رقصة أخيرة مع الحزن ، إيناس مانسي

img

رقصة أخيرة مع الحزن – نص نثري ، إيناس مانسي

في تلك السّنة التّي أضعْتُهَ فيها، في تلك السنة التي اكتشفت فيها أن بإمكاني المشي علی قدمين إثنين فقط وبلا مساعدة أحد. أنا من كنت أظنّني عرجاء إن لم أستند عليه…
في تلك السّنة التي رحَلَ فيها، ظننتُ أنّه رحل بالوطن معه وتركني برأس طبْلٍ كلّما هوتْ عليه الصّفعات تراقص الجميع من حوله…
أنا من لم أعد أقوى علی حمل رأسي، ألتفت مرارا في كل اتّجاه، ألتفت بجنون كمن يبحث عن اتّجاه خامس لم يكتشفه الجُغرافيون بعد. ألتفت برأسي مرارا باحثة عنه ويلتفت معه كامل جسدي فيظنّني الجميع أرقص …
ثم أصرخ بحنجرة أخر رجل من الموهيكانز وآخر امرأة تنوح من الهنود الحمر، تقصّ ضفائرها حِدادًا، فيسقط هو كريشة من علی رأسها …
هكذا همس الحزن في أذني: هل تسمحين لي برقصة أخيرة. قبل أن تخلعي عنك حُليّكِ… وتتهذّبين للغُزاة الجدد؟
يا ثُقبَ النّاي الأخير الذّي أُخرِسُهُ بإصبعي عزفا فيزيد نشازُك اللّحن جمالا. أنت يا من لا عهد لي بوداعك ولا مشهد أخير ينخُر ذاكرتي. شِئْتَ أن تكون نهاية مفتوحة، نهاية تبُورُ بين الأزمنة حتّی تَحمِل يوما بمُصادفة اللّقاء …
دعني أقصّ عليك خيالا مُؤجلا، خيال امرأة لا تستأمِنُ المستقبل علی صُدفةٍ مُنتَظرَة، ماذا لو التقينا يوما؟ ماذا لو حَمَلْتَ رأسي عَنِّي قليلا حتّی يهدأ الرّاقصون من حولي؟ ماذا لو مثّلْنَا آخر مشهد فيحترقُ الفيلم ونبدأُ من جديد؟ ولكنّي يوم أضاعُونا، يوم أضاعَك الوطن علی أعتاب وطن آخر… أضعتَنِي… وشنَقْتُ أنا رأسَ الطّبلِ بمِسبَحةٍ بين يديّ حتّی انفصلت حبّاتُها وتاهت أسماءُ اللّه حبّة حبّة في كل اتّجاه. عجِزْتُ عن التقاطها من جديد. ويومها أضعت الإله. تحت الكراسي وفي جُبّتِي وبين فضلات الوجبات البائتة وفي كلّ زاوية لا يطالُها الرّجاءْ… أضَعتُ الجميع ووحدَكَ من أحنّ إليه…
يقول الطبيب أنّني سأُشفَى قريبا، يقول هذا بينما أنظر إلی الملفّات الكثيرة التي يُزيّن بها مكتبه. أنظر إليها بثُقبِ عَينٍ أوزوني اختلطت عليها كل فصول البكاء، فحَسِبَ الآخرُون بريقها جمالا. ولو نظروا قليلا لوجدوا انعكاس صورتك مُطلاّ فيها ولو بحثوا عن نظير الانعكاس لما وجدوا أحدًا…
لسْتَ أنت إلا خُدعة من خُدعِ التّناظُر ولسْتُ أنا إلا طبلاً لن ينجو من خبْطِ الأكُفَّ حتّی يترهّل جَلدهُ فلا تنتفِض القلوب من دوِيّ صوتِه.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: