رياح الكتابة-عبداللطيف خليل – المغرب

img

رياح الكتابة-عبداللطيف خليل – المغرب

 

كم الساعة الآن؟ لا يهم مهما كانتْ، ساعاتنا قصيرة كرؤانا.. لكن يبدو أنّ اللَّيلَ يطوي آخر طية في ردائه، مرَّ مِن اللَّيل وقت لا بأس به، وقتًا طويلًا أمضيتُهُ في إعداد واجِباتي المهنية ووقت آخر في تهييئ وجبة العشاء، أعددتُ ملفات كثيرة وهيأتُ طبق معكرونة مع صلصة الطماطم.
أويتُ إلى مضجعي وحاولتُ أن أهدأ، جافاني النوم وعيناي لا ترغبُ في الغمض، ولا بد لي أن أكتبَ قليلًا قبل أن تنطفئ جذوة لهفي، جلستُ على مكتبي ووضعتُ أمامي مُذكرتي إلا أنني وجدتُ نفسي عاجزًا عن ترجمة كل ما يجول في خاطري، لا أستطيع التعبير بكيفية مُرتبة تشد القارئ وتجعله مشدوهًا، كثيرةٌ هي الأفكارُ التي تدورُ في رأسي الآن لكنها تفتقر إلى الكثير من التنسيق والترابط، الكتابة ليستْ عملًا مُسليا أبدًا، الكتابة نديم ولائم، هي نزف داخلي مؤلم لكنه لذيذ. الأوائل قالوا أن الكتابة يجب أن تأتي بعد قراءة آلاف الكتب وخوض تجارب حياتية كبيرة، أقول؛ نعم وألف نعم، لأن القراءة نور ساطع والأوجاع مَرَاهِم تزيل ضبابيّة الرؤية وتُروِّض حاسّة الإبصار لتجعلها أكثر حكمةً وتبصرًا بالأمور.
لي أوجاعٌ يسيرة، كتب ومزاجي رائق، فماذا ينقصني لأكتبْ؟، ربما تنقصني موسيقى أو كوب قهوة، موسيقى!؛ عجبا لأولئك الكُتّاب الذين يملكون طقوسًا خاصة في الكتابة، يكتبون مثلًا وهم يستمعون للموسيقى ويرتشفون القهوة، أنا حتى أشعة الضوء تُربكني وتُخبّل خَيط تفكيري، وتمنيتُ مرارًا أن أكتب في الظلام، بل جربت ذلك مرارًا وأخذت مسجلتي لكي أسجل ما تجيش به نفسي من خواطر، أحادثُ نفسي وأناجيها بكل ما أوتيت من بعثرة.

أحسُّ الآن بفوضى غريبة في غرفتي، كُتب دوستويفسكي تتكلم، القيتارة المُعلقة على الحائط يتهادى صوتها يُلامس أذني، محمد شكري يضع ساقًا على ساقٍ ويحكي لي عن زمنِ أخطائه، كل شيء هنا يَصدر صَوتًا، حتى صورة جدتي الموضوعة داخل إطار من الخشب الثخين.. لها صوت وربما أصوات، على فمها ترّف ابتسامة عريضة وكأنها ابتسمت لتبقى ابتسامتها خالدةً نكاية في الموت الخاطف، أتملى وجهها بتحنّن، وجه بسام مُجعد قليلًا تحت العينين وفي جوانب الفم، وفي أسفل ذقنها وشم أخضر محفور بعمق، صورتها تذكرني بالطفلِ الذي كُنته، تقتلعني من حاضري بسهولةٍ كما تُخلع الأسنان اللبنية، كنتُ أنوي كتابة خواطر حاضري قبل أن أنزلق إلى هاوية الذكريات، وديانٌ من الذكرياتِ تنسابُ عليّ ومن فرط سَيلانها أسيرُ معها محمولًا بارتعاشةٍ خفيفةٍ لكنها مُنعشة، رياح الكتابة انتشلتني من غرفتي وذرتني، حولتني إلى طفل يركض نحو حضن جدته. نحنُ لا نختار ما نكتبه، نصوصنا تَكتُبنا وفق ما تشتهي وكما تشتهي، الكتابة صبية متمردة تثور على الخطط الموضوعة مُسبقًا ولا نملك إلا أن نُجاريها أو نداريها طمعًا في مراضاتها وكسبِ ودها.. وما أعظم أن يكسبَ الكاتب ود كتابته.
ها أنذا كتبتُ عنكِ كثيرًا يا جدتي بدون أن أشعر، سودتُ أوراقًا كثيرة عني وعنك وعن حكاياك، داعبي الآن بأصابعكِ شعر رأسي كما كنتِ تفعلين حينما أنام مُبكرًا في غرفة الجلوس ودعيني أشمّ بقايا عطروكِ التقليدية ذات الرائحة النفاذة علني أنام..!

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.