رسالة ” المايسترو ” لكل التونسيين

img

بقلم : محمد عطية 

يمثل شهر رمضان في العالم العربي بصفة عامة موسم تنافسيا بين جميع القنوات في إنتاج الدراما ، و في  تونس بصفة خاصة عرفت السنوات الماضية سيطرة تامة للقنوات الخاصة و في محاولة من التلفزة الوطنية للحاق بالركب و العودة للمنافسة و للمجد الدرامي الذي عودتنا عليه خاصة في فترة التسعينات و المفقود منذ ظهور القنوات الخاصة قدمت لنا القناة الوطنية عمل غني عن التعريف هذه الأيام هو مسلسل المايسترو الذي لاقى رضا و استحسان متابعي التلفزة التونسية .

هذا العمل الفني الممتاز هو خطوة أولى للقطع مع الماضي القريب و مع السنوات العجاف التي شهدتهم التلفزة الوطنية و مع بعض الأعمال البالية كمسلسل ” وردة و كتاب ” الذي أصبح محل تندر في الشارع التونسي .

لقد التمكن المايسترو من إخراجنا من الذائقة الشعبية الفنية و البذاءة أو ما يسمى بالكيتش الفني المنتشر طوال السنوات الماضية و ذلك برفع الستار عن واحدة من القضايا الحساسة المسكوت عنها منذ وقت طويل و تقديم طرح جديد لم يطرحه أحد من قبل ألا و هو قضية المؤسسات الإصلاحية و مراكز إعادة التأهيل و التجاوزات التي تحدث بها,  كما عالج المايسترو قضية الأطفال الذين خذلتهم العائلة و الوطن فلم يجدوا سوى الشوارع منزلا لهم فإتجهوا للجريمة من أجل النجاة .

قام بإخراج هذا العمل التونسي المخضرم الأسعد الوسلاتي و شارك في أطوار البطولة كل من الرائعة درة زروق ، المبدع أحمد الحفيان و الغني عن التعريف فتحي الهداوي ، كتب السيناريو و الحوار عماد الدين الحكيم  و من أهم الذين ساهموا في نجاح العمل هو الموسيقي رياض الفهري الذي تطوع في إصلاحيات تونس من قبل لتكوين الشباب في الموسيقى و كانت تجربة ناجحة أفضت لمنح 16 طفل شهادة في الموسيقى ، و قد بلغت ميزانية هذا العمل 2 مليون دينار تونسي .

قال لسعد الوسلاتي أن المايسترو هو تجربة إنسانية و حياتية مهمة للذين شاركوا بالعمل قبل أن تكون تجربة تمثيلية و أن بعض الأطفال الذين شاركوا  قد مروا بمرحلة الإصلاحية و إعادة التأهيل بالفعل كما أصر على تسمية المؤسسات الإصلاحية للأطفال بالسجون لأنها تسلب هؤلاء الأطفال حريتهم أي كان الهدف من هذا فسلب طفل حريته هو إعتداء على الطفولة .

كما أظاف أن التلفزة الوطنية لم تتدخل في مرحلة الكاستينغ و قد راهنت الإدارة على نجاح المشروع و قدمت لهم كل المساعدة لإنجاحه ، بدء الكاستينغ منذ سنة 2016 و قد إلتقى الوسلاتي بأكثر من 150 طفل بين 12 و 18 سنة في عدة زيارات للمراكز الإصلاحية و خضع الأطفال المشاركون لدورات تكوينية في التمثيل و في الموسيقى و لقد رأى بهم رغبة و إرادة للنجاح و لتغيير حياتهم نحو الأفضل كما تطلب العمل أحيانا أكثر من 18 ساعة متواصلة من التصوير .

رغم أن الوسلاتي صرح بأن أدوات و معدات التصوير كانت عادية جدا الا أنه نجح في تقديم عمل درامي مميز على مستوى الصوت و الصورة أما على صعيد السناريو و الحبكة الدرامية فالمايسترو كان بالإمكان أن يكون أفضل مما هو عليه لإفتقاره للجرأة في الطرح التي كانت حاضرة لكن الواقع كان يتطلب أكثر من هذا نظرا لحساسية القضية المطروحة فقد كان على عماد الدين الحكيمي العمل أكثر على المعالجة الدرامية و حبكة القصة قبل مرحلة الإنتاج النهائية .

لم يكتفي المايسترو فقط بنقد التجاوزات في المراكز الإصلاحية بل نقد السياسات الخاطئة التي تعتمدها الدولة و التي تدفع هؤلاء الأطفال الذين لم تكتمل ملامح شخصياتهم بعد للجريمة ثم تعاقبهم لأنهم قد إقترفوا عمل خاطئ متناسين أنهم من دفعوهم لتلك الأعمال بتهميش الطفولة و عدم الحرص على أن يتربى الطفل في بيئة ملائمة و يحصل على تعليم جيد .

أثار هذا العمل غضب السلطات المسؤولة عن المؤسسات الإصلاحية فطالبوا التلفزة التونسية بتقديم إعتذار رسمي و إيقاف عرض هذا المسلسل الذي يسئ لسمعتهم لكنهم لم يقوموا بدعوة أحد ليصور و ينقل لنا ما يحدث خلف أسوار تلك المؤسسات للعالم الخارجي و هذا خير دليل على كذب إدعائهم .

لقد إستمعنا لكثير من الشهادات الحية لأطفال عاشوا تجربة الإصلاحية و أخبرونا عن ذلك العالم المظلم خلف الأسلاك الشائكة التي لا يعلم عنها أحد شئ غير أولئك الذين عاشوها ، في هذا الإطار قدم لنا الناطق الرسمي بإسم الإدارة العامة للسجون و الإصلاح سفيان مزعيش باقة من التصريحات الوردية التقليدية التي إعتدنا سماعها من مسؤولي الدولة حيث قال أن مسلسل ” المايسترو ” لا يعكس الواقع بل يتضمن إساءة للمؤسسة الإصلاحية و للعملة بها و أن الواقع شئ مغايير تماما كما قال حرفيا ” احنا الصغيرات نهزوهم يتفرجوا في الدربي ”  .

كل الشكر للسعد الوسلاتي لأنه لولا المايسترو لإعتقدنا أن المؤسسات الإصلاحية هي رياض من الجنة على ضوء تصريحات مزغيش و قد أظاف هذا الأخير أن النشاطات الفنية و الثقافية حاضرة في المؤسسات الإصلاحية منذ التسعينات و قد شاركة الإدارة العامة للسجون و الإصلاح في أيام قرطاج المسرحية للأطفال هذا العام .

كانت ردّة فعل المسؤولين بوزارة العدل حول القضية التي طرحها هذا المسلسل خاطئة و ذلك لسببين ، الأول هو أن العمل ركز على الجانب المظلم من المؤسسات الإصلاحية و التجاوزات التي لا يستطيع أحد إنكار وجودها و لو صور لنا المايسترو الإصلاحيات على أنها مكان أمن و جيد لما كان له معنى و مغالط للواقع و لأرسل الأولياء أبنائهم للمراكز الإصلاحية بدل المدارس الخاصة ، أما السبب الثاني فهو الإحصائيات التي لا يتحدث عنها أحد و التي تثبت لنا أن عدد كبير من الأطفال الذين يغادرون المؤسسات الإصلاحية سريعا ما يرتكبون الجريمة من جديد و تتم إعادتهم لمراكز الإصلاح ، هذا ما يثبت أن ما كتبه لنا عماد الدين الحكيم هو مجرد جزء صغير من الواقع و ليس نص درامي بحت لهذا كان يجب على المسؤولين الإعتراف بأن هذه المؤسسات الإصلاحية تحتاج لعملية إصلاح لسياساتها المعتمدة في إعادة تأهيل هؤلاء الشباب الصغار بدل مطالبة التلفزة التونسية بإعتذار رسمي فالمايسترو قد سلط ضوء خافت على ركن مظلم لم تبلغه نور شمسهم الساطعة بعد و لم يسئ للمؤسسات الإصلاحية و لا للعملة بها .

” المايسترو ” هو الخطوة الأولى للتلفزة الوطنية للقطع مع الماضي و للخروج من تحت مسمى تلفزة الحكومة لتصبح قناة الشعب و صوته , في هذا العمل تشعر أن الصورة قد رسمت بيد فنان و ليست مصورة بالكاميرا ، في المايسترو نرى حقيقة و واقع علينا تغييره علينا محاربة العنف و الإجرام بالفن و الموسيقى و إنقاذ أطفال الشوارع من اتخاذ الطرق الخاطئة التي لا تحمد عقباها .

يمكن تفسير نجاح هذا العمل ببساطة تامة فهو العمل الذي مس شخصية التونسيين و نقد النظام الفاسد الذي يعانون منه كما أتمنى أن نرى أعمالا درامية في المستقبل القريب شبيهة بالمايسترو أعمال تنقد و تعالج قضايا و المشاكل الحقيقية لتونسيين .

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: