ربع ساعة لتسوية حساباتكم العاطفية، و بقية الحصة للدرس ! أنور حامد

img

اشتغلت في حقل التدريس على مدى سبعة عشر عاما، منهم سنتان فقط في العالم العربي الذي لم يحتملني فترة أطول.عملت في مدرسة خاصة مختلطة، لكن الصفوف مفصولة في المرحلة الثانوية. كنت أعمل “مرسال حب” بين الطلاب و الطالبات، أنقل رسائلهم بين القسمين. ثم كان لا بد أن نفترق قبل انكشاف أمري. عدت إلى بودابست وعملت في مدرسة ثانوية لمدة سنتين.
قالت لي المديرة حين سلمتني أحد صفوف الثانوية العامة لأكون مسؤولا عن إعداده لامتحان اللغة الإنجليزية:
– أستاذ أنور، هذا صف مشاغب ميؤوس منه، لا تشغل نفسك بهم، أعط الدرس و لا تقلق، سيرسبون جميعا.
قلت في نفسي:
– إذا كان هذا هو الحال فلماذا أضيع وقتي أصلا ؟ بل سأتآمر معهم و نتحدى غباءها.
دخلت الصف، وجدت الشباب والصبايا مشتبكين في عناق و قبل. لم يلتفتوا لدخولي. لم أنبس بكلمة. توجهت إلى الطاولة ، لا الكرسي، و جلست فوقها، مقابلهم. لم يكترثوا، استمروا في طقوسهم. بقيت أنظر إليهم في صمت. بعد دقائق بدأوا ينظرون إلي بفضول بين قبلتين، ثم يتابعون.
و أنا لم أكف عن الصمت، و هم تابعوا شؤونهم، لكن أصبحت نظراتهم الفضولية تزيد. أخيرا ساد صمت غريب. كانت أول كلمات تفوهت بها:
– مرحبا ، أنا مدرس الانجليزي الجديد. المديرة قالت لي أنكم صف فاشل و سترسبون، و أنا غير مقتنع بكلامها. أنتم فقط بحاجة لربع ساعة في بداية كل حصة لتسوية حساباتكم العاطفية، فهل هذا صحيح؟ .
ضحكوا.
قلت:
– هل نثبت معا للمديرة أنها مخطئة؟ أنا مستعد لمنحكم ربع الساعة الأولى للقبل و ما شابه، فهل تكونون تحت تصرفي بعدها؟
نظروا لبعضهم، ضحكوا ، ثم قالوا: نعم !
قلت:
– اذن اتفقنا. لكم ربع الساعة الأولى من الحصة و لي ما تبقى، ومن يخل بالاتفاق بدي **** ، منيح ؟
ضجوا بالضحك، و قد أعجبتهم الشتيمة السافلة و أحسوا أنني أنتمي لعالمهم.
سأختصر القصة، تابعنا البرنامج حسب الاتفاق، و في نهاية السنة نجحوا جميعا، و بعضهم بعلامات عالية. جاءت المديرة و قالت لي:
– أستاذ أنور انت مدرس عظيم.
رددت عليها:
-و أنت مديرة فاشلة! وقدمت استقالتي.
بعد إعلان النتائج كنت في شقتي في إحدى الأمسيات، إذا بي أسمع جلبة تحت الشقة، صوت عزف موسيقي وغناء. نظرت من النافذة، كانوا هم. طلاب صفي. يعزفون الجيتار ويغنون . دعوتهم للصعود قبل ان يحتج الجيران على الجلبة، فتحنا زجاجات شمبانيا و احتفلنا حتى الفجر…..،

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.