للذّكرى… رجاء بن عمّار

img

سهام عقيل
ممثّلة وكاتبة مسرحية

للذّكرى… رجاء بن عمّار

في حضرة الذاكرة ..ذاكرة “رجاء بن عمار” ثم أصدقائي القتلة.
ما يؤرقني في اللغة غير صرامتها ونسقها النحوي واللغوي ،حدّة الزمن وما تفرضه عليك من تقبّل لفعل النهاية والهاوية ،وهو ما ينبغي أن أكتب به هذا النص ..زمن الماضي فتلزمني اللغة باستعمال فعل الماضي لتخبرني بأن رجاء بن عمار قد ماتت أو ربما غادرت إلى مكان أكثر رحابة وأقل ضجيجا.
لقد مرت ثلاث سنوات منذ افترقنا أو منذ فارقتنا ،أتحدث بصيغة الجمع لأني من بين من ولدتنا من جديد ،من رحمك الإبداعي.
أكتب لك هذا النص رغم الخوف منك ومن هيبة اللحظة وجزعا من الذكرى.
لا تحبين الكلمات الجميلة ولاتحبين القبل ولا التحية ولا الوداع لذلك رفضت اخبارنا بلحظة النهاية لا أعرف إن كنت خائفة علينا من وهن الصدمة والفاجعة أو شيء آخر لا نعلمه إلا حين نغادر مثلك.
أشعر بإرتعاشة طفيفة بين أصابعي وأنا أكتب لك هذه الحروف لكني سأتمالك أضلعي لأني أريد أن أتحدث من خلال روحك الحاضرة إلى أصدقائي. لقد غبت عني كثيرا وكلما اشتقت إليك وأحسست بضرورة وجدودك أحس بشيء مبهم وأجوف ..نعم لقد نجحت في أن لا أجد من يكون مثلك في تلك اللحظة فأهيم على وجهي وأخبر نفسي بما ووددت إخبارك به ثم أعود أقل وطأة وأكثر حزنا لغيابك.
لن أخبرك طبعا بما حدث ولا أريد أن أتحدث عن نفسي أو عن أصدقائي الذين تقاسموا الحب والوله لذاتك الشامخة إن سمحت مساحة اللغة الفقيرة لتوصيفك سيدتي..
أنت ترفضين دائما توصيفك بالسيدة أو المعلمة وتعتبري روحك المشارفة للكمال بأنك صديقة مثلنا..أنا أقولها لست صديقة ولست أمّا لنا…أنت شجرة في هذه الأرض المقفرة أثمرت فجأة بطاقة مدوية تستمد القوة والشجاعة والحب والرهبة والتواضع والولادة والعمل والأوطان والزنابق والصباحات والتراب لنعود إليه صحبتك وربما برفقتك ليكون أقل وطأة علينا من الحزن.
تعود لي الإرتعاشة مرة أخرى وأنا أريد كتابتك لأنك ترفضين التأبين والوداع ،لكنني لست بصدد هذا ..أنا أريد أن أقول كل شيء عنك وأريد أن أخبرك أنني لم أستطع إلى حد هذه اللحظة تصديق وضعية الجسد على الأرض “جسدك وما حمله من أسرار السكينة على الأرض لحظة موتك” لم نستأنس فيك هذه الوضعية المسجاة على الأرض لكن ربما حملت الأرض وحدها كل هذا العبء …ثقل الأرض من ثقل رجاء بن عمار.
عندما خضت تجربة المعهد العالي للفن المسرحي كنت ضمن الأساطير التي حاكها كل من مرّ بطريق ذلك المعبد الجميل لولا المتهرطقين وزبانية الحلم وظلال الريح.
حين قمت بإكتشاف أسطورتك كنت للوهلة الأولى شيئا من الإنسان الخارق ..امرأة في كامل بهائها وجمالها الأخاذ تستأنس الفعل المسرحي كفعل إنساني –فعل وجود داخل تفاصيل المسرح أي كيف يمكن للفن المسرحي أن يكون فن وجود: القهوة ،السجائر،الصراخ،الحب،الغيرة،الهوس،الفضاء ثم كل الفن والجمال.
فضاء مدار يعكس فطنتك للوجود في تفاصيله المرهفة والدقيقة مثلنا أي مثل ما زرعته فينا بأن لا نقايض في الهواء والفن. صعب إيجاد هذا التوازن القاسي بين دقة تفاصيل الحياة والذاكرة.
سيدتي المذهلة…

طالما لم نفك رباط التوحش مع هذا الزمن الموبوء لازلت مثلما اشتهيت بنفس القسوة وأكثر مع هذا الجسد كتركيبة فنية أولا وتشكلا للوجود ثانيا ومتنفسا للجمال أخيرا بكثير من الهفوات المؤرقة والعفوية.
أريد أن تسمح لي اللغة بالمرور إلى الحديث عن أصدقائي القتلة ،صانعي الخلق المنتظر ومشيدي الخيال المبدع الجميل.
يمر بنا الوباء سيدتي المذهلة بعد أن مرّ بنا الكثير من اللحظات القاسية وغير اللائقة بشجننا.
أريد أن أخبر أصدقائي ورفقتي من خلال وهلتك الأولى الشامخة –العالية- الشاهقة بأن ما يحدث لي ولهم ليس إلا لحظة هدوء ليست مستكينة ولا جارحة.
نحن أبطال هذه المحنة ونحن لوحدنا من منحتنا الدليل للموت المشتهى وفق معايير الطاقة الهادئة لا لنهادن حركة التاريخ بل لجعلها اللعبة الأخيرة لآخر مهرج فينا يعبث بنار الخرافة ودقة النهاية.
أنا أحبك ..وأحب أصدقائي القتلة لأنهم أول من قتلوا الوهم ومروا على رفاته دون أدنى إحساس بذنب.
سأخبرهم دائما بفطنة التواضع للأرض لأنك أجبت لحظة النهاية بالسكينة التي بثت الوجع والإرتعاشة داخل أبجديات اللغة …ربما اخطأت في الكتابة واللغة والحروف …ربما كان من الأحرى أن أكون على أهبة الإستعداد لفعل أن أكون أو لا أكون على المسرح خارج العتمة فتشتعل الأضواء لنقول ما يجب أن نكونه على المسرح…بأنك سيدة الضوء والميتافيزيقا..

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: