د. عمر بن بوجليدة:الفن ينازل الدغمائية والتعصب

img
 د. عمر بن بوجليدة:الفن ينازل الدغمائية والتعصب

بالفن نقاوم “المحتشدات”، الشر، التوحش والعنف المذهل والكابوسي، فالفن يجعلك ترى ما انحجب وتُؤمن بما انطمس كما يؤشر كتاب “الفن والمقدس” لـ”أم الزين بن شيخة المسكيني”، إنه لحظة إدهاش أولى، ينازل التعصب والدغمائية في حسرة ماتعة وبهجة سارة وفقا لإلماعات باهرة.
ذلك أن “جماعات النكوص الاجتماعي” لا يستطيعون أن يبدلوا شيئا، فأسلوبهم لا يمكن أن يكون إلا جافا آليا ميكانيكيا، ويا للهول يعتقدونه العادل: والأقرب إلى الرب – الإله، والذي يرجع إلى نص ديني بعيد … والعالم برمته في أذهانهم إنما يتحرك بطريقة سبحانية، غيبية، لاهوتية … وما عدى ذلك فبدع وخرافات ومهاوي فكر ومزالق رأي، وتخييل وتجهيل وتأويل. وليست العواطف عندهم إلا ابتكارا من ابتداع الشعراء، لا يقدرون استيعاب معانيها وإدراك دقائقها ببصيرة تكاد تلمع بوارقها وراء الأفق وفي السماء وفي أنفسهم … وهم لا يفقهون.
وفي تقديري ما الفنانون الكبار في الأغلب إلا أناس توغلوا في عالم الوهم الجميل والأخيلة البديعة وعادوا ليَرووا “القصص” عما رأوا … ولأن تلك “السور” التي تُتلى تتشامخ فوق مدن البشر يصر “الفنان” على أن الله بخاصة والمقدس بعامة ينتمي إلى ممالك حلم الحالمين. من جهة ما هو في كل مرة إعادة تأثيث لعالم أضاع عمقه وافتقد الحنان. فهل بعد هذا مازال بالإمكان الحديث عن التعارض العرضي والسطحي بين حرية الإبداع وقداسة الإتباع (را، تحرير المحسوس ص 283 ) ولو شئت فقل : هل مازال من الممكن رفع الشعار التمويهي ألاستئصالي البارد والغليظ : المسّ بالمقدسات ؟
وهذا المقتضى يقتضي منا مرة أخرى الإنصات إلى سؤال “المسكيني” يلتفت إلى “ابن رشد”، فهل عاد ابن رشد من المنفى؟” (را، الهجرة إلى الإنسانية ) فـ”ابن رشد” هو من “تجرأ أن يفكّر في أفق دولة الملة بواسطة العقل البشري كما التقطه من نصوص أرسطو” (را، المسكيني ص 13 ).
سيما وأن كتاب “الفن والمقدس” يرحل بنا في الزمن الجميل زمن الآلهة إنما في أحضان الفن ولدت. ولكن أيضا يجعلنا نعود منهكين مقلقين إلى أراضي الأسئلة المحرجة فنرتطم بواقع مرير: هل مازال بإمكان “المتفلسف” أن يتحدث عن الجميل في عصر الرقمنة والعسكرة والتكنولوجيا أم هو حضوره الطاغي الذي يجعلنا لا نراه ؟ ولقد “نفي ابن رشد مرتين: نفي في حياته من طرف سلطة الملّة التي انصتت إلى الفقهاء في الحكم على حقيقته ثم نفي بعد موته من طرف سلطة الآخر اللاهوتي لتلك الملّة، عندما حصرته في مجرد مهمة الشارح الكبير وحاربت أي استعمال فلسفي في فهم ماهية الدين المسيحي” ( را، المسكيني ص13 ).

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: