رنين الشكل واللون في تجريديات عبد العزيز الغراز

img

 

بعد معرضه “رقصة الألوان” ثم “التيه” و “وفرة”، عرض الفنان عبد العزيز الغراز جديد أعماله الفنية تحت عنوان “رنين Résonance  “، وذلك ما بين 16 دجنبر 2018 و31 منه، برواق محمد الفاسي بالرباط.

تضم سلسلة “رنين” ستة وعشرين عملا فنيا، بأسلوب يبرز فيه البحث التشكيلي الدءوب لعبد العزيز الغراز عن جمالية تجريدية مميزة، فبالرغم من أن الفنان عرف بانتسابه إلى التجريدية الغنائية، فتجربته تكشف هذه المرة عن أسلوب تجريدي يصعب تصنيفه بين الغنائية والتجريد الهندسي. هي أعمال تمد الجسور بين التقليدين وتبحث عن تخوم الجمال المجرد بينهما، وهو ما مكن الغراز من القبض على جمالية اللون والشكل والتركيب في لوحاته، والتي أضحت تتألف من مساحات لونية منتظمة في أشكال رباعية أو خطوط عريضة متوازية، في تناغم تام مع مساحات أخرى انسيابية متدفقة ومجردة من كل شكل هندسي. لكن الشكل عند الغراز ليس مجرد شكل هندسي جامد بل إنه شكل مشحون بالعاطفة، وبقدر ما يكون متزنا ومنتظما إلى جانب كتل ومساحات لونية أخرى، يتموقع في الفضاء ويعلن حريته. يعطينا هذا الأسلوب الانطباع بأن الشكل يرن ويتراقص ليعانق الألوان والكتل والخطوط في حركة لا تخلو من نغم وإيقاع هادئ وانسيابي لا حدود له. يخلق الفنان بهذا الأسلوب نوعا من التسامح مع الشكل في قلب التجريدية الغنائية مانحا للألوان فرصة العودة إلى جسدها بعد أن كانت سائرة نحو التلاشي والانصهار في المطلق.

لقد أمكن لعبد العزيز الغراز في سلسلة “رنين” أن يصالح بين المجرد المطلق والمجرد المجسم في لحظة بهية وأخاذة

تنسينا الفوارق والتصنيفات والأحكام المدرسية القبلية، ومع ذلك يبقى وفيا دائما للغة البصرية التجريدية التي ليس فيها أية إحالة مرجعية إلى عالم الأشياء والظواهر الجاهزة، كما أنها لغة متحررة كليا من السرد. نكون إذن إزاء اكتشاف للذات و للوجدان كلما توغلنا في استبصار العمل الفني لعبد العزيز الغراز، وكأننا أمام مرآة وليس لوحة، لكنها مرآة تدمج الناظر في عالمها وتَسِمُه بميسمها، بدل أن تكون مجرد انعكاس للجاهز.

يتيح لنا الغراز كما عهد دوما أن نبصر الجميل في مطلقه، فيكون الجميل بذلك معبرا نحو الحقيقة ويفسح المجال للعين لكي تخترق عوالم التناغم والتسامح مع الذات والطبيعة والعالم.

إن الحضور بين أعمال الغراز بمثابة حضور بين صور الذات، يقول سمير بوسلهام، وهي تبحث عن الحقيقة المجردة والتي لم نجدها في عالم الأشياء. نكون بين صورالحقيقة وهي تتكرر وفي تكرراها تتعدد وتختلف بتعبير جيل دلوز، وإن كنا نعلم أن ما نراه لا دلالة قبلية له وليس حقيقيا. يقول بيكاسو “نعرف جميعاً أن الفن ليس حقيقة… إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة”.

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: