رڨّاج : الصفحة الاولى – قصي بن فرج

img
1- الصفحة الأولى
عشر سنوات من الترحال، عشر سنوات قضيتها اراوغ آلام كل محطة واتماسك، لاَمُرّ للمحطة الموالية فأكتشف ان كل المتاعب القديمة لا تشفع لجعل الوجع الجديد هادئا او رؤوفًا. إلى ايّ حدّ؟ إلى الحدّ الذي لا حدّ له، إلى آخر يوم قبل أن افاتحك بخصوص هذا الأمر. هل تستحق نفسي هذا العذاب؟ هل استحق ان اصير رقمًا في سجل العاجزين فقط لانّني لم أكن محظوظا ولم تمنحني الحياة فرصة لاقول انني اودّ ان اكون مختلفا او قادرٌ على أن اصير ناجحا؟ عشر سنوات صرت فيها بدويًا لا ارض له يحمل حقائبه بين الطائرات والباصات والحناطير وسيارات الأجرة والشاحنات التي يتوقّف اصحابها في طريقهم ليجعلوني أقرب إلى المحطة التي أنوي الذهاب إليها ومنها إلى محطتي التالية. ألا يستحق شخص مثلي غرفة صغيرة مُرتّبة يعلّق على جدرانها صور الأعزاء الذين رحلوا بشريط اسود للحِداد؟ ألا استحق فراشا دافئا احتضنه في ليلى البارد وانهض منه وانا اعلم اني سأعود له في الليلة المقبلة؟ إلى أي حد سأواصل لعب دور البطل في فلم التسكّع والترحال المستمرّ هذا؟ دون اجر او منحة او لحظة تجرّ ما سبق فتُشعرني إنّي حيّ وقادرٌ على المواصلة.
-وبغير توقّف ولا نفسٍ للاسترخاء وكأنما الرغبة في التكلّم اعتى من التعب الذي يرويه-
ثمّ ماذا؟ ثم آتي إلى هنا؟ بربك قلّ لي ايّ إضافة يمكن أن اقدّمها في هذا المكان او ان يقدمها هذا المكان لي. ماذا كان ذنبي بالضبط ليحلّ بي ما حلّ بي؟ ايّ جريمة إرتكبت وما دخلي انا لاحمل آحلامي الصغيرة وارحل بلا مُستقر؟ ماذا كان سيخسر العالم لو كان لي بيت صغير وعملٌ متواضع وزوجة دافئة احبها واطفال مقبولو الذكاء يفاجؤوني بتميّز في دفتر الاعداد نهاية كل عام فأقبلهم بفخر مستبطنًا كونهم بعدُ في بداية المشوار؟ وامّ وابّ وإخوة اهاتفهم نهاية كل الأسبوع، نجتمع في الأعياد لنطبخ سويّا ونسرّ انظارنا بلمّة تحيى النفس والروح؟ ما دخلي انا بالسياسة والحروب وما دخل من هم مثلي بهذه الاقدار المتوحّشة التي لا تعرف من سطّرها ومن دبّرها وهل خطّط اثرها بكوننا سنكون مُشرّدين بين منفى واخر ام لا. ومتى يكفّ هذا الحال؟ عندما اطبّع معه ليصير وضعا طبيعيا؟ ام عندما انتهى انا وترحل ايام شبابي التي انتظرتها بفارغ الصبر في حياة لست اعرف ان كنت سأعيش غيرها ام لا. انا مُنهك ومُستسلم، في لحظة كهذه مستعدٌ لفعل اي شيء لاكون كالاخرين.. بسيطًا. هل سمعت عن أحدهم حلمه ان يكون مثلك ومثل ايّ نفرٍ اخر قد يقرأ نصوصك التافهة فلا يتمعّن بهدوء لما يحيط به ويشكر الله والظروف التي منحته ما يبدو له بديهيّا؟ انا هذا الشخص في هذه اللحظة التي انطلقت منذ عشر سنوات وبغير توقّف ولا راحة، منذ كان عمري ثلاثة وعشرون والى حدود هذه اللحظة. وحتى لو حكيت وتحدّثت وقلت ما أشعر به ورويت ما شاهدت، من سيفهم ومن سيعتبر ومن سيشعر بالجمر الذي خطوته باسما. هل ستغيّر كلماتي المستقبل وستحول دون أن يحصل ما حصل لنا لناس آخرين ؟ او على الاقل هل ستكفّ مأساتي انا، انا لا أطلب تعويضا، انا اطلب فقط راحة واحلاما بسيطة، هل هذا امرٌ محال؟ هل ستختلّ موازين القوى الإقليمية في حال كنت في قائمة البيْن بيْن وليس في قائمة المساكين، بينَ بينْ، لا مسرورا ولا منهكا. لا جلاّدًا ولا مجلودًا، فقط بسيطا وهادئا كأي شخص آخر. هل حلمي صعب المنال؟ اي شحود وبُخلٍ هذا؟ اي أنانية هذه التي ترميني بعيدا في الصحراء وتمنحني نوم العبد الذي لا يحق له ان يرتاح ولا يعرف أين سينام غدًا؟ لقد فكّرت مرات في الإنتحار ولكنّني رغم كل هذا الكفر مُؤمن يعجز عن كسر هذا الحاجز الذي يجعلني موقنًا بكوني وبعد كل هذه الرحلة الغاضبة وبعد هذا الجحيم سأكون في الجحيم اخر، ومع من؟ مع من جعلني اخطو هذا الخطو واشعر بهذا الألم، فأنظر اليه لا أعرف شامتًا ام مُتألما مثله؟ أين العدل واين الحق واين الحريّة التي يتحدث عنها من يرتدون طواقم ثمينة ويكلموننا بكل لباقة وترتيب مرحٍ للكلام يخبرونني عن الاحترام والديمقراطية والسلام. انا من احترمني ومن سألني اصلا ان كنت مُحترَما ام لا؟ واين هو هذا السلام، اقسم انني كنت اتحمس بادئ الأمر كُلما سمعتهم يتحدثون عن ذلك بكل ذاك الخشوع وبكلّ ذاك الحماس مع تلك القرارات الطويلة، انا اصلا لا اريد غيره، بل اريد بعضا منه، لا اريد مالا ولا عملا ولا سيارة رانج روفر ولا رصيدا ثقيلا في البنك، اريد فراشا، اريد فراش سلام يا صاحبي.. هذا ما يطلبه هذا الشخص المُهذب والبسيط الذي يقف أمامك، قليل من الاحترام ومن السلام ليكون كالآخرين بسيطًا..
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب أسامة سليم

أسامة سليم

كاتب، مترجم وناشط سياسي تونسي. لديه عديد الاسهامات في الترجمة والنقد، مهتم بالفكر العربي المعاصر.

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: