ديوان المواجع(1) – حسن المسلّمي

img

الكاتب: حسن المسلّمي

لا ادري كم بقيت من وقت وانا اتسرب في مسام وخلايا العكري..فاعادتني الى تلك الفترة التي شكلت روحي ووجداني وعقلي ورسمت ملامح وجودي،بكل تشوهاتها واخاديدها التي تحولت الى معين لا ينضب في مسيرة حياتي بكل تعرجاتها وانكساراتها..افراحها المختلسة واحلامها المجهضة..في دواءر لولبية كتيارات المياه المتدفقة وهي تجذب الى اعماقها يرقات البلاد وقد امتطت صهوة الغامق الكحلي..افقت بعد ان ازالوا حرارتي بحقنة في العرق..وجدت زوجتي متسمرة بقطع الثلج وهي تضعها على كامل جسدي الملتهب…اين العكري؟لقد بقيت ملتصقة بك لاكثر من ساعتين..وانت تهذي وتقص حكايا انفرجت لها اساريرها واخرى تعرقت حد اصابتها بالدوارمع احتقان وجهها وتصلب كل عظلةمن جسدها المنهك..غادرت مع الاولاد لترتاح قليلا وتتناول دواءها..بدات مثانتي تؤلمني..انتفخ شيءي وعلته حمرة عجيبة..بدات الاوجاع تعصرني..خاصة عندما اريد ان اتبول..تضع زوجتي القارورة في عنق شيءي.. لا استطيع ان اخرج الا قطرات مشوبة ببعض الاحمرار..ازدادت الاوجاع وتصلبت مثانتي وانتفخت..بدات اصرخ واصيح..اتى الطبيب المناوب..عرى الغطاء المعفر بالادوية وبقاياالدماء..وبدا يتلمس عنق شيءي ..سأل لماذا لم يضعوا لك دليل التبول..لقد اصبت بتعفن وتقيح ولا بد.من ازالته اولا ثم اخذ بعض المظادات ضد الالتهابات..ساخرج الاوساخ وبقايا تخثر الدماء بيدي..ليس هناك حل اخر..اصبر وتحمل..مؤلم وموجع. لا خيار لدينا امام هذا التعفن الذي قد يعم كامل الجسد..انني مسمر يا دكتور كعامود.كهرباء مرمي بعد عاصفة هوجاء..ثم تدعوني للتحمل والصبر..ماذا اتحمل الام الجسد المنشطر الى نصفين..لهيب الدواء وهو يتسرب كمارد في احشاءي..فيحيلها خيوطا من دخان رماد.محروق…رد الطبيب بشيء من القرف..لاخيار امامي..هيا من فضلك ..لاوقت لي…تنحى جانبا ولا تلتفت. باصابعه بدأ يضغط على شيءي وخاصة في عنقه يفتح ثقبه ويبدا في عصره ساكبا محلولا على كامل المثانة..عمليات العصر تحولت الى اسلاك كهرباءية تهزني كأسياخ من نارفي كامل جسدي..اصيح واعوي.ككلب مسعور..ترتج كل اركان الغرفة..اه يا الاهي..انني احترق..زوجتي تمسح شلالات العرق. رفيقي في الغرفة نزل على جذعي الايسرفسمرني كاحد لاعبي الجيدو..حاولت ان استعيد وجبات التعذيب في عديد الروايات التي قراتها..الشرق المتوسط..لمنيف،الوشم لمجيد الربيعي،السجن لنبيل سليمان،كريستال لجلبارالنقاش،الكرنك لنجيب محفوظ،الاقدام العارية للحزب الشيوعي المصري وهو يصلى بنار جلاوزة السلطة التقدمية..كل تلك الايادي المتشحة بالتعذيب والموت انبعثت في لحظات فاجرة قاتلة..كيف يتحول الجسد الى طبق شهي يصلى ويفتت ويسلخ..حد.مطالبته باطلاق رصاصة الرحمة ليتخلص من هذا العار…عار امتهان وانسحاق العظام والخلايا والعروق بين الة دولاب رعب لا يرحم..هل كان المومياء. ذلك الكاءن الغراءبي المنبعث من رواءح الماضي السحيق بنظارته السوداء يتلهى على صرخات واهات معارضي المجاهد الاكبر وهم يتناولون وجبات التعذيب والاسلاك المشدودة في عصي خيزرانية وهي تعصر وتفتت خصيتي او قضيب احد الذين صرخوا..وينو الاستقلال يا دم الفلاقة..كان المومياء في كرسيه الهزاز. والسيقار بين اصابعه المتخشبة يستنمي في احدى غرف تلك الجثة العطنة الداكنة المزروعة في قلب مدينة تونس تخنق انفاس اشجارالشارع الطويل وزقزقات عصافير باب بحر وهي تشدو حزينة جريحة…بين الخدر والنعاس والصحو. ياتيني صوت الطبيب..لقد انتهينا واوقفنا عمليةالتعفن ..لو تواصلت لاودت بك الى مرض جرثومي خطير قد يعكر حالتك اكثر..بمظاد حيوي..ستتحسن حالتك. وتنام قليلا. بصوتي المتقطع والخارج من غياهب الوجود بكل قسوته وفظاعته..شكرا دكتور..وضعواالامصال والادوية والمظادات في يدي اليمنى..وانصرفوا. تركت كخرقة مبللة بالعرق والبول وبراز اندفع كمارد تحت ضغط الاوجاع وتصلب شرايين الجسد. احسست بالعار والمهانة وزوجتي المسكينة تزيل الشراشف والاغطيةلتعوضها باخرى نظيفة. ترميها على اسفلت الغرفة المتسخة والقذرة الباعثة على القرف والتقىء والدوار..اغمض عيني..لاتجنب نظرات زوجتي المرهقة والحزينة..انظر الى اعلى سقف جحر المشفى يطل حيوات وسلاطين ونجوم ونياشين..اصيح وجه الافعى..وجه الافعى..انه يتسرب في كل حصى و ذرة تراب وومضة شمس وخيط فجر وبسمة طفل وضحكة عاشق..اصيح في وجهه ..امد لساني لاغيضه لكنه يرمقني بعينيه الكلبيتين…يبتسم بمكر ولؤم ويتغطى بخيوط الليل الزاحفة وينسحب محدثا فحيحا موجعا في الاجساد والارواح…يتبع
اولاد مسلم…الساعة. بين الخدر والصحو…

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.