راحة نوم – رغد شياح

img
قصّة 0 Slim oussama

كنا شبابا في أوائل العشرينات .. الطفولة معجونة بصبانا و الحب ينقر بدقات خفيفة خجولة بأنمله على أبواب قلوبنا ؛ ليقف في وجهه الكبرياء و الكثير من الخوف و الحياء محاولا طرده بالانشغال بالحياة الجامعية فلا يوجد الكثير من الأشياء لتفعلها خاصة في الغربة ، هناك الجامعة و الأصدقاء و بعض المعارف غير المحبوبين إلى حد ما و المشي بعزلة مع الأفكار و الذكريات في شوارع خالية سوى من بعض المارة المنهكين و الأضواء المرتجفة و السيارات المتعبة .. واها كم تشغلك الذكريات ! كم تنشلك الذاكرة من حاضرك قاذفة إياك في الماضي ! و كم تتسلى الغربة بك تراك متفرغا فتستفرد بك في عقر وحدة قلبك ، و من يداوي سيد الجوارح إن مرض ! نعم قد يداوي حظ جميل يجلب لك صحبة صالحة تشدك من سقوطك في هاوية لا قرار لها و أنا كنت من المحظوظين .. فكنت مقيمة مع مجموعة ليست بصغيرة من الطالبات الجامعيات في سكن خاص و على رغم اختلافاتنا كنا مشتركات في صفة واحدة .. أننا جميعا مغتربات و نحصن أنفسنا من نهش وحش الغربة لنا بضحكاتنا و قصصنا اللامفيدة و طبخاتنا سيئة المذاق .. نعم كنا ناجحات في معظم مواد الكلية و لكننا راسبات و بجدارة في المطبخ ! و رغم ذلك كنا نأكل الأكلة المحروقة وسط سيل من السخرية ممن قامت بطبخها ..
و على هذا الحال بقينا إلى أن توافدت إلينا _ إلى الأردن _ جموع النازحين من سوريا بعد اندلاع حرب بشعة هناك .. صار لدينا في البيوت المكتظة بأكثر من عائلة مهجرة أو على الحدود في المخيمات أناس يشاطروننا ألم الغربة .. و لكننا لا نحمل بضع وجعهم و خيبتهم ، لأن هجرتك من وطنك بإرادتك سالما لا تتساوى في كفة الميزان مع من خرج من بيته خوفا من انهيار سقفه فوق رأس أطفاله .. و تناثرت العائلات هنا و هناك و ندبات الحرب تتجلى دائما على أعين الصغار و تهدج صوت الكبار ، و قد يكون الخير ضعيفا أحيانا و لكنه ليس معدوما دائما .. و لذا على الفور تكاتفت جموع القوى الإنسانية في المنطقة و خلق أكثر من فريق تطوعي هدفه الأول مساعدة العائلات المهجرة سواء كانت في المخيمات أم في بيوت الأحياء الفقيرة ذات الإيجار الرخيص الذي يسده القروش القليلة التي في جيوب المهجرين .. لم نقف بدورنا مكتوفي الأيدي _ نحن فتيات السكن _ أمام إنجازات الفرق التطوعية فسريعا اخترنا فريقا لانضمامنا الجماعي إليه .. و لقد كسرت كثرة المآسي و الدموع التي رأيناها حاجز الرهبة لدينا و صارت نظرة العجز في الأعين عادية ! حالات المرض و العاهات المستديمة المخلفة من الحرب حظيت بالأولوية من الاهتمام و من ثم الأيتام .. و في يوم أذكره جيدا تم اختيارنا و صديقتي زينب و زميلنا عمار للخروج و الكشف عن عدة بيوت زودنا بأرقامهم و عناوينهم إضافة إلى مؤنة كافية من الأكل و الفرش و السجاد و المخدات ..و ياغضب الله الذي نزل على زينب حينما علمن الفتيات أن عمار سيرافقنا في رحلتنا الصغيرة .. حيث أن المسكين كان قد ابتلي في خيالنا بتهمة إعجابه بزينب على الرغم من استحالة ذلك .. فقد كان عمار من الشباب الملتزم أما زينب فكانت من أولاء اللواتي يسمع ضحكهن جارنا السابع و أولاده النائمون!
صارا هذان المتناقضان أبطالا لرواية رومنسية ستروى لأولادهم لا محالة ، الموضوع يحتاج إلى وقت فقط !
و ابتدأت الرحلة .. كانت البيوت المتعين زيارتها متجاورة في منطقة جبلية ، تسلقنا وعورتها مع سائق طيب كانت رحلة محض عادية تخلو من أي نوع من أنواع الإثارة .. و من أي رسالة ربانية تشير لك أنك خلقت قضاء هذه الحاجة لهذه العائلة ! تريح بهذه الإشارة ضميرك الصارخ من ألمه من كل بشاعة هذه الحرب المعروضة على مرأى العالم في الشوارع و شاشات التلفاز و المستعصية على الحل و الانتهاء .. و لا أقول أنها عائلات ميسورة بل فقيرة و جدا و في أشد الحاجة لكثير من الاحتياجات الأساسية و لكنها و لله الحمد خالية من الأمراض الجسدية و النفسية المعقدة ، و بدوري كمسؤولة في تلك الرحلة كنت أقضي حوائج كل عائلة بمساعدة زينب و عمار و أدون متطلباتهم و نمضي إلى العائلة التالية و هكذا .. و عند آخر زيارة لآخر بيت في الكشف كتب متطلبات سكانه و سمعنا شكواهم بعد السؤال عن أحوالهم و من ثم خرجنا نحن الثلاثة إلى السيارة لننقل بعض المؤنة و الملابس و الفرش .. و في طريقنا للسيارة قال لي عمار : ما رأيك أن نعطيهم المخدات التي معنا .. رفضت بدون تفكير ! لا يوجد بيت خال من المخدات حتى لو كانت قديمة ، أحسست أن اقتراحه ترف زائد تحتاجه عائلة أكثر فقرا .. جادلني بإصرار قائلا : هذا آخر بيت و لا داعي للرجوع بالمخدات ،علهم يستفيدون أو يفيدون بها غيرهم ! أقتنعتني حجته و نقلنا ما شاءت يد الخير لنا بالنقل .. و آخر ما نقلته شخصيا بيدي هو المخدات ، و عندما دلفت باب الدار شهقت ربته عندما رأت المخدات في يدي شهقة جعلت إشارة تعجب كبيرة ترسم فوق رأسي و كان عمار و زينب يقفان وراءي و قالت السيدة : انتظري قليلا يا ابنتي .. و أسرعت إلى الغرفة و خرجت تحمل قماشة مهترءة محشوة بحشو غير منتظم و قالت و دمعة مكتومة في عينها و بسمة تكبح ارتجاف صوتها : لقد تألم الأطفال من نومهم بلا مخدات.. فحشوت لهم هذه الخرق بثيابهم القديمة ليناموا عليها ! لقد منحتم أطفال راحة رقابهم و عمق نومهم .. و أمسكت بطرف القماشة و أسقطت ما بها فنزل على الأرض فعلا قمصان ممزقة ! تلك المخدة التي خلتها ترفا تحرم بانعدامها عائلة كاملة من راحة النوم ، و تجعل موعد قدومه موعد عذاب مرير ..
ودعنا السيدة مع دعوات طيبة منها على المخدات و غيرهم .. و أغلق باب المنزل و يد زينب تشد على يدي و هي تقول : إياك أن تبكي ! كان وجهي أحمر و عيناي غارقتين في الدمع .. شعرت بالذنب المضاعف من نومي على مخدة من ريش و هناك من لا يملكون المأوى حتى! و استخففت بكل الأوجاع أمام وجع الحرمان من لذة أبسط احتياجاتنا .. النوم !
و لم يجعلني أستفيق من دوامة الأفكار و أتراجع عن حافة البكاء إلا عندما سمعت حمحمة عمار فنظرنا له أنا و زينب بطرف أعيننا .. فوضع يده على ذقنه و حركها إلى الأعلى باتجاه أذنه مشيرا لزينب لتستر شعرها الهارب من طرف الحجاب .. و أعطانا ظهره مسرعا نحو السيارة ..

منطقة المرفقات

Facebook Comments

الكاتب Slim oussama

Slim oussama

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.