رواية “حمدان و الزمان”: القطع مع كلاسكيّة الرواية العربيّة

204

رواية “حمدان و الزمان”: القطع مع كلاسكيّة الرواية العربيّة

بقلم : جمال قصودة

التقديم :

“حمدان و الزمان” للكتاب التونسي الحبيب بن محرز  رواية يمكن تنزيلها بباب الرواية التاريخيّة  اذ تدور أحداثها في بداية العقد الثاني من الالفية الثانيّة،  صدرت سنة 2016 عن منشورات دار آفاق للنشر بتونس ( سلسلة آفاق الابداع و الفنون )  في نسخة أنيقة تتضمن صورة تاريخية لمقهى الجزائر بتونس  العاصمة في الواجهة الامامية للغلاف و مقتطفا من الرواية في الوجه الخلفيّ  ، الاثر من الحجم المتوسّط اذ يمسح 280 صفحة ، و تجدر الاشارة هنا أن الرواية قد فازت بجائزة ” الاكتشاف “سنة 2017 للّغة العربيّة في مسابقة الكومار الذهبي وهي من أهمّ المسابقات الأدبية التي تعنى بالرواية في تونس .

رواية حمدان و الزمان شكلا :

ان حمدان و الزمان رواية طريفة في شكلها بل فيها الكثير من جدّة الطرح البنيوي  فهي باقة من المشاهد السرديّة المتراصة مما يجعلها اقرب الى الرواية السينمائية منها الى الرواية الأدبيّة لا بل الكاتب في لقاء شخصيّ يؤكد ما ذهبنا اليه و يعبّر عن أمله في اخراجها سينمائيا ،  عنوان الرواية ورد في الصفحة الاولى مقرونا بعنوان فرعي ثان و هو “الماضي الحيّ “مما يفترض ان تكون  هذه الرواية هي الاصدار الاوّل من  أجزاء لاحقة ، و بداخل الرواية أيضا قسّمها الكاتب الى ثلاثة أجزاء ، برغم تتابعها أحداثها و لانها معدّة للسينما وردت الرواية في شكل مشاهد او اقصوصات قصيرة لا تتجاوز ثلاث صفحات في غالبيتها هذا الشكل يذكرّني شخصيا بالسيرة الذاتية للشّاعر المصريّ محمد عفيفي مطر “أوائل زيارات الدهشة: هوامش التكوين”  خاصة و ان جميع تلك المشاهد  قد جاء ت معنونة بالاضافة الى بنيتها الداخلية التي  تنطلق في غالبيتها بمدخل وصفيّ و تنتهي  بخاتمة فيها الكثير من الادهاش فاما ان يرد فيها خرقا لانتظارات القارىء او ان يفتح فيها بابا للتشويق عبر ايقاف سيرورة الاحداث في ذروتها و هذا ما سبقه اليه محمد عفيفي مطر و لأن الرواية فاقدة تماما للعقدة التي تعد مقوّما أساسيا  من مقوّمات الرواية فان البنية التي اعتمدها  الحبيب بن محرز في خرق انتظارات المتقبل او فتح باب التشويق هي التي انقذت الرواية من الرتابة و ساهمت كثيرا في  شدّ القارئ ، قد يرى اي ناقد آخر ان غياب العقدة في رواية حمدان و زمان خللا لا يغتفر لانها مقوم اساسيّ و اراها جدّة  خاصة حينما تقترن بغياب البطل و سنتوسّع في هذه النقطة قادما بنفس التقديم ،

البنية الدائريّة المفرغة والزمن الروائي :

يقول “ميلان كونديرا”  ان الزمن البشريّ لايتحرّك في دوائر و لا يمضي في خطّ مستقيم و هنا يكمن سرّ كل ما تعانيه البشريّة من شقاء لذا فان البشر غير قادرين على السعادة ،فالسعادة هي محض توق للتكرار و في مغيب التلاشي يغدو كلّ شي مضاءً بهالة من الحنين بما في ذلك المقصلة “ قد ينطبق هذا القول على جميع الجماعات البشرية الا نحن هذه الشعوب العاطفيّة التي  تعيش داخل بوتقة الحنين  و العاطفة المفرغة من اي معنى فيصير الزمن البشريّ او الروائي وهو تعبيرة من تعبيرات الجماعة البشرية الى زمن دائري عكس حتميّات الطبيعة فتتكر المهازل و يعيد التّاريخ نفسه في شكل أشدّ قتامة ووجعا و لان  تخيّل ميلان كونديرا ان السعادة تكمن في التكرار فاننا نحن الذين عايشنا و نعايش الزمن الدائري او المستقيم الرتيب الفاقد للتعرّجات و الرجّات  فاننا نؤكد له ان السعادة مطلب تتوق اليه البشريّة الجمعاء  و لن يتحقق بتناسخ اللحظات لان التناسخ  او التكرار يوّلد الرتابة برغم الحنين الذين يسكننا ، نعود الى رواية حمدان و الزمان لنقول ان الرواية وردت في شكل دائري مفرغ اذ انطلقت بتحريم الشكولاطة و انتهت برغم مرور الزمن الروائي و التاريخي / الواقعي الذي يتم سرده بنفس التحريم لنفس الموضوع مما يؤكد ان هذه الشعوب المنوّمة لا تتقدم قيد انملة برغم الايّام التي تمرّ و الاحداث العاصفة التي تصبّ على رأسها ، و لانّ الرواية التاريخية و اغلب من ماجاء فيها من أحداث هي احداث حقيقية من تاريخ تونس فيمكن تحديد الزمن الروائي بدقة لارتباطه أوّلا بأحداث الجلاز  التي انطلقت في نوفمبر 1911 وهي احداث عنيفة  شهدتها العاصمة و الحركة الوطنية ضد سلطات الحماية بعد قيام بلدية تونس الخاضعة للمستعمر بتقديم طلب تسجيل ارض مقبرة الجلاز في السجل العقاري و برغم  العدول عن التسجيل  اندلعت مواجهات  عنيفة بين المتظاهرين و قوات الامن الفرنسية  اسفرت على عدد كبير من القتلى من الطرفين دون ان نغفل ان نفس الحدث  قد تخللته مصادمات مع الجالية الايطالية على خلفية الغزو الايطالي لليبيا هذا الحدث المهم الاول الذي يمكن ان يحدد الزمن الروائي بالاضافة الى حادثة مقاطعة الترامواي  وهي حملة المقاطعة التي شنها التونسيون  في 08 فيفري 1912 بعد تعرض طفل تونسي للدهس من طرف سائق ايطالي ّ كما ورد في خاتمة الرواية الحديث  الصريح عن بعض التواريخ المتعلقة بتحركات علي بن جبيرة  و ان اعتمد على الكاتب على التعميّة في تغيير اسم هذه الشخصيّة فانّ اسرّ لنا في حديث جانبيّ انها شخصيّة واقعيّة  اصيلة جزيرة جربة اذا  احداث الرواية تدور في السنوات الخمس الاولى من العقد الثاني من الالفية  اي بين 1910-1915 او ابعد بقليل.

 رواية حمدان و الزمن و القطع مع كلاسكيّة الرواية العربيّة :

-1-  زحمة الأحداث في مقابل غياب العقدة داخل الرواية :

لانّ الرواية تاريخية فالاحداث فيها كثيرة لا بل مزدحمة لا ينقضي حدث الا ليرمي بنا في أتون حدث أخر ،كثرة الأحداث بالاضافة الى الاسلوب السرديّ الممتع مع البنية القائمة على الادهاش او خرق انتظار المتقبل الذي تحدّثنا عنه سابقا كلّ هذه الاشياء عوّضت العقدة الغائبة في رواية ، غياب العقدة قد لا يكون واعيّا بالنسبة للكاتب  لان حضور عقد جزئيّة قد عوّضته و لان البطل برغم العنوان المرتبط اساسا بحمدان يقرّ ان الكاتب نصّب هذا الاخير بطلا للرواية لكنّ القارئ البسيط قد يكتشف ان حمدان لا يمكن ان يكون بطلا للرواية لان الاحداث تسير باسترسال لا تعرّج فيه برغم المصاعب التي  قد تعرض شخصية من الشخصيات الا ان المصاعب ليست عقدة تدور حولها أحداث الروية  لتسير نحو ذروتها  او نحو حلّها في  النهاية  ببساطة لان الرواية فاقدة للبطل الرئيسي الذي تدور حوله بقيّة الشخصيات  الثانوية لتضيئه او تستضيء به لينتجا معا تفاعلا روائيا هذا الذي رايناه سابقا في الروايات الكلاسكية  التي قطع معها  الحبيب بن محرز وهو يكتب روايته بوعي او من دونه .

-2- الجدّة على مستوى الشخصيّات :

يؤكد الدكتور حسين مناصرة” ان الرواية التقليدية / الكلاسكية وحدها التي تحتفي بشخصيّة مركزية في العمل الروائي وهي شخصية البطل التي تحيل  على الحكايات  و السير الشعبيّة و لكن مع التحوّلات في الروية الحديثة  تغيرت المفاهيم نحو الشخصيات فغدت البطولة قمية جمالية مستبعدة كثيرا ليحلّ  مكانها  الشخصية او الشخصيات الرئيسية و احيانا لا تكون هناك شخصيات رئيسية بقدر وجود شخصيات او علامات تؤدي أدوارا ميعنة في بنية السرد يمكن ان نسميها أدوارا فاعلة “و هذا ما ينطبق على رواية حمدان و الزمان التي كانت فيها  الشخصيات كثيرة و متنوّعة و لاننا تحدثنا سابقا عن غياب البطل فيمكن ان نقسّم الشخصيات على ضوء هذا الغياب الى ثلاثة انواع  و هنا مكمن الجدّة او الطرافة التي قد يراها البعض خلالا مسّ مقوّمات الرواية و قد يراه البعض الاخر و نحن منهم جدّة :

  • الشخصيات الرئيسية : وهي الشخصيّات الحاضرة منذ بداية الرواية الى ختامها و من ضمنها حمدان الذي يمكن ان يكون “الشخصيّة الاولى” كما يسميه “فيليب هامون” و لا يمكن ان يكون بطلا بالاضافة لاصدقائه الطلبة ( عمار و لمين و عبد الله و الصادق ) مع شخصيات كان حضورها متواترا كالبدوية خضراء او شوشانة و اليهودية فريتنة
  • الشخصيات الثانوية : التي تحضر في موضع لتغيب نهائيا او تحضر في موضع اخر و لكنها ليست رئيسية : الاخ صالح ، علي بن جبيرة ، سي العربي و زوجته هناني ،الكسندرا ،سكارنتينا صاحبة مبغى سيدي بالنعيم ،اليفيرا صديقة علي بن جبيرة و غيرهم
  • الشخصيات هامشية : و هي الشخصيات التي تحضر في موضع لتغيب نهائيا اثر ذلك ومنهم ملك الموت ، علي الزوفري ،اليهودي ميناحيم ،الليبي بركة الخ

الخاتمة :

ان رواية حمدان و الزمان رواية شيّقة بحبكة سردية ممتعة و لغة سلسلة و جزيلة ، و الاهم من كل هذا  انها تنم عن بحث و جهد جبّارفليس من السهل ان تكتب  رواية تاريخية عن زمن لم تعشه  قد يكون الخيال و التخيّل اساس اي عمل ابداعيّ لكن الرواية التاريخية برغم ما فيها من تخييل تفترض  الكثير من التنقيب و البحث فيما يتعلّق بالاحداث التاريخية الواقعية التي وضّفها الكاتب و فيما يتعلّق أيضا باسماء المدن او الشوارع التي وردت باسمائها القديمة بالاضافة الى نجاح الكاتب حسب رايي في اختيار اسماء الشخصيات و هنا نستشهد باسم حمدان وهو الجربي اذ لا تخلو عائلة جربيّة – نسبة الى جزيرة جربة – من هذا الاسم من دون مباغلة و ايضا اسم الخضراء المعبّر كثيرا عن ورغمة او التوازين لتواتره و حضوره في اغلب العائلات .

Facebook Comments



One thought on “رواية “حمدان و الزمان”: القطع مع كلاسكيّة الرواية العربيّة

  1. الحبيب بن محرز

    الرواية والعقدة : الحبيب بن محرز (كاتب رواية حمدان والزمان)
    لقد آليت على نفسي أن لا أكتب شيئا حول روايتي لسببين اثنين، السبب الأول أن أي كاتب يسعى إلى تفسير أوتوضيح أو تبرير ما كتبه هو اعتراف ضمني بفشله في تبليغ مقصوده والسبب الثاني -وهو الأهم- أن العمل الروائي هو بطبيعته حمّال أوجه والكاتب الذي يسعى إلى تفسير ما كتبه لا يفعل شيئا سوى أنه يخنق روايته وقد يقتلها وقد لاحظْتً بكثير من السعادة تنوّع الجوانب التي استرعت انتباه القرّاء، فهذا يركّز على الأحداث السياسية والاجتماعية التي طرأت بين 1911 – 1912 والآخر شدّ انتباهه التنوّع العرقي الذي كان في تونس، والبعض استشف تشابها بين أجداث 1911 و 2011 وأخرى ركّزت على وضعية المرأة في تلك العهود البعيدة وهنالك من وقف على جوانب بدت له فلسفية (كالعلاقة بين الجنة والسعادة) وهنالك من رأى فيه مقاومة للفكر السلفي.. إلخ. وبالتالي فإنه ليس من حق الكاتب أن يتدخّل، هذا حق القارئ والناقد وإذا كان الكتاب ناجحا سيشقّ طريقه وإذا كان فاشلا سيموت كما مات غيره ولهذا سأركّز حديثي عن مواضيع عامة وخاصة موضوع العقدة
    العقدة ليست شرطا من شروط الرواية بل قد تجاوزها الزمن (مازالت في بعض الروايات البوليسية). ماالعقدة في كتاب ميلان كوندبرا (L’insoutenable légèreté de l’être ) ؟ حكاية طبيب ومصورة صحفية في أحداث تشيكسلوفاكيا سنوات 1968 وانتقال بين براغ وجينيف في أجواء غريبة ونفسيات أغرب لا هي راضية بالحكم الشيوعي ولا هي مقاومة له.. أجواء عبثية.. وماهي العقدة في رائعة ماركيز (مائة سنة من الوحدة)؟ .. المهم هل نجح الكاتب في المسك بالمناخ؟ هل أم شخصياته مقنعة وحية (vraisemblable)؟ عندما تقرأ “البؤساء” مثلا فإنك ترى بعينيك شوارع باريس وأزقتها وتشعر أن ‘جان فال جان’ هو من معارفك، كما تعرف جارك فلان وعمّك علان، نفس الشيء بالنسبة لوليد مسعود في رواية جبرا إبراهبم جبرا.. الرواية بالنسبة إلي هي أكثر الأنواع الأدبية تنوعا وهي قادرة على احتواء كل شيء ، أعود إلى كونديرا وكتابه الذي ذكرته سابقا، لقد تحدّث حتى عن نيتشه، المهم أن لا يكون الحديث مسقطا وأن ينصهر في الرواية.. والنجاح الحقيقي هو عندما يفرض الكتاب نفسه في الساحة آجلا أو عاجلا

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *