رِسَالة

img

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه في القانون الخاصّ

رِسَالة

إنتابتني تلك الرغبة في التحليق خارج حدود الزّمان والمكان. كنت أحتاجُ إلى مساحات أكبر وليس لها أي حدود. لم أكن أحتاجُ أن تحتضنني أيّة رقعة، فلفظ الاحتضان والحدود يزعجني، بقدر ما كنت أحتاج مكانا أرتمي فيه بثقلي وأنهارُ فيه بلا توقّف، مكانٌ بلا ارتفاعات ولا انخفاضات، لا أحسبُ فيه كم تنفّستُ من مرّة ولا اضطرُّ أن أعدّل –فيه- زفراتي وشهقاتي بما يسهّل إدخال الأوكسجين إلى جسدي. شعرت في تلك اللحظات بأنّ لي رغبةٌ غريبة في أن تمرّ جميع الألوان التي أعرفها ولا أعرفها من خلالي كنهرِ جارفٍ، دون أن تنطلق نحوها أسهم الأحكام المختلفة :كاللون الأصفر لون المرض، واللون الأخضر رمز الحياة، والأسواد رمز الحزن والكآبة..

…كان أخي يصرخُ ولكنني لا أسمعه. يتراءى لي من وراء ضباب كثيف يفصلُ بيني وبينه. في تلك اللحظات تخترق بعض كلماته سمعي ولكن أغلبها كان مشوّشا. لم أكن أقوى على الحِراك. لقد كان جسدي الأهيف مثقلاً،ملتصقًا بالسرير، في حين كانت هناك نسخة لي تخرج منه . كنت انظر اليها ولا اصدّق، احاول فرك عينيّ لأتثبّت من أنه مجرّد كابوس فضيع ولكنّ دماغي لا ينجح في إيصال اشاراته الى أصابعي. حاولت ان أبكي فلم أستطع. توسّلت أخي أن يفعل شيئا حيال ما يحصل، إلا أنّ صوتي بقي يتردد بداخلي الفارغ كما الصدى المنطلِق وسط الجبل. كنت أراني منفصلة عنّي كما يحدث في الأحلام التي تتسرب إلينا أثناء النوم. قلت في قرارة نفسي إنه مجرّد حلم، لن يستمرّ هذا الوضع كثيرا.

مرّت على هذه الحادثة أشهرٌ عديدة أو ربما سنوات … لستُ أدرى. ولكن ما أعلمه جيّدا أنني لم أعد كما كنتُ. لقدْ حُذفت تلك النسخة الأولى منّي بالكامل. ولا أخفيكم أمر أنني لا أشعرُ بأيّ ندم حيال ذلك. لقد صرتُ أستشعر كلّ تحرّكاتي. أعيها جيّدا. أدرسها. أدرس ردود فعلي وأطلقها كما هي … كما أرغبُ فيها تماما دون أيّ تجميل.

لا أدري أين كنتُ حقيقةً، و لا أدركُ أين وضعتُ وضيّعتُ خطواتي. الأهمّ من ذلك أنني هنا. قدميّ ثابتتان حيث أقفُ الآن. جذوري مغروسة في الأرضِ كنبتة معمّرة. لا يهمّ بالنسبة لي من حاولوا إختراقي من بين أولئك الذين يظنّون أنّهم أصحابُ مجالاتٍ وهالاتٍ و إورٍ قادرة على إقتحام أيّ مجالٍ أنثويّ. الأهمّ من هذا كلّه هو أنني كلّما مشيت إلى الأمام، صاحبني فكري وجسدي وروحي، ولم أترك شيئا منهم خلفي ولدى من حاولوا كثيرا إيذائي.

إنني مقتنعة تمام الإقتناع، أنّ الـأشرار ليس بإمكانهم أن يحرّكوا فيّ ولو قيد أنملة. ولا أخفي أحدًا، أنّ هاته الكلمة تضحكني كثيرا. أعتبرها ساذجة كمن يتصفون بها. إنّ الأشرار مثيرون للشفقة. فالشر فعلٌ تافهٌ ذون حدّين، فمن يؤذي الآخرين هو بذلك يؤذي نفسه في ذات الآن وبأضعاف مضاعفة.
لنترك كلّ ذلك جانبًا. أستطيع منذ لحظة ما (لا يهمّ الزّمن ) أن أقول بأنني حرّة. حرة تمامًا ، منطلقة عاليًا، بحيث يمكنني رؤية كلّ ما تقع عليه نظراتي بوضوح وبتفاصيل أكبر وأكثر. إنني حرّة لدرجة أنه يمكنني أن أجلس أمام كرسيّ فارغٍ، و أتحدّث إليه كأنني أحدّث شخصا ما، أعرفه. أو لا أعرفه ربّما . يمكنني إن شئت أن أضرب الكرسي بكلّ قواي كأنني أنتقم لنفسي أو لشخص آخر أعرفه أو لا أعرفه (لايهمّ فتلك آخر الأمور التي يمكن أن تنال إهتمامي).

إنني الآن أتمتّع بكامل قواي ومداركي العقلية وربما-ولما لا- بكلّ جنوني، بالشكل الذي يمكنني فيه أن أمسكَ القلم وأكتب رسالة سأحرقها فيما بعد، أو ربّما أُذوبّها في كاس ماء (أو أيّ سائل آخر إذا أردتُ) وأشربها ، أو لما لا أرسلها للشخص المعنيّ أو أي شخص آخر أشعر تجاهه بالإرتياح أو لا أشعر.

ما رأيك لو أخبرتك أنني مازلتُ حيّة؟
في الحقيقة لا أحبّذ أن أتحدّث كثيرا عن نفسي. إنني أشعر بالدفء أكثر لو تحدثت بنون الجماعة. عنّا نحنُ. نحنُ جميعُ النساء .. جميع نساء الكون بكلّ إختلافاتنا. إذ بإمكاني الغوص في تفاصيل كلّ واحدةٍ منّا. أكادُ أتلمّسُ أوجاعهنّ جميعًا. أنهنّ مثلي. إنهنّ أنا. مسحة الحزن في عيونهنّ هي شهب غضبٍ قد تسقط على رأسك في أيّ لحظة تظنّ فيها أننا راضياتٍ، ضعيفات.
إذن، ما رأيك لو أخبرتُك بأننا جميعا بخير؟ جميعنا نحن النساء على قيدِ الحياة… على قيدِ الحياة بكلّ ما لدينا من جسدٍ وروحٍ وعقلٍ. لمْ تُنْقِص يديك ولو جزءًا بسيطًا منّا . تخيّل ! تخيل ذلك فقط وستصابُ بهستيريا . فبعد كلّ تلك المسرحية التي كنت بطلها (على الأقلّ هذا ما اعتقدتَهُ أنتَ بكلّ سذاجتِكَ)، تجدُ نفسك ضحيّة ، ونحنُ جلاّديكَ.

إنك لم تُفقدنا ولو جزءً واحدًا مجهريّا بمخالبكَ التي غرستها فينا، في لحظَةٍ تغلبت فيها غريزةٌ مَا عليك بكلّ سهولةً. كأنّك كلب مسعور غير قادر على السيطرة على نفسه. لقد كنت تتوهّم أنك إخترقتنا وحطّمت كلّ تلك المدن المشيّدة بداخلنا. ولكنك لم تخترق إلاّ القشور، فكياناتُنا أكبر من مجرّد غشاء يُحيطُ بنا. “نحن اللّب، وأنت لم تنجح في الوصول إليه ولن تصل” / ولا أفرطُ حين أقول بأنّنا نحن لبّ هذا الكون .

حين أصلُ لهذه السُّطُور، تمرّ ببالي بضع أبيات لأدونيس … أغنّيها بصوتٍ يبدو لي أنّه رنيم ولا يهمني هنا إن كان يبدو لك نشازًا مزعجًا. تقول تلك الأبيات :
زعموا … زعموا أني خلقتُ
كي لا أكون سوى ذلك الإناء لاحتضانِ المنيّ.
كأنّي مجرّد حقل وحرثٍ…
جسدي من غثاءً وحيضٍ..
وحياتي تجري مرّة صرخة.. ومرّة مومئة…
فلماذا إذن؟ لماذا إذن يكتب الكون أسراره بيدي عاشقٍ….
لماذا إذن يولد الأنبياء في فراش إمرأة؟…

أتدرك معنى ذلك؟ إنّ ذلك يعني أننا نحن النّساء، مصدر هاته الحياة ، وأتحدّثُ هنا حرفيّا. إنّ جميع ما تراهُ من لوحات جميلة في هذا الكون -أتمنّى جيَدًا أن تُحرمَ من رُؤيتها- قد خُلقَ من رحم إمرأة …

ماذا يعني أيها البطلُ أن تعتقد بأن المرأة شماعةٌ لأخطاءك وجرائمك؟ ما الذي أعطاك أحقية أن تؤدّب كلّ إمرأة لم تتقولب حسب رغبتك؟ أيّ بطلٍ أنت الذي تجتهدُ من أجل محاربة شخص ما فقط لأنّ له بظرًا عوضا عن قضيب؟ كيف بإمكانك أن تستشعر القوّة في حين أنّ جميع صفاتك التي تفتخر بها لم تكتسبها؟ كيف لك أن تفتخر بعضوٍ ما في جسدكَ مثله مثل أيّ عضوٍ آخر وتتباهى به كأنّك أحرزت شهادة علمية أو براعة إختراع؟
ترى كم من إمرأة عنّفت قبلي وبعدي؟ حين أصرخ في وجهك، تتجمّع بحنجرتي جميع أصوات النساء و أصرخ بقوة، كمن تحاول صدّ لكماتك عن من هنّ بعدي في القائمة.

ختامًا، ما أنا على يقين منه الآن أنّني لن أستسلم في وجه الرّيح، سأهرولُ حين تدفعني كي أقاوم بكلّ جهدي السّقوط ولن يسقط أحدٌ سواك.

 

تنويه أول: ربّما يكون ما كُتبَ أعلاهُ لا يمتّ للشكل المتعارف عليه للرّسالة بأيّة صلةٍ، ولكنّه في نظري رسالةً.

تنويه ثاني: الجزء الثاني من التنويه الأول يمكن أن تتجاوزه و تعتبرهُ غير مهمّ بالنسبة لك.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: