“ريما”، قصة قصيرة لفاطمة عسيلي

img

“ريما”،قصة قصيرة لفاطمة عسيلي.

زورق صغير يترنح فوق أمواج البحر، تهب ريح شمالية تربكه، تكسر قطعة لوح و تقذف بها بعيدا. عطش شديد تملكه، نشف ريقه، جفت اوعيته الدموية، تشقق وجهه. قفز في الماء بسرعة. حاول الغطس مرارا و تكرارا لكنه ظل يطفو على السطح كأوراق الشجر و الزجاجات الفارغة..عاد الى الشاطىء جف الملابس و الأطراف، جلس على ركبتيه و أخذ ينثر مياه البحر على وجهه لكن دون جدوى. صندوق خشبي، أو ربما قطعة صلصال، وقد يكون دخان، يرى إنعكاس وجهه على سطح المحيط لايستبينه. وقف وأخذ يمشي مرتبكا. كان ييحث عن الدهشة، عن تلك الرجفة التي تتملك الانسان حين تمر نسمة هواء باردة في ليلة صيفية. يغمض عينيه، يرى أوراق الصبار تتراقص بجنون، تتمايل بين ضفتي طريق طويل، تتقارب، تشتبك، تفتح افواهها وتلتهمه. صاعقة كهربائية أعادته إلى الحياة. الورود البلاستيكية التي تملأ المفترقات الكبرى بمدينته كانت بشعة بما يكفي حتى يهجر المدينة. الشعراء، في بلدته ليس كغيرهم من الشعراء، تجدهم في المقاهي راكدون كمياه نهر مهجور، يسترزقون من الكوارث، يتلون قصائد من نحيب اليتامى و المساكين، يخطون بدماء الشهداء شعارات، يحتسون قهوة باردة و يمرون. كان يكره الشعراء ويكره العجائز. تركهم في مدينته كما ترك الصور القديمة. وترك حاويات النفايات الفارغة و الأكياس البلاستيكية الطائرة. ترك أيضا ريما التي لم يبح لها يوما بحبه. بعض الملابس والاحذية وضعها في حقيبة صغيرة، أخذ شقائق النعمان، ومفتاح البيت القديم و سافر بعيدا. في بيت جديد، في شارع غريب، في مدينة أخرى صار اليوم يحيى. كان يستيقظ كل يوم ليترك فراشه البارد و ينظر من نافذة غرفته المطلة على البحر قبل أن يذهب إلى العمل. اليوم نظر طويلا الى البحر و قرر عدم الذهاب إلى العمل. أخذ مظلة و اتجه صوب الشاطئ. جلس على كرسي وفتح دفترا. أخذ يتلو ماتيسر من قصائده المنسية محاولا التقاط الحروف الهاربة. رمال الشاطئ تداعب قدميه، تنزلق أصابعه تحت الكثبان، تلسعها الحرارة المرتفعة، يرفع قدميه تخرج من تحتها طيور بلون حبات الرمال، ينتشرون حوله، يتجهون صوب ساحات الشوارع. يستيقظ من غفوته، يتجه نحو المياه ليغسل وجهه. حشود غفيرة، توسطتهم ريما، احدهم يلتقط صورا بهاتفه المحمول، وتعالت ضحكات أطفال الحي. شاب يرتدي ملابس البحر يتخبط وسط كومة رمال تركها عمال منذ ثم سنوات بعد الفراغ من بناء عمارة الحاج صالح.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: