ريم عروسي :نستسلم لتيار التسطيح عُنوة

img
ريم عروسي :نستسلم لتيار التسطيح عُنوة
أخْطر مايُمكن مُمَارسته على الأُمم هو مَسح ذاكِرتها بأكثر من طريقة أهمُّها “التسطيح” بِتكثيف التفاهَة والإثارة عبر المِيديَا وسراديب أخرى، لا شيء غير التّسطيح ! أن نأخذ من الخبر هامشًا مثيرا نتآكله بنهم ونترك لُبّه نركض ماراطونيّا وراء الإثارة والتشويق، نتلذذ بكل القصص المثيرة (عِراك، عواء، عشاء ، عصابة ،فضيحة…) وبينما نَنهمك في إلتهام وجْبَتنا الرُّوتينية من صِراع الدّيكَة ،حتى نمرَّ للوجبة التالية ، شيئا فشيئا نُصاب بالتخمة والسِّمنة و”مُتلازمة الوعي”، وهكذا يتغير الأعداء يوميّا ويتغير الحُلفاء بنسقٍ سريع ،تتلاطم الأخبار الشهية ويتغذّى هَوسنا بقُشور الأمور،و الإستهلاك والإستهلاك ومواصلة الإستهلاك!
هكذا مرت عشر سنوات من التَّكالب والتناحر الخاوي والفارغ والتافه فلم نطرح يوما أصول الأمور على الطاولة لأننا لم نَجد وقتًا كافيا لذلك، اختطفنا fast food السِّياسة والثقافة والرياضة… نُصَاب بثقوب فضيعة وغائرة في الذاكرة، كمن يحمل مِمْحاة سحريّة لا تترك سوى الندوب، نُجاري نسقَ المَجاري ! نتمرَّغ فيه يوميا عشرات المرَّات! حتى أننا بِتنا نرفض التفكير خارج هذا المستنقع ! وكأننا بِتنا نريد إضافة منكِّهات ورشّ بعض الشعارات العامّة والرومنسيّة دون أن نقتنِع يوما بأننا دَاخل مستنقع غير قابل للدِّيكور و لا فائدة للمنكهات ولا سبيل لنا غير الخُروج والخَلاص! تَحْمِلنا السُّرعة نُريد الفرح السَّريع والحزن السَّريع والرَّد السريع والبريد السريع والقطار السّريع… نستسلم لتيار التسطيح عُنوة يحملنا تياره بقُوة جامحة إلى التلاشي ! تتلاشى حتى صورة أعداءنا!
من المنطقي أن تحملنا حركة التاريخ إلى سِياقات جديدة نَرْكَبها لِتَحملنا إلى ضِفاف أُخرى وأوسع وأرحب في ولأفكار و المخيال ! فلِماذا نسْتسلم للتّرذيل
والتسْطِيح وصِراع طَواحين الرِّياح دون أن نخلِق أي وعي ،فقط هي بعض الآراء تفقد بَرِيقها كل يومٍ وكأنّنا نَحْمل حَقائب مثقوبة نسير ونَترك منها ما نترُك دون أن نحوّلها إلى فعل ..ذلك ماتفعله فينا المِيديا ومانفعله بأنفسنا ، ما أن نفتح أعيننا صباحا حتى تقتحمنا الأخبار كوابل من القنابل السّامة ، كل خبر يشكل صفعة ونستسلم للصفع حتى يصبح الصفع منوال حياة.
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: