روّاد المقاهـــي

img

روّاد المقاهـــي

بقلم : محمد جابالله

يــا روّاد المقاهـــي ، لماذا الحيرة تتملّك قلوبكــــم. تنظرون لكــلّ قشّة تقذفــها الريــاح ولا تنظرون لأنفسكــــم. أحببنــا المقاهـــي لأنّها تروّض نفوسنـــا عن العبث في الطريــق العام. لكنّنا نسينـــا أن نحبّ أنفسنــا ونحظى بكميّــة من الأنانيّـــة المعاصرة لعلّنا نطوّر أنفسنا وإن كنّا جالسيـــن.

المقهى أشبــه بالأســرة، لكن أيّ أســرة. هل هي التّي تسير على قلب رجل واحد ، أم التّي تمخضّت عن صراع الإنســان مع الآلـــة ؟. أظنّ أنّها الأخيـــرة ، لأنّها بدل أن تجمعنــا ، تصنع منّا أحزابــا وفرقــا تخطب من وراء جدار. لا يلعن القدر إلاّ من عجز عن تحريك دفّـــة حياتـــه ولو لخطوة واحـدة.

كلّنـا نشرب قهوة، لكنّنا نتذوقها بطريقة شخصيّة لا يتدخل فيها أحد. كلّ تمثّل لــه القهوة شيئا ما ، تفصيلة صغيرة أو حتّى ذكرى لمقطع تراجيــديّ في الحيــاة.

فحياتنــا تشبه الشريــط السينمائـــيالذي تكوّنــه أجزاء. جزء يمثّل الماضــي الذي تمّ تجاوزه بأتعابـــه وجزء يمثّل الحاضر الذي نعيشــه لحظـة بلحظـة ونصنع فيه الأحداث، فكـلّ حركــة فيه تعتبـر عبورا نحو جزء آخر ألا وهو المستقبـــل. إنّها لحظــة ” الآن ” التّي لا ندرك فواتهـــا إلاّ بعد فــــوات الأوان.

إنّ  القهوة التي نشربهــا وامتلأت إلى النصف تقريبـــا ، تشعرنـــي بنوع من الإستقلاليّـــــة عن الآخريـــن. فهذ هو أصل الأشيـــاء قبل تحريكــــها، وتحرّض في النفــس البحث عن الأمور في تركيـــز.

لا فــرق بين الفصول الأربعـــة، ففي القهوة شيء غريــب يجعل المرء يتجاهــــل باستمرار يومـــه ولا يكترث. مثلها مثل الحـــبّ الذّي لا يعبأ بأيّ فصل يزورنــــا. لكن الأهــمّ هو وجـــوده ، ذّاتــــه ، أن يتجلّــــى كما هــو.

” حقيقة الأشياء ” أو مــا يظهر لنــا أنّها حقيقــة شــيء مــا . بها ندرك من أيـــن نبـــدأ ، وكيـــف نبـــدأ ، وإلى أيـــن يفتــرض أن نصـــل. للقهوة فضــل علينا كفضــــل الطّبيــب الذّي يزيــح عنّا بوصفاتـــه آلام الرأس التّي تجعلـــنا نذبذب كالمجانيــــن.

إنّها تهذيـــنا فرصــة من فــرص الحيـــاة الضـائعـــة ، وما أكثرهــا.فرصــة من بينــها التأمّـــل في البشـــر ، الجدران سواء كانــت ملوّنـــة بالسعادة أم حزينـــة بلونها المنفــرد، الكراســي المريحة لفئــة والغيــر مريحــة لفئة أخــرى ، الشجــر وقدرتـــه على تزيــــين المشهــد وما فوق الرأس كالسمــاء، وكلّ ما يقع عليه البصر ويشدّه إليـــــه.عندمــا نرســم فلسفــة الحياة كخريطــة في الذّهـــن نهتـــدي بها، فذلك حدث مثاليّ جـــدّا يشعرنــا بالفخــر. أمّا إذا عشناهــا فستـكون مختلفـــة اختلافا كثيـــرا عــمّـــاتمّ وضعــه كأســاس. لا يعذّب الإنســـان التفكيــر المستمــرّ لأنّ المرء بطبـــعه لا يكلّف إلاّ على قــدر طاقتــــه، سـعــة معرفتـــه وتوفيـــق ذاكرتـــه. بل هجوم الأفكـــار من غيــر ترتيـــب ومن دون قــدرة على تدويــنها, فهــي كالعصافيــر تتطايــــر في الهواء الطّلـــق ، إذا أمسكنــا بواحد فنحن محظوظون، وأمّــا إذا أمسكنــا بالثانـــي فنحن أبطال!.

إنّها معركـــة ثلاثيّــــة العدوان، تشتــرك جميــع مكوّناتـــها في الشراســة. تدور بين العــقــل، القـلــب والواقـــعأو ما يمكـــن أن نسمّيــه ” الطّبيعــة ” كإطار نعيـــش فيـــه. كلّ طرف في المعركــــة لا يمكـــن أن يستمـــدّ وجوده إلاّ بوجـــود الآخــر ولا يمكن أن يفنــــي أحدهــــما الآخـــر لأنّ التوازن سيّــــد الموقـــف.

جرعـــة من قهــوة تكــــون بمثابـــة جســـر للتصالـــح وخلق لـهدنــة بين تلك العناصـــر. لا مفرّ من التوفيــــق بينهـــم!.

لا يمكــــن أن ندوس على الآخــــر بمجـــرّد اختلاف أدوارنــا في كوكــب الإنسانيّــــة. فكــلّ يلعب دوره حسب ما يقتضيـــه المشهـــد السينمائــــي. فالقهــوة بمثابـــة السحـر! لكن سحـر يوقظـــنا من سبــاب عميـــق وشخيـــر مزعـــج ، يأكـــل الوقــت ويقتــل اللحظات بلا حركـــة ولا آثر.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.