذراعيه ودس بعض القبل بين خصلات شعري قائلا “فاتنة منذ يوم تعارفنا الحقيقي”أضحك “إن الأرواح تعريها إبتسامة صباحية’ سؤال حميمي ’كوب قهوة منعش ’وأنت “.

لم يخلو عشاءنا من أحاديث السياسية والحب ’الموسيقى وقائمة الكتب التي سنقرؤها هذا العام وبعض العروض الفنية ,وأين سنقضي عطلتنا الصيفية ومواعيد الحب المستقبلية .

قرأت بعض القلق يطالع محياه وبعض الحروف المختنقة في حلقه لم تصدح بها عقيرته وخشخشة في صدره تكاد  تزهق روحه المبعثرة بين مقاله الذي نشر اليوم ومصادرة مجلته بعد سويعات قليلة من السوق وبعضها عندي في ليلة حب وردية حبلى بعديد الأزهار والأماني .

أدخن سيجاري وأوافيك لمخدعنا وارف الحب والعهود .

تسللت إلى  الفراش وفي منئى عنه رحت أبحث بنهم  بين صفحات التواصل الإجتماعي عن خبر بخصوص مقاله وعن أي إشارة للخلاص لإسكان سعير اللهب بداخلي وإخمادا لقلقي وهوسي القهري : ربما مصابة بهوس الخوف ’بهوس القدر والإرجاء , فتطالعني صورة صقر ينهش جثة ملقاة في الصحراء يمزقها ليدخر منها القليل كقوت لشتاء طويل لطائر مهاجر منفي بلا مستقر إنها  صورة زوجي رغم تعمد التشويش عليها “تم منذ ساعات قليل العثور على جثة الكاتب ‘ك ر’ مشوهة  ملقاة أمام مقر صحيفته وعليها أثار عنف وتنكيل كما أنه مقطوع الرأس ,في حين تم العبث بمقر جريدته وسرقة عديد الكتب والحواسيب وعدة ممتلكات أخرى على ذمة الهالك وكانت زوجته قد صرحت عن إختفائه منذ ساعات الصباح الأولى ويذكر أن هذا الأخير كان قد………………….. “.

أطالع خبر وفاته بينما كان يدخن سيجارة  وأنا أستعد بأي حروف للأبجدية  سأخبره بحملي “أحبك وأنا حامل ” “أطلب مواعدته خارجا في مقهى تعارفنا الأول وأخبره ,لالا أرسل له رسالة نصية وتقريرالطبيب لم ترس مراكبي ولا إحتمال صائب في نظري  و الريح.

حالة من الفزع والهلع والضحك إنتابتني ,أصرخ وأصرخ وأصرخ, هاتفي وبعض الأثاث ملقى على الأرض مكسورا,جميع صورنا منثورة على السجاد خاتم زفافنا وحتى ثوب زفافي ممزق إربا ,شعري مبلل مجرد برنس الحمام يغطي جسدي المرتعد  ,  لم أعلم كم دامت نوبتي العصبية : أهول المصاب الجلل أهكذا هو الموت لحظة من زمن كابوسي غير معلوم بقدر معاش ؟أهو حقيقة الموت أم عدمية الحياة أم أن نبوءة الشاعر بأن الموت يوجع الأحياء فقط تحققت.

لا زال في قلبي المظلم متسع من نور الحب ,لامست بطني ظننت نفسي أرض بور قاحلة  مرعليها صيف مظن  لولا  خفقان ضعيف متقطع يهمس في عمقي ‘أنا حي تمسكي بي أمي  ‘.

أحاول لجم خوفي .

الساعة تشير إلى الثالثة صباحا زوجي يحتضنني متشبث بي بكلتا يديه يبتسم بسخرية مصفرة ولا نقطة دم واحدة تشير لحياة في شفتيه : شهيق زفير “انهضي يا كسولتي لم ننهني بعد مخططاتنا في حركة تشتيت لفكرة الموت وسوداوية وقتامة الليل “هل نقيم جنازة لمقالك ونستدعي الذباب ليصفق  بجناحيه وشاعرا لتأبينه ؟

_هل خفت؟ موتي ؟فنائي ؟من قال إن الكلمة زائلة ؟إنها صوت الإلاه فينا .

طقس جنائزي :بعض رذاذ المطر خارجا كقرع طبول الموت  زمن ملامستها للأرض موسيقي, صاخبة متأتية من الخارج لم تتوقف منذ ساعات الليل الأولى حتى سمعي صار متكلسا لأتبين من عازفها , أنهى علبة السجائر وقنينة النبيذ وهو يسخر من خبر موته ,نزع ثيابه وإندس معي تحت الغطاء .

-“قررت الليلة أن أنجب منك قبيلة ”

كم مضى من الوقت لم نحب بعضنا بذاك الشبق والمجن ,لم تكن ليلة حب وعمر بل ليلة تأبين وسفر .

برد ينهش أوصالي أتحسس بطني لعلي أتلقى إشارة حياة ,أمد يدي لألامس زوجي أتنفس رائحته التي تبتعد عني الهوينى أفتح عينيى : حبيبي جاثم على الأرض عاريا  مكبل اليدين والساقين كأنه قرفصاء .

-لا تنهزها ’لا توقظها إنها متعبة ,ها أنا إقتادوني معكم .

كانت أخر كلماته “حبيبتي إني بخير لا تجزعي ,تدثري, سأعود ,سأحييا .

غرفة نومنا تعج بالضباط بزي مدني شاهرين أسلحتهم حتى شرفتنا ركننا الهادئ خلية عسكرية تعج بطنين الذباب ,ذئب مفترس متمرس يحرك لسانه في شهوانية بغيضة صفعني وشد شعري إقتلاعا ,تكورت على نفسي خوفا على بطني على بذرتي  جنيني ,ماذا يفعل الخائف المرتعد أمام زعيق الخفر وسوط ينزل على الجسد وشتائم تكيل لي وحبيبي ويلات الوعد والوعيد بالإغتصاب ’بالقتل ’بالتكفير والتدنيس لأجسادنا الهزيلة .

دفعني من على فراشي لأسقط وأقارب جسد حبيبي “ليتني كنت قادرة على  الإلتحام به أغطي جسده وأدثره بأنفاسي وأخبره حبي له إن لم يكفه جسدي فدمي فجنيني فداء لإبتسامة منه “عيناي مثبتة عليه أحاول الهمس له بأني حامل ,إستحائه الطفولي لم يغادره لبرهة هو الذي أخبرني أنه لن يترك يدي يوما حتى في موته سنترافق .

هذا الزعيق والضوضاء وحتى ذاك الملثم من تبرز على فراشنا والأخر العابث بقضيبه في نشوة نصر بسبب تعثره بإحدى ملابسي الحميمية “أقطعة بالية من الثياب تثير شهوة طوفانية ولا يهتز شارب رجل لوطن يذبح بإسم الديمقراطية الإنتخابية والبرلمان التوافقي  ,ذاك يبكي قطعة لحم وأخر فطير خبز .

الساعة السادسة صباحا “لقد قامت الصلاة ’حيوا على الفلاح ’إن الصلاة خير من النوم ’حيوا على الصلاة .

صودرت هواتفنا وحواسيبنا المحمولة ومكتبتنا وإقتدنا معصوبي العينين  إلى إحدى المكاتب ,كم مر من الوقت ونحن مكبلين معصبين يوم يومين ساعة سويعات فقط البرد ينهشنا وبعض الجرذان .

بسبب الرطوبة العالية وعفن الجدران سعال حبيبي يشق عباب هذا الصمت وأزيز باب يفتح على مصراعيه ,وقع أحذية تقترب منا أكثر فأكثر يا إلاهي جف الدم في عروقنا ” سكبوا علينا ماءا باردا ليغسل عهر النظام ربما فلا الماء طاهر ولا جبة الشيخ ولا الأيادي الحاكمة .

نوبة سعال تفتك بروحي سيصعدان لمكتب حاكم التحقيق زوجي أولا “إني أنتظرك وبذرتنا ”

عديد الملفات والتهم جاهزة على المكتب ,تهمة أولى تكوين وفاق للإنقلاب على النظام الحاكم ,تهمة ثانية التحريض على التظاهر والإضراب وتعطيل حرية العمل عبر وسائل التواصل الإجتماعي , تهمة ثالثة التخابر مع جهات أجنية ومنظمات دولية تعنى بحقوق الإنسان ,سبب وشتم النظام ورأسه وأجهزة الدولة والأسرة الحاكمة ,تهمة أخرى الإعتداء على موظف عمومي أثناء أداء واجبه الوظيفي ,تهمة الدعوة لدين جديد وإزدراء الأديان  الأخرى والتفكير والابداع والقائمة بقدر عذاباته .

أسمع ضحكات زوجي من وراء جدران المكتب  تهزه “آتوني بكاتب يفسر مقالاتي وأصلبوني وأقتلوني بعدها إن كنتم أنتم ثقاتي “,ركل وضرب يطال كل جسده

-أنت في حضرة الرئيس المفدى ,آتوني بزوجته ليهدأ ربما إشتاق لعناقها .

إقتاداني سجاني بعد أن أجبرني أن أرتدي ملابس شفافة ظنا منه أن عري الجسد سيكون مطية لإعتراف زوجي بجل التهم المنسوبة إليه ,دخلت أترنح من وطأة التعب والعطش والجوع والضرب والحمل والخوف والخسارة .

صورته وهو موثق على كرسي لن تغادر مخيلتي ,جراح في جل مناطق نظري خائر القوى ولكنه صلب الروح رغم الجلد والكمد,يمتد نظري لأركان المكتب كرسي الاعتراف الكهربائي ,بعض الخوازيق المهملة والقوارير وماذا تفعل بعض الأقراص المنومة والحبوب المخدرة على مكتب قاضي التحقيق ,تهمة أخرى ستكاد لزوجي ؟أم فن تعذيب جديد ونهج لتدمير ملكة تفكير العديدين من زوجي إلى أخر حرف نابض للعارفين.

لم يرفع بصره عني لوهلة في توديعه لي لم يقل حرفا بقدر سعادته بحملي يسخر منا المجتمعون ,إطلاق سراحي شريطة إعترافه بما نسب إليه مغبة إغتصابي أمام ناظريه من جمعهم المتواجد وبدوره مفاحشته ولما لا إغتصاب جسده أمامي كمحاولة بائسة لتركيعه أكثر ففي بلدان الظلام كل إشارة نور هو قطار قادم صوبك ليدهسك .

سيرورتك الحياتية ملكك مؤقتا على ضوء عقيدة العوام والحاكم

-كفكفي دموعك سنلتقي كوني وتدا لإبننا .

أخرجت من مكتب حاكم التحقيق وصوته يسكنني ,أمام وزارة الداخلية وقفت لأودعه “سأكون هنا يوميا لإنتظارك “نور الكون المبهر أصابني بالإغماء في قطيعة مع الظلام المسدل من حولي ,وجدت نفسي غريبة ملقاة في إحدى غرف المستشفى موصولة إلى عديد الأجهزة .

-لقد أسعفك بعض المارة إلى هنا بعد أن فقد الوعي ولم نستطع التعرف على هويتك فلم تكوني تحملين أي بطاقة تثبت هويتك ” هكذا أردف الطبيب

أتلملم في فراشي أحاول الإستيقاظ والنهوض فيمنعني  .

-هكذا  ستفقدين جنينك سيدتي عليك بالراحة والنوم لنكمل لك بقية الفحوصات .

-فقدت باعث الأمل ,هل لي معرفة كم يوم مضى على إحتجازي هنا في هذه الزنزانة الباردة ؟

_ لقد تعرضت لعنف جسدي كاد يفقدك جنينك مع نقص في كمية الغذاء والماء خاصة في جسدك

  • أعدك لو سمحت لي بمغادرة المشفى اليوم سأعود للمعاينة وإخبارك من أنا

-أعتذر سيدتي لا يمكنني المجازفة بصحتك وغادرني بكل تعنت وغضب

إنتظرت بعض الوقت ,نزعت ما يربطني بهذا السجن الصحي الأخر تحاملت على نفسي بحثت في إحدى الخزائن عن بعض الملابس لأقي بها نظرات المارين والمتملقين والعابثين وحتى زناة النهار المتلثمين بالعرف والنص والموعظة .ضحك القدر لقد كانت تلك الثياب على مقاسي ,في ردهات المشفى لم يعترض سبيلي أحد ,إستوقفت إمرأة طلبت منها أجرة تاكسي كذبت قلت لها بأن محفظتي سرقت وأن السارق عنفني .

يجب علي المرور إلى منزلي أولا وأذهب بعدها للوزارة أحدث نفسي لوهلة وصلت باب بيتنا مفتوح على مصراعيه بعض الأصوات منبعثة من الداخل وعويل بعض النساء .

وجدته جسدا مسجى وحيدا في بيتنا الشاسع تبكيه عوائل عديدة بدوني .

لكل منا مسيرة ولكل هوية ستسعى لتجميل صورة الموت فيك فقط .

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.