رحلة عبر اللغة العربية

img

 

ترجمة عن الألمانية : بشار الزبيدي

اللغة العربية الفُصحى ليست لهجة عربية وليس ما يُسمى بالعربية الحديثة. إنها اللغة العربية الفُصحى الكلاسيكية النقية ، لغة القرآن و ميراث الإنسانية. ومن أجل البساطة سأسميها العربية. تكشف “الرحلة عبر اللغة العربية” الجمال الخفي للغة العربية وخصائصها الرياضية التي تجعلها لغة مفهومة. هذه الرحلة ليست كتابًا دراسيًا لقواعد اللغة ولكنها من الممكن أن تمنحكم بعض الدوافع الجديدة.

مرت الأبجدية العربية بثلاثة مراحل على مدار تاريخها. أن أقدم ترتيب للأحرف العربية كان يعتمد على أصوات مرتبة وفقًا لأصوات الحلق واللسان والشفة. ثم تبع ترتيب الحروف القيم العددية. حيث تم تعيين قيمة عددية لكل حرف وكان من الشائع أيضًا حسابها. يسمى هذا الترتيب (أبجد) على أول اربع حروف. إما اليوم فيتم فرز الأبجدية العربية حسب التشابه البصري للحروف.

في القرن التاسع وما بعده  طور العلماء المسلمين أساليب رياضية لتكوين الصفوف والأعمدة والأقطار الرئيسية. في العربية كانت تسمى هذه المربعات “الترتيب المتناسق للأعداد”. وفي أوروبا معروفة باسم “المربعات السحرية” والتي أصبحت معروفة فقط في القرن الرابع عشر من خلال ترجمات النصوص العربية.

ومن المعروف عن العربية إنها لغة حركات لأن الحركات لا تضبط دينامية اللغة فقط، وإنما أيضاً تحدد الحالات وليس كما هو الحال في اللغة الألمانية. اللغة الألمانية هي لغة تصريف، يتم فيها تحديد الجنس، الحالة، العدد، وهكذا تلعب هذه الأمور دوراً حيوياً في الجملة.

يغطي نظام الصوت باللغة العربية مجموعة كاملة من الأصوات البشرية. تتحرك من خلالها جميع عضلات جهاز نطق الإنسان وهذا ما يفسر أيضًا لماذا يتكلم متحدثو اللغة العربية باللغة الأجنبية من دون أي لكنة. وعلى سبيل المثال الشخص الألماني يحتاج لجهود كبيرة من أجل التحدث بلغة عربية خالية من اللهجة بسبب الثغرات في النطاق اللغوي والجهود المرتبطة به لإعادة تنشيط عضلات المسالك الصوتية. وبعد هذه الجهود الأولية يُمكن للمتعلم الاستمتاع بالتدرب الصوتي الذاتي. إن الأصوات الغريبة للغات الأخرى التي كانت في يوم من الأيام محل للسخرية والاشمئزاز ، تنقل لنا متعة جمالية تساعدنا أيضًا على فهم ماهو غريب. وكلما زاد فهم الغريب تلاشت الأحكام المُسبقة. ولسوء الحظ لا يتم تقديم اللغة العربية كموضوع اختياري في المدارس الألمانية.

صحية اللغة العربية:

منذ أكثر من 5000 عام جرى استخدام العلاج بالإبر كعلاج للطب الصيني التقليدي (TCM) لتخفيف التوتر وتخفيف آلام الظهر أو الاسترخاء في العقل والجسم. في حالة الألم ، ونحرك أيدينا بشكل انعكاسي إلى المنطقة المصابة وتدليكها بأصابعنا وبالتأكيد قام كل واحد منا بتدليك الجبهة أو الأصداغ في حالة الصداع. ويعرف الطب الصيني التقليدي أيضًا النقاط التي يمكن علاجها على الرغم من أنها بعيدة عن المنطقة المؤلمة. وبالتالي فإن باطن القدم أو كف اليد أو الأذن تمثل جميع أعضاء الجسم البشري. وعلى سبيل المثال الضغط على نقاط معينة من القدم يمكن أن يساعد ضد الفواق.

ومن غير المعروف أن هذه النقاط موجودة أيضًا في اللسان والتي ترتبط بالأعضاء عبر المسالك. يمتاز اللسان بأنه لا يلزم بالضرورة استخدام الأصابع لتوليد الضغط بل يمكن أيضًا إنتاج هذا الضغط عبر الكلام.

في اللغة العربية هناك ما يُسمى بالأصوات المضاعفة. حيث يتم استخدامها ليتم تضخيم الحرف المعني ( بشكل مزدوج). الحروف المكونة على اللسان وخصوصًا على طرف اللسان تحقق التأثير المفيد المطلوب أثناء مضاعفة الحرف. إذ يتم الحفاظ على الضغط على اللسان أمام القواطع لفترة من الوقت. أن الحروف مثل (ر) (ن) (ل) تتشكل على طرف اللسان ولها تأثير مفيد على القلب والرئتين عند الضغط عليها بشكل مناسب.

بالمقابل يحتاج المرء إلى الكثير من التمرن لنطق الحرف العربي (ض) والذي يتكون صوته على حواف اللسان. هذا الصوت غير موجود في أي لغة أخرى ولهذا من خصائص اللغة العربية أنها تُسمى لغة الضاد. إذا تمكنت من تقويس اللسان من الجانبين ثم ضغطه على الحنك بينما لا تزال تتحدث بالتشديد فأنت تفعل شيئًا جيدًا للكبد.

ومن دون تمارين التواء اللسان من الممكن نطق حروف (ر) (ن) (ل). لمضاعفة حرف الــ (ل) على سبيل المثال ما على المرء سوى نطق كلمة (الله). وعند القيام بذلك يتضاعف حرف (ل) في كلمة الله وبالتالي سيكون هناك ضغط شديد من داخل القواطع العلوية إلى طرف اللسان. هذا المثال هو أكثر من رمزي. فعند نُطق لفظ( الله) باللغة العربية  فإن هذا اللفظ سيلامس القلب.

سرعة الكتابة في اللغة العربية:

تمتلك اللغة العربية كل الايجابيات التي تجعل كتابة اللغة سريعة ومع إنها ليست لغة فنية ولكنها لغة حيوية للغاية. فيما يلي ثلاث فوائد رئيسية للكتابة باللغة العربية:

أولاً : إغفال حروف العلة. مثال: الكلمة الألمانية LAUFEN ستصبح  LFN بالعربية وسيكون المعنى هو نفسه إذا تم ترك ثلاثة أحرف باللغة العربية.

ثانياً: لا يمكن عادةً تمثيل الكلمات العربية في اللغة الألمانية إلا بجملة. على سبيل المثال: يتم التعبير عن جملة (كتب) بالألمانية ” Er hat geschrieben”” وباللغة العربية من خلال الحروف الساكنة الثلاثة (كتب).

ثالثًا: بفضل الخط المتصل الناشط يمكنك مرة أخرى تحقيق زيادة في السرعة لأنك لا تضطر إلى ضبط القلم على حرف في كل مرة.

يعد الخط العربي اليدوي بحد ذاته نصًا متحركًا وليس كتابًا مطبوعًا كما كانت الكتابات الأوروبية لعدة قرون. فهو خط ثابت وليس ذو زاويا، وتجري الكتابة العربية حتى في الأنماط المائلة للكتابة. وتُكتب بسرعات لا يمكن تصورها وبسرعة لا تنافسها فيها سوى لغة واحدة تُدعى (ستينوغرافي)، وهي لغة اصطناعية مُصممة للكتابة بأسرع مما تتحدث.

تعد سرعة اللغة العربية في كتابة النصوص المكتوبة بخط اليد سبباً أيضاً في  احتواء مكتبات قرطبة في الأندلس الإسلامية في ذلك الوقت على أكثر من 150 ألف ترجمة ومنشورات جديدة من جميع مجالات العلوم (الرياضيات ، الطب ، الفلسفة ، إلخ). كما كان القرآن المكتوب بخط اليد موجود في منزل كل أسرة تقريباً. وبالمقارنة فإن مكتبة الفاتيكان وهي أكبر مكتبة مسيحية في أوروبا ، لم يكن فيها سوى (ألف) مخطوطة مكتوبة بخط اليد.

كلمات اللغة العربية:

أود الإشارة إلى كلمات اللغة العربية واشتقاقاتها وعلاقاتها فيما بينها ومعانيها واستخداماتها كأسماء. وبالطبع اللغة أكثر من مجرد النظر إلى كلماتها. لكن كلمات اللغة العربية ذات معنى بطبيعتها لدرجة أنه لا يمكن ترجمتها إلى الألمانية إلا  بالجمل.

اللغات تخضع لتغييرات كبيرة على مر العصور وتخضع الكلمات للتغيرات في الكتابة والنطق والمعنى. خذ على سبيل المثال اللغة الألمانية. فمثلا شخص ألماني من القرون الوسطى لم يعد يفهم اللغة الألمانية المنطوقة والمكتوبة اليوم. وفي عصرنا نواجه صعوبة كبيرة أيضا في تفسير وفهم كلمات الماضي. وهنا يساعدنا مؤرخو اللغة في توفير المعرفة عن ذلك الوقت في القواميس اللغوية (قاموس الأصل أو المعنى) ، لكنهم يقفون عند حدود معينة. وعلى الرغم من أن علم أصول الكلام في ألمانيا يمكن أن يعود إلى الماضي على أساس بحث تقليدي طويل، إلا أن هناك كلمات غير واضحة تتعلق بالوقت ومكان المنشأ والمعنى والتي يضع عليها المرء علامات استفهام. وفي بعض الحالات يمكن أيضًا العثور على معلومات متناقضة في العديد من القواميس على كلمة رئيسية.

اللغات “القديمة” التي لا تزال تُدرس حتى الآن في المدارس والجامعات الألمانية هي بالأحرى ليست لغات حية  ولا يوجد من يتحدث بها في الوقت الحاضر. ويبدوا من الصعب  إن لم يكن مستحيلًا اكتشاف جذور اللغة بمعانيها الأساسية.

وهناك استثناء واحد لما قيل للتو: بسبب وجود كتاب القرآن الواضح والحيوي فإن كلمات اللغة العربية لا تتشابك مع الغموض وبالتالي لا تحتاج إلى أن تكون غامضة في التفاصيل العسيرة. إذ أن كلماتها واضحة ومميزة وقبل كل شيء يمكن تمييزها بوضوح عبر الأجيال.

وهناك خمس مزايا بهذا الصدد:

أولاً : اللغة العربية لم تتغير منذ 15 قرناً.

ثانياً : لا تزال اللغة العربية لغة عالمية محكية.

ثالثًا : يحتوي القرآن ، الذي لم يتغير منذ 1500 عام ، على كلمات ذات معنى.

رابعًا : كل كلمة عربية يمكن اختزالها إلى جذر يعطي معنى تقريبيًا.

خامسًا: كلمات الشعر العربي الجاهلي تسهم أيضًا في المعنى.

وهذا يعطي اللغويين العرب “أدوات” ممتازة في متناول اليد لتقديم معلومات بطريقة لا تأملية حول معاني كلمات مثل هذه اللغة القديمة.

مفاتح اللغة العربية.

كلما كانت هناك إمكانية لوصف البنية اللغوية المعقدة ببساطة كانت الفكرة وراءها أكثر جمالاً لأنك تفهم شيئًا ما وهذا أمر جميل. ولذا يسير الجمال والبساطة جنبًا إلى جنب ليس فقط في الرياضيات ولكن أيضًا في اللغة العربية.

التحدث أمر طبيعي ولذا يجب أن تكون اللغة مع قواعدها اللغوية هكذا أيضا. لكن التصريف وحده (تصريف الأفعال) باللغة الألمانية بالنسبة للمتعلم هو في بعض الأحيان لا يبدو طبيعياً.

حافظت اللغة العربية (اللغة الفُصحى) على الفطرية. وبدافع البساطة والوضوح ينبثق الجمال الذي يتوج طبيعية قواعد اللغة. ولأنه سهل للغاية فإنه بالكاد ملحوظ بالنسبة لأي شخص.

أن مفتاح اللغة العربية هو شيء رائع ومع ذلك يبقى مخفياً عن معظم الناس وأي شخص وجد هذا المفتاح وجد شيئاً ذو مغزى حقيقي وعن طريقه يفتح باب المعرفة.

لإيجاد لغة حية  تعتمد كلماتها (الأفعال ، والصفات ، والأسماء) على ثلاث أحرف ساكنة فريدة من نوعها ولكن هذا الثلاثي الساكن ( الجذر) الذي لا يمثل سوى فكرة ضبابية وغموض عن فكرة المعنى البدائي ومن ثم نجد مع هذا الجذر العديد من الكلمات التي تشكل عائلة كلمات كبيرة فريدة من نوعها. وكما هو الحال في الأسرة الحقيقية حيث يتم تحديد الانتماء من خلال النسب (الوالدين – الأطفال) وهكذا يتم تحديد عائلة الكلمات العربية من خلال العودة للجذر. وبغض النظر عن اختلاف أفراد الأسرة في المظهر والسلوك يمكن دائمًا العثور على قاسم مشترك واحد على الأقل. الأمر نفسه ينطبق على عائلة الكلمات العربية. يؤدي تحديد الارتباطات من أكثر الكلمات تنوعًا إلى فهم أعمق للأشياء المسماة.

أهم عنصر رياضي في اللغة العربية هو الجذر. يمكن اختزال معظم الكلمات العربية إلى ثلاثة أحرف (حروف ساكنة) أو بمعنى آخر تشكل الحروف الساكنة الثلاث أساس تكوين الكلمة. ويسمى هذا التسلسل الثلاثي الثابت أيضًا الجذر أو جذر قصير. وببساطة تتكون كل كلمة عربية تقريبًا من الجذر (3 حروف ساكنة) وحروف علة كمدخلات ومخرجات.

تمتد اللغة الألمانية إلى أصل الكلمة فقط وليس عميقاً  إلى الجذر كما في العربية. ولكن أود أن أوضح لكم نظام الجذر على أساس الكلمات الألمانية:

يجب إضافة حروف علة إلى الحروف الثلاثة الساكنة (الجذر) ((S T N لإنتاج كلمات ذات معنى. بعد النظر للحظة يكتشف المرء كلمات مثل (oSTeN, STeiN, SeiTeN  ) ويمكن استخلاص المزيد من هذا الصنف من الكلمات ولكن استخدام الكلمات بهذه الطريقة صعباً، كما أن الكلمات التي تم إنشاؤها بهذه الطريقة لها علاقة ببعضها البعض.

بينما في المثال أعلاه سنكون سعداء بإنتاج نصف درزن من الكلمات ، فإن المرء بإمكانه أن يحصد في اللغة العربية الكثير من الكلمات من جذر الكلمة العربية تتراوح بين 20 – 30 في الاستخدام اليومي العملي وأكثر من 200 كقيمة نظرية. فائض ثمين وهنا تكمن الإمكانات الكبيرة الخفية للغة العربية.

تقوم اللغة العربية بتشكيل جميع كلماتها وفق هذه الطريقة ( الجذر الثلاثي) ( بنسبة حوالي 90٪) وحوالي 10٪ تعتمد على الجذر الثنائي والرباعي. وإذا أراد المرء عموماً التحدث عن هكذا قاعدة في اللغة الألمانية ستكون قاعدة (أصل الكلمة).

مع الجذر العربي يمكن للمتعلمين أيضًا الاستمتاع بهذه اللغة. وبرأيي  اللغة العربية هي وسيلة تعليمية فعالة وإبداعية للغاية. لأني يجب أن أعرف فقط الجذر على شكل الحروف الساكنة الثلاثة مع محتوى المعنى التقريبي ثم يمكنني استخلاص الكثير من الكلمات منها.

اللغة العربية عالمية لدرجة أنك لا تحتاج للخوف من مقارنتها بعمليات الخلق الطبيعية. على غرار البذرة المزروعة في التربة السطحية الجيدة وتنتج شجرة صحية وثمار مفيدة فإن كلمة الجذر التي لا تتلقى سوى معلومات مختصرة على شكل ثلاث حروف ساكنة تجلب إلى المصفوفة كلمات معرفة وواضحة المعنى.

المعرفة:

لأكثر من ثمانية قرون كانت اللغة العربية هي اللغة العالمية. لقد كانت لغة المعرفة ليس فقط من الناحية الكمية كما هو الحال اليوم مع اللغة الإنجليزية وإنما بسبب تفوقها النوعي على وجه التحديد.

كان البيروني عالم عظيم في ذلك الوقت. وكان يتحدث باللغة فارسية. إلا أنه كتب مقالاته باللغة العربية وليس في لغته الأم. وكان شعاره حينها: ” الهجاء بالعربية أحب إليه من الثناء بالفارسية”.

منذ القرن الأول نشأت علاقة فريدة ومثمرة بين المدرسين والطلاب في المجتمع الإسلامي ، وبقي هذا الأمر غير مألوف في بلاد الغرب في العصور الوسطى وما بعدها. ولم يتعلم الطلاب من الكتب فحسب ، بل أيضاً من خلال تعليمات مباشرة من المعلم. مما سهل عملية التعلم وضمان المعرفة الموثوقة.

لم تكن دراسة العلوم امتيازًا لرجال الدين بل كانت مفتوحة لجميع الفئات المهنية. بينما كان شعار “المعرفة للجميع” مُستنكر في العصور الوسطى في أوروبا. والفيثاغورية ليست سوى مثال لكثير من الأمثلة. تعد العلاقة بين المعلم والطالب وهي نقل المعرفة من المعلم إلى طلابه إنجازًا رائعًا للعالم العربي الإسلامي. ومن ذلك الوقت لا تزال مصطلحات مثل أُستاذية وقاعة المحاضرات حية حتى اليوم.

وقد ألهم العدد الكبير من الكلمات الذي يمكن أن ينتج جذراً واحداً (3 حروف ساكنة) شعراء ذلك الوقت. وأصبحت رباعيات (قصائد من أربعة أسطر فقط) الشعر الشرقي لعمر الخيام ذات شهرة عالمية. كما الخليل بن أحمد الفراهيدي وهو عالم فقه متميز من جنوب شبه الجزيرة العربية. كتب أيضاً رباعيات في القرن السابع بجذر كلمة واحدة فقط. في المثال التالي يُقسم الفراهيدي المجتمع إلى 4 فئات من المعرفة  باستخدام جذر الكلمات:

من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك الأحمق فاجتنبوه

من لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك الجاهل فعلموه

من يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك الناسي فذكروه

ومن يدري أنه يدري، فذلك العالم فاسألوه.

عن تاريخ البنية اللغوية:

حتى في عصر ما قبل الإسلام (حوالي 500 بعد الميلاد) كان هناك بحث عن نجم في الشعر. حيث جرت مسابقة شعرية بالقرب من مكة. وقامت لجنة تحكيم من خبراء اللغة بتقييم القصائد المُلقاة. وأفضلها سُميت المعلقات وتمت كتابتها على قطع الأقمشة وتم تعليقها في الكعبة في مكة ليتمكن الجميع من قراءتها.

كتب الشاعر فولفغانغ غوته عن قصائد المعلقات: عند العرب نجد كنوز رائعة في قصائد المعلقات: من بين أشهر ممثلي الشعر الجاهلي  أمرؤ القيس وعنترة بن شداد العبسي وطرفة بن العبد والنابغة الذبياني. في الشعر العربي هناك 16 نمطًا إيقاعيًا تشكل (بحار الشعر). كل من هذه الأنماط لها اسمها الخاص الذي يحدد اتجاه النمط. ومثلما تتداخل موجات الماء وتهيج البحار فإن الأنماط الإيقاعية تترجم اللغة إلى بحر أدبي يثير الجمهور. ترمز (البحار) إلى الشعر العربي  في حين أن (الصاج) يرمز إلى النثر العربي. ما كان العرب يجيدونه فعلاً هو ثراء لغتهم. إذ أن العمل واللغة يندمجان كجزء من طبيعتهم وشخصيتهم.

كتب القاضي عياض ما يلي:

»العرب هم أسياد التعبير اللغوي. لقد كانوا يمتلكون بلاغة وأمثال لا يمتلكها أي شعب آخر. كانت حدة لسانهم تفوق كل شيء وهذه الحدة تخترق قلب المعنى. يكتبون قصائد لرفع أو حط قدر الناس. وعبر اللغة يستخدمون السحر المباح الذي يمكن أن يخدع العقل ويجعل الصعب يسيراً ويُنهي النزاعات القديمة ويُحيي الآثار الغابرة ويشجع الجبناء ويحل الشدائد ويصحح الأخطاء. «

وقد تم الحفاظ على الكثير من هذا التعبير اللغوي حتى يومنا هذا. على سبيل المثال  الأطفال الناطقين بالعربية (في سن ما قبل المدرسة) لديهم إجابة تلقائية على الأسئلة التي تذهل السائل لأن الإجابة لا تصاغ بشكل إبداعي فحسب بل تتوج عادةً بسؤال مضاد. تتيح لهم هذه القدرة التعامل مع العديد من المواقف لأنفسهم لأنهم قادرون على التحدث تلقائيًا.

وجاء القرآن الكريم  بأسلوب لغوي فريد من نوعه حتى يومنا هذا. إنه مزيج فريد من الشعر والنثر. إنه تشارك للعاطفة والمعلومات. وباستثناء القرآن لا يوجد لا في الشرق ولا في الغرب عمل أدبي حقق هذه المعجزة.

المعرفة تزيح الشعور. والشعور يكتفي بحدس المعرفة. فهما لا يتناسبان معًا إلا في القرآن. لذلك يُسمى القرآن أيضا بإعجاز القرآن. الطبيعة الرائعة للقرآن. الإعجاز “المستحيل”. يُعتبر القرآن أولا وقبل كل شيئاً سردياً وثانياً مستند. ومن أجل أن تتغلغل الكلمة المكتوبة من خلال العين في قلب القارئ وتصل الكلمة المنطوقة عبر الأذن إلى قلب المستمع صُمم هذا الجهاز بطريقة لفظية اعجازية رائعة.

لغة الشعر الجاهلي والقرآن هي لغة فُصحى. أتيحت الفرصة لفطاحل اللغة العربية  مثل الشعراء واللغويين في ذلك الوقت لإيجاد رد مناسب للتحدي اللغوي في القرآن. لكن القرآن كان “شوكة في عيونهم” وفعلوا كل ما في وسعهم لمبارزته ولكن مع كل جهودهم لم يجدوا خطأً واحداً في القرآن سواء كان نحويًا أو أسلوبيًا. كان من المفترض أن يكون الخطأ كافيًا للسخرية من القرآن ودحضه علنًا  لكنه هذا الأمر لم ينجح.

وحتى اليوم يحاول المرء دحض القرآن على المستوى اللغوي. لكن يجب على المرء أن يضع في اعتباره دائمًا أن خصوم القرآن آنذاك وخبراء الأعراف اللغوية بلغتهم الأم لم يتمكنوا من تحقيق ذلك.

منذ القرن السابع وحتى اليوم قام مئات من اللغويين المشهورين وطلابهم بنشر الآلاف من الكتب عن اللغة العربية الفُصحى ، والقواميس ، والكتب النحوية ، وكتب حول “علم الاشتقاق”  والكتب الصوتية وغيرها الكثير. ومنذ منتصف القرن التاسع وما بعده  كان هناك توجه معلوماتي عصري في المعجم العربي والذي ما زلنا نستفيد منه حتى اليوم. ولأول مرة تمت تسمية معيار إضافي لغوي كدافع لاختيار الكلمات في القواميس وهو “سهولة المستخدم”.

مع كل الإنجازات اللغوية العظيمة لعلماء اللغة العربية يجب دائمًا مراعاة شيئاً واحداً: إن القرآن الذي لا يزال يستخدم حتى اليوم من قبل علماء اللغة ورغم أنه لم يتغير على مدار 1500 عام  لكن اللغويين العرب كشفوا مرارا وتكرارا جوانب أخرى من القرآن. ومن المهم ملاحظة أن القرآن لا يرتكز على قواعد اللغة العربية وإنما قواعد اللغة العربية ترتكز على القرآن. وهكذا القواعد النحوية العربية تدور حول القرآن والشعر الجاهلي الذي ما زال في عقول الناس ولكن لم يتم كتابته بعد.

في أوائل القرن السابع  كانت سيبويه أول من قام بتدوين قواعد اللغة العربية وفي نفس القرن قام خليل بن أحمد الفراهيدي بنشر القاموس الأول ( كتاب العين). كما معجم كبير مكون من 18 مجلدًا يعود للقرن الحادي عشر من تأليف ابن منظور يُسمى “لسان العرب”. وبالمقارنة فإن قاموس DUDEN الألماني جاء بعد 800 سنة من صدور معجم لسان العرب وبعد 1100 سنة من كتاب العين.

غالبًا ما تُنتقد اللغة العربية بسبب صلابتها وتمسكها بعدد ثابت من الكلمات وعدم “تزينها” بالكلمات المقترضة أو المستعارة. لكن هذا خطأ وإشارة إلى جهل كبير عن هذه اللغة. العربية ليست لغة جامدة. على العكس من ذلك وإنما لديها إمكانية كبيرة للكلمات المتوفرة في أي وقت. وهذا ما يجعلها مثال متميز للديناميكية. فهي تقدم لو صح التعبير من ذاتها أسماء مجموعة متنوعة وغنية من الكلمات تتجاوز حدود الملايين بكثير. وبالتالي فإن هذه اللغة لا تعتمد على الكلمات الأجنبية على عكس معظم اللغات الأخرى التي تهتم بالأجسام الغريبة، حيث إنها لا تتوافق مطلقًا مع أي نموذج آخر للكلمات.

في الواقع  كنت أرغب التأكيد في أطروحتي الأولية التي تفيد بأن اللغة العربية لا تتقادم ولا تتجدد وإنها صالحة ليس فقط لفترة زمنية محددة وإنما أيضًا لطوال الوقت. إنها تحفظ الماضي وتثري الحاضر ولا تزال لديها ما يكفي من الكلمات المتبقية للمستقبل ، إن شاء الله.


ملاحظة: هذه الترجمة هي أجزاء مهمة من بحث مطول للباحث Fran Morcinek ولذا تمت ترجمة الأشياء المفيدة منه بتصرف وبشكل مختصر.

المصدر

Franz Morcinek · Reise durch die arabische Sprache

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: