د .عمر بن بوجليدة: في الحب والموت والثورة

img

 في الحب والموت والثورة

 

بقلم :د .عمر بن بوجليدة

    تتلهف في روعتها مهج النفوس، يحار في بهائها طرف البصير، مسكونة بقلق مرهف. لو أدركوا خفاياها ومسارب العشق وثنايا الحب فيها، لعلموا عن لذة القراءة و لقرؤوا كلّ ما انكتب، وانحفر في الذاكرة. وشما وعلامات إبداع،  وتلك مسرّة لا تضاهى. ولأفلحوا آنئذ في التعاطي مع الواقع و “المايحدث”، وتلك ذكرى بعيدة وسراب خلب في صحراء اليأس.

 بيان مشرق  من لطيف القول  رائع  قوامه السخرية والتلاعب بكل شيء .

 ذلك بالضبط هو ما ينتابك وأنت تتصفح “سيّد الحنين”[1] لـ المبدعة “عائشة القلاّلي”[2]، وهي تحاول في كل مرة أن تزيل عن العالم انبهامه، وتعريه باعتباره غموضا، وتهاجم وتزدري يقينيات تسلبنا الحق في العشق والخيانة ما دامت “الخيانة وجهة نظر”[3] (37).

  تقاوم وتذكر أن المرء لا يعرف إلا ما هو قادر على أن يحبّ، فلا سعادة دون تضامن مع “الرجل” الآثم  وقد أبهجها تلاشيه وسقوطه الشفاف وقرأت “في صمته الندم والخجل”(ص43)، وهو ما حقق مبتغاي بظن ظننته يختار عنت الحيرة على دفء الإجابة الكلاسيكية،”فقد تدرّبت على التجاوز بما يكفي لأغفر” و شد أزري لمسعاي نحو مساءلة دائمة للواقع عن دور “المرأة” في تبادل المواقع، إذ “أدركت حينها أنه أصغر من أن يعيش دوني”(ص44) إنها محاولة للتمرد على الموروث وعصيان المألوف فـ “حواء” لم تعد الكائن الضعيف ” وأني أكبر من أن أهجره”(ص44).

 هأنتذا تعايش شخوصا يقصر فهمك عن بلوغ نعتها ( ناظم/ ظافر/ ناصر) حيران لا تهتدي لصواب، ولا يضنيك إرهاق ولا مناورة لفظ، مخلوقات تستعصي على الاقتلاع  تبحث عن موطئ قدم في “شارع الشوارع / الشارع الكبير” و التاريخ والحب والعشق.

 لحظتذاك ستدرك أنها إنما  كانت إضافة جميلة إلى عالم الإبداع  هائمة على وجهها  بلا ملاذ،  متأبطة همومها مكدودة القلب مثقلا بالعذاب “”كفسيفساء جروحي في قلبي الصغير”، مغايرة قادرة على الانتماء إلى مساحة من ذاتها تقع خارجه. اخترعت بهاء كونها القصصي/ الشعري من ليالي العشاق المحبين ووشوشات “الصعاليك” و”الأوغاد” الخارجون عن السبل المسطورة، والعالم المليء بالعشاق المشردين.

لقد تبين أنها تعاني من شوق أبدي نحو المطلق والحرية والمعنى، وهو ما لا يتحقق إلا بواسطة الفن والشوق والموسيقى والشعر والشهوة … ما يجعلها دائمة الفرح “فتبتسم ابتسامة هادئة وتلمع عيناها عشقا”(ص 52) .

 إنها مظاهر جميلة تنتزعنا من اليأس والبؤس والعدم والقنوط، إنها ما في مستواه تتبدد أنوار العقل، فهي تقع فيما أبعد من العقل  فيما وراء العقل. إنها تأويلية تضفي على الأشياء والأحداث معنى يتجدد بتدفق الحياة وتنوع المواقف، في مسالكها يفقد العقل صرامته وتتخلخل مسلماته وتهتز مطلقاته وتفقد يقينياته تماسكها.

هي ذي القدرة على التعاطي الخلاق مع “نص الواقع” والغوص في ثنايا “الما يقال” ونسجه خيالا. هو ذا العمق، يشكل علامة مائزة عن مآلات تلك “المغامرات”، وعينها على قضايانا وانطلاقا من حكايا ومسرود شعبي ومخزون ذاكرة كان لها بمثابة البوصلة التي تعدل الحماقات وبعض من جنون الحب والموت والثورة.

غوص حنيني وتبصر موحش في قاع الذاكرة يجلي مشاهد مذهلة  بشدة فريدة يخيل إليك في مستواها أن نور روحك قد انطفأ. تجاهد نفسها لقول نفسها. يتخفف من ثقل قلبه القلق ووطأة الأيام عليه  وفي عمق ثنايا الحزن والبؤس واليأس  تتسع دوائر الحب والأمل والشهامة والكرم  يتجلى لك “محمد الطفل” الذي كانه  يحمل ثقل العالم على كاهله  مدهش متدفق في عواطفه  به نبل لا ينضب  يكاد يخفيه  كلما حاول أن يغالب ما في قلبه  ازداد قلبه اتقادا  ممتلئا بنفسه امتلاء  قرر أن يصنع قدره بنفسه مرددا : لا معنى لعلوّك. إذا كنت واقفا على جبل من الدناءة  فالجميع اقتنصوا الفرص الصغيرة والحقيرة  إلاه  قاوم الامتثال والخضوع  فأثبت له أحبابه في قلوبهم موضعا.

ولأن في آذانهم وقرّ ولأن أفقهم قد ضاق ولأنهم سيؤون  عاندوا “الحق”وخالفوا الإنسانية  فلن يتمثلوا القلق الذي طاول قاع النفس والفكروالماضي “الغاصّ بالأوجاع”  لن يستوعبوا صفاء اللحظة  وعبء ما كان ثقيلا عليك  مريرا كئيبا حالذاك  والجرح الذي لن يبرأ والندبة الدائمة في قلبك  من فرط فراغ صبرهم  فأقصص عليهم القصص ، فقد كنت فيها مذهلة  وأحكي لهم  بعض الانعطافات ومخبّأت “الدهور” ابتسامات سعيدة  وعلّميهم ألا يقنطوا مهما بلغ الأمر من سوء.                                                                 يشقيها الحنين  بطيئا ثقيلا  تلح عليها الذكرى  ومازالت تمني النفس بحضورها تشعل فيها نار الشوق  ولوعة الظمأ  وأيّ ألم  وكان الفضاء مضيئا بضوء ينير السبيل  وضاءة الوجه  : حبيبته أشرق وجهها بعذوبة ترد الروح  أنصت إليها تعلمه وتهدهده  فأستمعت إليها ودمع عينيّها يفيض،  فما أقدرك.

قلبه في قبضة الحزن يعتصره والآمال منزرعة في نفسه لا تفارقه مبهوتا وكأنه الانبعاث في مبتدئ الزمان  حكايات مدهشة استطاعت من خلالها أن يجعل تجربته نصا مستساغا  وذا تأثير مبين.

كتب على العشاق والمحبين، المجتثثّين من أحلامهم والمنخلعين عن رغباتهم  أن يكدحوا  يملؤهم الشعور بالخيبة  يتعذبون ببؤس باد  ولكنهم لا يملكون من الأمر شيئا، دواخلهم مقفرة مهجورة يلفها الصمت من ثقل وضيق  ويتجلى الحزن في “أهازيجهم”. وتلك كانت واحدة من التجارب التي لا تزال تنتظر مؤرّخيها. وقد تكون “اشاراتك” الفريدة ارهاصات لتفسيرات سوسيولوجية تعنى بتلك الوقائع اليومية وتأثيراتها النفسية الكارثية .


 

[1] عائشة القلاّلي ، سيّد الحنين – قصص –  ، منشورات سوتيميديا ، تونس ، الطبعة الأولى ، مارس 2017 .

[2] باحثة في العلوم الموسيقية / حاصلة على الدكتوراه في العلوم الثقافية، اختصاص الموسيقى والعلوم الموسيقية ، مدرّسة بالمعهد العالي للموسيقى بتونس  ،

[3] المقتبسات هي من “سيّد الحنين”

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.