الرئيسيّة » قصّة » رحيل مشتهى-ذاكر طالبي
قصّة

رحيل مشتهى-ذاكر طالبي

Share Button

رحيل مشتهى-ذاكر طالبي
مقطع من الدكتور والشيطان
قبل ان ينتحر بليلتين… أخبرها بحبه المجنون لها و همس لها في قرط أذنها أنه فعل كل ما أرادته ان يفعله … وانه رغم كل غيابها المتواصل وحضورها الباهت الذي يشبه العدم… كان يراقب صورتها من شاشة هاتفه الذكي… رسم صورتها على عاتقه وشما في ذراعه العبثي… وناولها وصايا إبنته التي لن تأتي… وأخبرها أن تكون لإبنتها الوصايا التسع والتسعين…
لما كل هذا… لما تفعل هذا… قالت وهي تمد يدها لتشبكها بيده فلاحظت ان في يده حبل رقيق مطرز بسلك شائك…
قال اني في الحب نبي و هؤولاء بنو قريش لا يحبون الأنبياء… ولأن لا أحد أحبني او أظهر لي حبا رجيما … سأعدو نحو نهايتي بسرعة جنونية… و سأضرب قلبي بنبض كأخر لحن في الباتري…
ردت عليه قائلة لا أحد سيخسر سواك … و…
قاطعها أنا لا أخسر … العالم سيخسر مجلدا من الإبداع … سيخسر مبدعا أخر دون أن يعرف عني شيئا… ولا يسجل لي في قائمة الفنون إسما ولا لقب ولا تعريفا يبقى مكان إسمي أبيضا كقلبي وكحليب أمي…
وأنا أيضا سأخسرك يالي سوء حظي …
نظر إلى قزحية عينها المتسعة كبئر قديم جفت منه الماء… كانت نظاراتها مرآة السماء … كذبك حلوٌ جدا … تصبحين أجمل حين تكذبين … إنتفاخ الشفتين… والرمش المتواصل أثناء الكلام … أكل الأظافر … تحركك المتكرر… كلها تدل على كذبك…
إغرورقت حافتا البئر بماء زمزم… وارتمت باكية كإبنته في حضنه البارد… دست أنفها في صدره وهي تقول… أحبك وأحبك وأحبك…
طوقها بذراعيه ولحيته تلمس رأسها… جمد في مكانه لبرهة… ثم سحبها من كتفيها بعيدا عنه…
قائلا أنا لست لي وانت لست لي وأنا ممتلأ بك… وأنت خاوية مني… ولكل منا حياة…
أراد المغادرة لكنها مسكت قميصه باكية لا تفعلها وتتركني…
دون أن يلتفت أنا لم أتركك لكن انت تركت نفسك فتركك العالم وانا رفضت هذا العالم بشدة لأنه لم يعد يعنيني أبدا… فعندما يتساوى الموت بالحياة او بالأحرى الحياة بالموت يصبح الوجود عدما…
ضربته بكفيها الرقيقتين على ظهره مرتين وهي تقول لا أريد فلسفة… أريدك أنت ولاداعي للتبرير…
لقد قلت لك أنك لست لي… وكل حياتي فلسفة… لو لا الفلسفة ما كنت هنا ما كنت حيا…
عما الصمت بينها وكأن كل منهما ابتلع لسانه ثم تنهد قائلا… الحب صار مادة… وانا لا أملك الا قلبي وحشوة بندقيتي… وانت اخترت طريقا أخر وحبا أخر وحياة أخرى… وأنت تحبذين الوقوف في المنتصف… لا تحبيني ولا تريدين تركي… فنهايتي أجمل بداية لك…
تزوجي و أكملي حياتك بجمالها وكمالها… وأفرحي من القلب وإبتسمي دائما… وأنجبي من ذاك الحب طفلة… وعلميها الحب بصدق وان بلغت سن الرشد… أعطيها وصاياي… ولا تخبريها عني… كانت بحة صوته تدل على أن هناك قوة في داخله تريد أن تخرج كأن يصرخ ليكسر الصدى … كأن ينفجر ويزلزل كيانه… يشعر بالإختناق رئته الثالثة للكتابة إمتلأت… ولأنها لم تسع كل هذا الألم بكى كالزيتون…
كانت صامتة جامدة في مكانها كتمثال لم تحرك ساكنة … شعرت بحرارة باردة… أثلجت صدرها بإحتراق… تريد أن تقول له شيئا لكنها لم تستطع… كل الكلام مرتب لكنه يتبعثر كأشيائها في محفظة يدها البنية على لسانها…
شهقت… تنهدت… سألته في غضب خجلها عنه… من أنت… من إبتلاك بي…
أنا الساحر والكاهن والقديس وأنت الكنيسة حين أتعبد… أن الشاعر الذي يعجبك مزاجه … ملأت بي كل فراغاتك وكسرت كلما بداخلي… ويداه ترتفعان نحو وجهها… ظنت أنه سيصفعها… تقدمت خطوة لتقصر مسافة الصفع … لكنه وضع كفيه المجرحتين من جراء عمله القاسي على خديها…
كانت أضواء الشارع المضفي الى بيتها خافتة مصفرة خجولة هي الأخرى …
طبع قبلة على جبينها… فأمسكت ثيابه القديمة بشدة… طمعت في ان تقبل شفتاه… لكنه ابعدها قليلا… رفضها بشدة…
لما تعاملني بكل هذا الحب… رغم اني قسوة عليك ألاف المرات… وأني فعلت ما لم تحسب له حساب…
لم اكن جيدا في مادة الرياضيات… لكني أبدعت في الرسم بالكلمات… ولم يبقى لي سوى الابجدية وهذا الحبل المطرز…
أتريد الإنتحار…
لا أريد الإنتحار بل أحاول الإنتحار … الإنتحار شهوة موت … والموت شهوة رحيل … وما سأفعله رحيل مشتهى…
هل جننت…
لا… لكن عندما أحببتكِ… لم اكن عاقلا… وحبي لك كان جنونا وجنون…
كانت صدمة سماعها ما قاله… كافية لتجعلها تريد الجلوس… وهي تقول أشعر بالدوار …
أجلسها على عتبة إحدى الدكاكين … وتناول القداحة والسيجارة… قليل من النيكوتين للهدوء… وكان ينفث الدخان نحو السماء أدعية أدعية…
دون أن يلتف اليها وعيناه مرشوقتان في الهواء… كيف السبيل الأن…
السبيل الى ما أيها المجنون …
السبيل الى الإنتحار… أريد مكانا مجهولا… خربة قديمة… تحت جسر من الجسور المنهكة…
تثقب جسده كجندي في الحرب من ضحكتها الرائعة كرصاصات طائشة أنهكته … إنقسم إنكسر رمم نفسه فتفتت …أعاد الإنكسار الإجتياح لم يستطع الترميم… تنهد وسط كل هذا الذهول… راح يفصل وجهها يلمس بعينيه شعرها ستار الليل يسدل على وجهه… وجنتاها عندما ينام كوحش أسطوري … شفتاها إكسير خلود يشربه في تأنٍّ… يقبل قلبها في كفيها الصغيرين الرطبين…
سألته مقاطعة تفكيره … فيما تفكر…
في لاشيء…
شعر بأن المسافة بينه وبينها ألاف السنوات الضوئية… عصره الشوق إنصهر كزبر الحديد…
وكانت هي في الأن ذاته تراقبه بشدة… اللهفة لأجله تجتاج الحد الأقصى… هناك شيء لها عنده… ضحكته الساحرة التي لم ترها من شهور… ذقنه الخفيف الذي اهمله يأسه إلى أن إحمر… قلبه النابض المرِح والفرِح… روحه التي لا تضاهيها أرواح… رجولته وإنسانيته… حتى كتاباته اليها لا تعد كما كانت… ربما يريد تغيير “ستيل ” كتابته… كل شيء جائز… تبحث في عينيه عن ملاذ للهروب من نفسها …
وإذ به يمد لها سيجارة … هل تدخنين… نفت ذلك برأسها…
دخني فهذا العالم أقذر من بقايا التبغ… وضعي ساقك على جمجمة خائن …
كانت مرتدية ثوبا ازرق طويل بعض الشيء يغطي بذلك مؤخرتها المكتنزة… وكان مفترق صدرها مرئي له كمضيق جبل طارق… مرتدية كلسونا أسود محزوقا….
تعدد التفاصيل والشخص واحد يغريه ذلك وقد تعمدت كل هذا…
أشعل لها سيجارتها… اول نفس إختنقت وظلت تسعل كالديك حتى إحمرت عيناها…
هل تريدين أن نشرب بعض الجعة أو الشراب معا لننهي هذه المهزلة الكونية بسعادة…
أنا لست كما تظن … ردت عليا وقد بدا الغضب يعلو مقلتيها…
رد عليها قائلا…
كان ظني رائعا و معاكسا جدا لما فكرت به الأن … إن كنتِ كما طننتني أني ظننت فظنك خاطيء… ولما لم تظني شيئا عندما دخنتي السيجارة فلا يهمني ما تفعلينه… ولا الجزئيات التي جعلت منا اناسا أغبياء جدا … ليس مهمًا ما تضعين على رأسك بل المهم ماذا تضعين فيه و غشاء البكارة لا علاقة له بالشرف…
ارتجف بعضها على بعض أعادت شعرها المنساب خلف أذنها… الى أين المسير…
الى مكان هادئ حيث لا قطط شوارع تموء للتزواج… ولا كلاب سائبة تعترض تفكيري المتواصل بك… حيث لا يتلصص علينا صاحب الدكان من وراء الباب… وجارته اللعينة من الشرفة المقابلة… وقد يأتوا أبناء الليل السكارى… وتسوء الأحوال… مضيفا لها قائلا حيث تنكمش قزحية عينيك أكثر…
مسكته من ذراعه واتكأت عليه وهي تسير… كانها فرحة بجنة الخلد…
نسيت حبله المطرز الذي دسه في جيبه…
لكنه لم يترك لها مجالا للدخول الى تفكيره المتواصل بالإنتحار…
لقد كان منعزلا طيلة الوقت… وحيدا ذئب يرسم قوانينه بعوائه… يحلم بالإنفراد و إنفراده قيد التحقيق… كمان يعزف موسيقاه السريعة في ذهنه… يرتجل برأسه كصوفي في أخر رقصة يتجلى بها … أخر الوقت أوله… وتكراره مرتين مملل بالنسبة له …
الوقت بطيء جدا… كجده الذي تجاوز قرنا من العمر في سيره… الوقت بطيء كخروج روح القتيل…
ابتسم عندما سمع صوتها وهي تغني ” أنا لحبيبي وحبيبي إلي ” …
الجحيم في السماء وصوتك في الأرض…
توقفت قهقهة ضاحكة بأعلى صوتها وكان صدرها يهتز تريد أن تتكلم لكنها لم تستطع من كثرة الضحك…
أغلقي فمك ألست خائفة من أن تأتيك قطعة يقطين طائرة من إحدى النوافذ … أو فردة حذاء…
أكملا المسير وهي تمسك نفسها عن الضحك…
….
….
#ذاكر_طالبي

Facebook Comments
Share Button
الكلمات الدلالية

اضف تعليقا

انقر هنا للتعليق

تابعنا على الفيسبوك

Facebook By Weblizar Powered By Weblizar

حمّل تطبيق الموقع

https://i1.wp.com/www.intelligentsia.tn/wp-content/uploads/2017/08/Download-button-now.png?w=1320&ssl=1

تابعنا على تويتر

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 18٬410 مشتركين