رسم الزمن في تجربة الفنان رومان أوبالكا التشكيلية 

img

رسم الزمن في تجربة الفنان رومان أوبالكا التشكيلية 

بقلم : نــــــاجي  يعقوبي

أستاذ فنـــــــون تشكيلية

وباحث بمرحلة الدكتوراه إختصاص جماليات

الفنون وممارساتها بالمعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة

تقديم

لقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين الكثير من المتغيرات ارتبطت بالحربين العالميتين الأولى والثانية، أدت إلى تغير العديد من المفاهيم الفكرية والفنية، مما أدى إلى ظهور اتجاهات فنية متعددة لكل منها أسلوبها وفلسفتها التي ساهمت في تعدد الرؤى الفنية الغير مألوفة في الفن، فظهرت تجارب ذاتية على يد مجموعة من الفنانين حيث هيمنت التجارب على فكرة تجسيد الحدث الحياتي ضمن دائرة الشكل المتحرك أكثر من السكون وما تستهدفه الحركة من إحداث الأثر في المتلقي من حيث تفاعل عناصر التكوين وما يصنعه التسلسل الزمني وما تعطيه الحركة المتغيرة في الزمن من منجزات البحث ضمن نطاق التحرر من الكون الكتلي الذي تتمحور حوله بعض البنى التكوينية في العمل التشكيلي ومنها تجربة الفنان رومان أوبالكا .

1من هو رومان أوبالكا ؟

ولد رومان اوبالكا Opalka في عام 1931  في   Hocquincourt

البولندية وتوفي في 6 أغسطس 2011 في روما. وهو أستاذ في وارسو

بين (1958-1960). و أستاذ زائر في أكاديمية الفنون الجميـــــلة في

دوسلدورف، ألمانيا وأستاذ زائر في أكاديمية سومـــــــر Salszburg.

في عام 1965، في وارسو، رومان أوبالكا Opalka حاول إيجاد  فكرة لتجسيد الزمن في اللوحة

2-  الزمن و الاستمرارية عند اوبالكا :

يعتمد اوبالكا  منذ اكثر من  اربعين سنة خلت العد والأرقام كعناصر تشكيلية ينظمها وفق نسق يخصه في تتابع وتواتر  رتيب وعلى مساحات  كبيرة ومتماثلة  يرى اوبالكا  انه بدا هذا المشروع منذ ولادته

ويقصد بذلك منذ ان انجز اللوحة الاولى وقد بدأت عناصرها يلفها السواد حيث انه استعمل الاسود مضيفا في كل مرة واحد بالمائة من الابيض . وقد إعتمد اللون الأبيض على خلفية سوداء في أعماله معتمدا ما يشبه الجدول مبتدءا بالرقم 1، ثم 2، ثم 3 … وهكذا  حتى  يغطي الصورة كاملة بالتسلسل الحسابي للأرقام. وقد إتبع أوبالكا Opalka هذه الطريقة منذ ذلك الحين. وتابع طلاء سلسلة الأرقام باللون الأبيض على خلفية سوداء تصل إلى 1.000,000.

 

 

 

 

 

 

 

 

وبعد مضي  خمسة وثلاثون سنة من الزمن  ومع تزايد نسبة الابيض تغير لون سطح اللوحة الى الابيض  وهكذا تأتي اعماله  كتحديد وتعريف لحياته  مرفقا اياها بصوره الفوتوغرافية المتغيرة في الزمن حسب تقدم سنه و في سنة 1972، بدأ بإضافة 1٪ من الأبيض في الجزء السفلي من كل قماش جديد. تدريجيا، وفي 6 أوت 2011، أكمل رومان أوبالكا Opalka عمله وكان قد وصل إلى رقم 5607249 ليصل إلى مقولته الشهيرة ”  le fini défini par le non fini” ويقول أيضا :”عندما ارسم لا أفكر في الأرقام فانا كالماشي لا يفكر في خطواته فانا ارسم المدة الزمنية ” فهو قد أعطى لأعماله الحياة في فضاء العرض بأسلوب يتناسب تشكيليا مع الخروج من سطح اللوحة عبر الصفة الملمسية وصولا إلى رسم عمل فني يتخطي نمطية اللوحة المعلقة على الجدار ليتحول العمل الفني إلى حضور حقيقي يستولي على أبعاد جديدة للمكان والزمان، العمل الفني لا يتطلب مكان, المكان أيضا هو عمل فني[1].

 

 

 

 

 

 

لذلك كانت ترجمة اوبالكا للفضاء ممتدة عبر الزمن تتالى فيها الارقام كتتالي الزمن والايام حيث يعتبر الزمن هو الفضاء الهيكل الحافظ للعمل الفني بكونه حمالا للتواصل البصري بين الجمهور و الإبداع التشكيلي إذ يؤكد “إتيان سوريو” بأنترجمة الفضاء امتداد بإمكان مجموعة من النقاط أن توجد فيه في آن واحد, و يمثل الإطار الذي توجد فيه الأجسام المادية و الظواهر الفيزيائية. و لا تأخذ الإستيطيقة بعين الاعتبار الفضاء الإقليدي الثلاثي الأبعاد و لكن ليس لهذه المفاهيم إشغالات إستيتقية، لأنها لا تمثل مفاهيم الإدراك الحسي سواء كان واقعيا أو خياليا “.[2]

 

وبناءا على مفهوم الزمن  يمكن القول بأن “اوبالكا”  أبدع في تغيير الفضاء في أعماله التشكيلية ليمثل سابقة فنية تعبر عن بحث تشكيلي يذهب به نحو الإنتاج الفريد الذي يحمل خصوصية جمالية و تشكيلية يتداخل فيها بين فاعلية الزمن و الوقت ، حيث أن اللوحة تصبح حاملا لعوامل مختلفة تستحضر التشكيل و الزمن بما هو علاقة بين الماضي و الحاضر و يستند بذلك إلى القدرة الذاتية التي يتميز بها الفنان لكونه يحمل أبعاد بصرية متنوعة تقتبس من الماضي و تشكله في إشارة جمالية تتجه إلى التأمل في المطلق الذي يراوح بين ثنائيات مختلفة تعبرعن جمالية فنية تحتكم للمكان و تحلل رموزه عبر خصوصية الفضاء من جهة و قراءة إنشائية العمل الفني من جهة أخرى ،“فالعمل الفني الجديد يجب ان يمتلك ميزة الدياليكتية المتقدمه باستمرار, جدارن المتاحف جدران ميتة هذه الجدران تحتضن اعمالا ميتة ,المتحف يحمل القيمه المنتهية يعتمد على المحدد ويخاف المجهول..” [3]

خاتمة :

توفي الرسام البولندي رومان أوبالكا المعروف بدراسته لتطور الزمن في الفعل التشكيلي ، في مستشفى بالقرب من روما عن عمر 79 عاماً، على ما أعلن به مدير أعماله وصديقه سلافومير بوس للإعلام البولندي.كان رومان أوبالكا يمضي إجازة في إيطاليا وأدخل المستشفى بسبب “التهاب متعمم في الجسم”. وبحسب مصادر دبلوماسية فرنسية، أرادت عائلة الرسام المقيم في فرنسا منذ العام 1977 إعادته إلى وطنه ليتلقى العلاج، ولكن استحال ذلك بسبب حالته الصحية الحرجة .

 


[1] « L’œuvre d’art n’est pas posé dans un lieu, le lieu même est l’œuvre d’art » Michael Heizer ; Michael Lailach : Land Art , ‎Uta Grosenick – 2007 page 56

[2] -Etienne Souriau vocabulaire d’esthétique quadrige, puf, PARIS, 2004 p685.

[3] http://arabichistoryofart.blogspot.com

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.