رسائل مجهولة ، وصال بن حمودة – تونس

img

صوت المقطوعة الموسيقية Bonobo – black sands ينساب خافتا ، لذيذا و ممتعا في الأجواء . إنها تشغل هذا المقطع مرارا و تكرارا حتى تنتهي من كتابة ما بدأت فيه. غرفة صغيرة علوية ، نافذة مفتوحة نصف فتحة ، نسمات بحرية تداعب حصلات شعرها المتمرد و المنساب على عنقها دون ترتيب.
فجأة هبّت نسمة منعشة أقوى من المعتاد … فتحت شبّاكي النافذة . حملت في طياتها الأوراق التي انغمست في التدوين عليها منذ فترة . و رمتهما خارجا .
تابعت بعينها ما يحدث ، لم تستطع أن تنبس ببنت شفة . كان مارّا حذو بيتها . رمت عليه النسمات تلك الورقيات الصغيرة المرتبة .

” نسق الموسيقى هذا يخيفني ، ينزع عنّي كل الأغطية و الأقنعة، معه تبدأ الاحداث في التثابت و التواكب و التناظر في حركة دائرية مثيرة تصيبني بالغيثان ، أخشى هكذا ألحان و معزوفات بغير كلمات و معاهدات ! الاثارة الامتناهية و الشبق الحالم ، ليس من السهل إدراك أثر وقع هكذا مقاطع عليك . تحيط بك تأسرك ثم تفرغ جيوبك من كل الافكار، تذّكر فتتذكر فتكتب فتفشل فيضيق صدرك و لا تجد من المساحات ما يكفي لتخط الفوضى التي بداخلك ، تتسارع دقات قلبك و تخبئ ملامحك خوفا من الاحتلال.
شرخ من الاحداث و التأملات و انصاف الضحكات ، تتوالى الشخصيات و تتوارى ! تبقى انت عالقا متشبثا بين الفينة و الاخرى ، يربكني وجودك ، كل الشخصيات تدور صورها حولي الآن و لا اثر لصورتك بينها ، غريب !
أود أن أومئ لرجل لم أقابله قط،بأني أنظر إلى صورته منذ ثلاث سنوات دون توقف …أريد اخباره أنه وسيم بطريقة ما ! ثم أعود لأختبئ داخل أوراقي هربا من هذا الشعور… تغريني فكرة محادثته حد إحساسي الغريب بإختلافه عن البقية، ثم أرفض هذا الإغراء و أواصل التحديق في وجهه كالبلهاء. ..علما أن عيناي قد التقتا بعيناه في يوم من الأيام داخل مكان أريده أن يظل مجهولا حتى لا أُكْتشف.
أو لعله كان لقاءا من وحي خيالي لا أعلم ، كل ما أعلمه أني لا أود أن ينتهي بنا المطاف كعاشقين ! أحلم معك بالكثير ، كأن نحدد موعدا في مكان يعلمه كلانا و نكتفي بتفحص وجوه المارة باحثين عن المجهول – لا أنا أحفظ عن ظهر قلب ملامحك و لا أنت تعلم من أكون – هكذا نبتسم كأبلهين في وجوه أولئك العابسين و نعود إلى الديار منهكين، أود أن نستأجر آلة الزمن و نتوه في عالم غير عالمنا … كل منا في مكان غير أن أحدنا سيطمئن بوجود الآخر هناك !
أن أكون أحد كتبك المفضلة التي تغار ما إن تراها بحوزة أحدهم ، أغنيتك المفضلة التي لا تسأم الاستماع إليها و تثمل مع كل نوتة من نوتاتها ، صدارك المميز المخصص للأمسيات الخاصة ،
أتمنى أن نقطن ذات الحي لتتسنى لي فرصة مراقبتك عن كثب فاكتشف فيك ضحكة الصباح، و كذلك الضحكة التي تخصصها للمساء و أضحك مختبئة لمداعبتك لطفل في الثالثة لم تقاوم نظراته و أغتاض من ضحكة بنات حيك حين تعترضن طريقك و ألتاع من همساتهن حين تمر و تمضي في حال سبيلك ، سأعلم ما إن كنت ستلقي التحية على تلك التي تظن أنها تثير انتباهك. أود أن تمر بي في مساء ممطر فتبتاع مني وردة حمراء ، أناولك إياها مبتسمة،
أظنني سأخبرك أني بائعة ورد حزينة تكتفي بتسليم الورود و تحلم بتلقيها ،أود أن أستوقفك و أسألك عن حافة النصف الآخر من العالم ثم أموت و أحيا بين رموشك المخملية ، أحلم أن أجالسك في إحدى قاعات السينما و أكتفي بمراقبتك إلى أن يعلنوا نهاية الفيلم فأخرج مسرورة بينما يأسف كل من حولي لنهايته الحزينة و أتلبك حين تسألني والدتي عن موضوع الفيلم الذي خاصمتها كي لا أخل بموعد خططت له بمفردي دون علمك .
أنا لا شأن لي ببعثرة أوراق أجنداتك و كشف مخططاتك، صدقني أنا أضعف و أبسط من كل هذا التعقيد ! أنا فقط أحلم بتلقي رسالة منك و إن كانت على وجه الخطأ، أجزع أن تنتهي مغامرة تسلق هذا البرج العاجي الذي تقطنه و أتوق شوقا أن أتوقف عن مطاردتك . سأظل أحلم أن يتأنق كلانا و نتجه لحفل تنكري ما، فتراقصني و تمسك يدي قبل أن تسرقك جميلاتك مني، آمل أن أكون هناك حيث تكون وحيدا بجانبهم فأعانقك إلى أن تهجرك الوحدة ثم أعود أدراجي ، أود خلالها أن تقبلني على وجه الخطأ في ليلة مظلمة، لتظل تبحث عني حتى ساعة متأخرة من الليل . و أراك بعدها صباحا ثم ألقي تحية عابر سبيل لا وطن له، لا أود أن تلاحظ وجودي بينما تملأ أنت كلّ فراغات الوجود، أعلم أنك لا و لم و لن تحبّني و مع ذلك لا شأن لي بحبّك !
فقط سأحبك بعدد مرات استماعك لهذا المقطع الموسيقي الذي يُمِيتُني و يعُيد إحيائي ليُميتَني”

رفع نظره نحو الجهة التي أتت منها الوريقات الثلاثة ، شاهد شبحا ما يختفي خلف نافذة شبه مواربة . جلس على حافة الطريق يقرأ ما خُطَّ فيهن. أدرك إسم المقطوعة الموسيقية التي تأتيه خافتة رغم الهدوء الذي يعمّ المكان، حيث كان يستمع إليها أحيانا عند مكوثه لوحده في مكتب الصحيفة لوقت متأخر. لوهلة قرر الردّ على المكتوب في الوريقات الثلاثة كأنّه المقصود بالنص و ليست الريح من ألقت به مصادفة أمامه . فكّر في ذلك لثوان عدّة، ثم سحب قلمين من محفظته – أزرق و أخضر- ، رسم قلبا أخضر صغير الحجم في حافة الورقة ثم كتب تحته ” لعلّ الذي بيننا يزهرُ ذات يوم”.

تردد في تركهنّ على حافة الطريق حيث بإمكان ذلك الشبح أن يأخذهنّ من بعد ، استقام واقفا ثم وضع الوريقات الثلاثة في محفظته و قرر نشرها صباحا … ليواصل سيره بتؤدة دون إلتفات للوراء.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.