دينامكية الفردي والجماعي في الممارسات المسرحية

img
  • دينامكية الفردي والجماعي في الممارسات المسرحية :
  • بقلم : يحي اليعقوبي

الدينامكية “اسم مؤنث منسوب إلى ديناميكا: حركة دينامكية، مصدر صناعي من ديناميكيَ: حركة ونشاط وحيوية.”

إن لكل تجربة مسرحية دينامكية أو ما يعبر عنه بمجموعة من الأنساق الحية الفعالة المليئة بقوة تعبير المقول والحركي أي بمعنى آخر أن العرض المسرحي هو ميكانيزم تفاعلي بامتياز بين مختلف مكوناته، ولعل أبرزها الممثل والمجموعة .

فمع التجليات الأولى للمسرح الإغريقي كنا نتحدث عن ثنائية ينبني عليها العرض المسرحي ألا وهي الممثل والجوقة, هذه الثنائية في علاقة تفاعلية بامتياز تقوم على الأخذ والرد، التواصل الحسي والمرئي المشهدي، إذ المجموعة – الجوقة – تكمل دور الممثل بتعبيرها عن مقاصد مقوله من خلال الرقص أو تنشد قصائد شعرية تعبر عن حالته والمأساة التي يلعبها.ومن هنا يمكن أن نتحدث عن ديناميكية مخصوصة للممثل في علاقته بالجوقة التي سينصهر فيها شيئا فشيئا ليصبح جزءا من الكل لا يتجزأ منها يحمل نفس هدفها و يعبر عن طرح مسرحي مشترك بين عناصرها. فتصبح هذه الجماعة متصلة روحيا ومتحدة حسيا وجسديا فتغدوا خلاقة.فإذا كان أصل المسرح تلك الطقوس والاحتفالات القديمة عند الإغريق فإن هذا الجوق المتحد ينحدر من نفس الأصول أي من أشكال التجمعات التلقائية الموجودة طبيعيا وفطريا في الإنسان ويذهب خالد امين في كتابه الفن المسرحي واسطورة الاصل  “إن المسرح هو شكل من الاحتفال الجماعي يستفيد من تعدد المواهب في مجموعة من الأفراد الذي يجمعهم حب واحد للاحتفال المسرحي.”

إن الجماعي فعل متأصل في التجارب المسرحية المعاصرة التي حاولت الانفتاح على المفاهيم الأصلية في المسرح من خلال إعادة التعرف على عمق وجوهر هذا الفن باعتباره تجليالروح الجماعة التي تندمج مع الحالات الاجتماعية للبشر إذ هو فطري متجذر في الإنسانية بحكم حاجتهم للآخر تواصلا أو صراعا من أجل البقاء. من هنا نشأت تجارب مسرحية تنفتح على الجماعي باعتباره نموذجا للمشترك الذي يؤرق الذات البشرية ويجمعها مع خبرات ذواتية أخرى مختلفة“جوهر الممارسة المسرحية الذي يشكل خصوصيتها وتفردها هو الحضور الجماعي الطوعي في المكان والزمان،في الآن وهنا للمشاركة في لعبته.”وعليه فإن التفاعلية التي تحكم التطبيقات المسرحية هي أساس العلاقة القائمة بين الذات والجماعة في حالة من العرض المسرحية إذ يمكن أن تتجلى هذه العلاقة في انتماء وانحدار من نفس المحيط الاجتماعي أو اختلاف مؤدٍّ لصراع يطوق إلى الاعتراف بالمنزلة الوجودية للفرد من خلال المجموعة التي تتبادل الخبرات الذاتية فيما بينها بهدف إنشاء حقل دلالي أو تكوين معنى لهذا اللقاء الذي يرافق التجارب المسرحية, ففتح المجال أمام هذه التفاعلية هو بمثابة بحث في إمكانية إنشاء هوية تعرف الممارسة الإبداعية وتعطيها معنى من خلال انتمائها وأصولها وهدفها المرجو والممكن في المكان والزمان المعلوم. فالجماعة تبني آنية الفرد وتعطيه هوية اجتماعية ثقافية بحكم العلاقات المادية القائم بين البشر كذلك الممثل الذي يمكن تعريفه والتعرف عليه من خلال تمثلات هويته الاجتماعية الثقافية التي تصنفه في خانته الجماعية التي ينحدر منها والتي يسعى المسرح على التكشف عليها والحفر في دلالاتها وجعلها أساس الممارسة المسرحية.

ولعل الكيان الإبداعي الذي تسعى التجارب المسرحية إلى التوصل إليه هو مبنيّ على أرضية الأنماط الذاتية الفطرية في الإنسان في جماعته و فرديته الاجتماعية التي تتوفر على جوانب مخفية سعى المسرح إلى التعرف على خباياها وقد تكون مادية متصلة بالمرجعيات الأنثروبولوجية لهذا الكائن أو ميتافيزيقية تؤرق وجدان ونفسية الإنسان وتدفع إلى التعبير عن هذه الدواخل في حالة جماعية تبرز دينامكية العمق المأساوي للإنسان في جماعيته وهذا ما يصل في النهاية إلى الشكل المسرحي التي أفرزته البيئة والوجدان من خلال دوافع وحوافز وجودية طبيعية فطرية متأصلة في عمق نفوس البشر، وفي هذا الإطار يقول مارتن هايدغر:“الفن إظهار للحقيقة،بحث شيء،جلبه بواسطة الوثبة المتدفقة من جوهر الأصل إلى الوجود” .

وهنا يمكن القول بأن الممارسة المسرحية في نسقها المتعلق بالحقل الدلالي هي تعبير عن الحس الجماعي في دائرة الجزء الذي يطوق إلى الكل من خلال التشريع المبني على الشمولية في الإنجاز والتقنين في إطار الفن المسرحي في الحاجة إلى الآخر التي تطورت في ظل التغيرات العالمية في مجالات شتى ومنه فان استدعاء دينامكية الفردي والجماعي من أصل الفن المسرحي هدفها إعادة التأسيس للعلاقات القائمات والميكانيزمات التي تكون العمل المسرحي في علاقته بالآخر المختلف من جمهور أفراد ينحدرون من نفس الانتماء أو مختلفين على شاكلة جماعات التي تنحدر من تقاطع هوي بين الحقل المسرحي والحقل الطقسي حتى لا نقول منشأ من رحم الطقس للمسرح من خلال التعبيرات العفوية التي أسست لهذا الفن من خلال شيفراتها الخاصة المبنية على الروحي المتجذر في هوية البشر والتي وجبت الإشارة إليه وإعادة التعرف عليه وتعريفه في علاقة بالآن وهنا“حيث أن المسرح كان دائما على طول تاريخه أكثر الفنون عامة التصاقا بالمجتمع  فهو نشاط جماعي في مرحلة الإعداد التنفيذ ونشاط جماعي أيضا في مرحلة التلقي”

فللممثل كما هو معلوم في الدراسات الأنثروبولوجية المسرحية بعد أساسي يسمى بالهوية الاجتماعية الثقافية والتي تحدد أنساق علاقته القائمة مع المجموعة والتي تؤكد في حد ذاتها جماعية الفرد الإنسان الطامح لبلوغ درجة الممثل. إن هذا السوسيوثقافي في الممثل يشكل طاقة حسية نابعة من عمق هذه الهوية التي تعتبرها أنثروبولوجيا المسرح هوية طبيعية متجذرة في الممثل في علاقته بالجماعة التي ينتمي إليها فمسار التجربة المسرحية في بعدها البحثي يمرّ عبر اكتشاف هذه الهوية في بعدها الاجتماعي وهي الأطر، الممنوعات، القوانين، العلاقات وبعدها الثقافي أي النواحي الجينية التي تربطنا بالمجموعة، ويمكن التصريح هنا بأن الممارسة المسرحية تستمد شرعيتها وأنساقها التفاعلية الحية من محاولة التكشف ورصد هذه الأسس والتعرف عليها من أجل استخلاص مبادئ تطبيقات عمل الممثل“استخدم العديد من الممثلين، في أماكن وأزمنة مختلفة، كل حسب المبادئ العديدة الموجودة في تراثه، وفي بلده، بعض المبادئ التي كانت متشابهة بينهم أيضا،إن تقصي هذه المبادئ – التي – يعاد تكرارها هي أول مهمات أنثروبولوجية المسرح”

ومن هذا فإن الممثل في علاقة بهاته المبادئ فإن يتوفر على عمق مفعم بهاته الترسبات المختلفة لأشكال الهوية يلامسها وينطلق منها باعتبارها متعلقة بشكل أساسي مع حياته وانتمائه والتي يستمد منها روابط الفعل الروحي الذي تكون أسسه طاقية تعود إلى تلك التفاعلات التي تشكلت عبر الفطرة والعفوية بين الجماعة التي ينتمي إليها الممثل ومهمة المسرح حسب يوجينيو باربا هي دراسة قواعد السلوك الجماعي التي تؤرق الذات الجماعية في حالة من اللحظات التعبيرية وهو ما يعطي معنى جماعيا للممثل على قاعدة الفعل النقي الأصلي الخالي من الشوائب والمتتمات التي تعيق عمله انطلاقا من جدلية المختلف والمشترك في البعد الإنساني وهو مسار إنشائي إبداعي ينطلق من خصوصية الذات و فرادة تجاربها الفردية نحو أفق إنساني مشترك يعني المعنى والقيمة للحضور الجماعي في هوية الممارسة الإبداعية، هذا الجماعي الذي يعطي معنى لعمل الممثل المنتمي الفاعل من خلال مرجعياته التي تعطيه هوية داخل الممارسة الإبداعية  من خلال خلق بيئة بحثية تدور في حقلها عملية إنشاء العرض المسرحي من خلال إعادة التأسيس لمنظومة الفرجة من خلال الأصول والجذور المسرحية من خلال التشكيل الرمزي الديناميكي الذي يقوم على إنشائية الأنساق المتفاعلة في الزمان والمكان المعلوم وبين الثنائيات المتقابلة التي تنحدر من الواقع الإنساني والمعلقة بالمنزلة الوجودية للكائن البشري من خلال محيطه البيئي الاجتماعي الثقافي والطبيعي.ولعل الفعل المسرحي المراد تحقيقه يكون عبر التكشف عن الطبيعي في هذا الفعل اليومي التي تبرز في حالة مرفوقة بالمحيط والتربية الاجتماعية التي يترعرع فيها النشاط الإنساني اليومي العادي.ومن هنا جاء دور أنثروبولوجيا المسرح التي اشتغلت على دراسة سلوك الإنسان في محيطه وفي مجال انتمائه الذي يظل مرجعا للفعل المسرحي الذي يقوم به الفرد في جماعيته المرتبطة بالفعل التعبيري لحالة الممثل ماقبل العرض المسرحي التي من خلالها يمكن التكشف على المعاني الجذابة في روح ثقافته واجتماعيته التي تجعل منه كائنا مليئا بالرمز والترميز، الطاقة التي تنحدر من أنماطه المتوارثة المنغرسة في شخصيته كعنصر أساسي للأسلوب والتكنيك المسرحي “إن أنثروبولوجيا المسرح هي دراسة السلوك المشهدي (المسرحي) لما قبل التعبير préespressivo الذي يوجد كأساس لمختلف الأجناس والأساليب والأدوار للتقاليد الشخصية والجماعية.”فالفرد هنا هو تراكم للتراث المشهدي الذي يتجذر فيه عبر الممارسات اليومية والحياة الطبيعية للبشر داخل حقل اجتماعيته فسلوكه في بوتقة العرض المسرحي هو بمثابة مرجعيات متفاعلة لمرجعياته التراثية التي تساهم في التكشف على شخصيته التي تمثل خاصيته من خلال وجدانيته وأحاسيسه الفعالة التي تكشف لنا عن ذاتيته  الاجتماعية الثقافية التي تكون في حد ذاتها،وهنا نكتشف ديالكتيك التمثل القديم لواقع الإنسان في التاريخ الماضي والحاضر الذي بدوره يجذبنا نحو إعادة النظر من خلال تلك الجدلية التراتبية المنجرة عن إعادة التمثل والنظر الهادف إلى التكشف على التطبيقات الجديدة التي تؤرق المسرح باعتباره فعل منجر عن دراسة السلوك القائم من خلال تلك الجدلية وهذا ما يدعو إلى إعادة البناء والتأسيس للهيكل المتكون من القديم مع نظرة جديدة مستلهمة من الواقع الحالي فبناء الواقع الماضي لا يمر إلاّ عبر التكشف على دينامكية الفعل التراثي القديم في إبداع التمثلات الجديدة للفن. السؤال هنا الذي يندرج في إطار علاقة الفرد بالتجربة المسرحية يتبلور في مدى خلق مجال تفاعل أساسي بين الجسم الحي الإنساني والجسم المسرحي–الذوات المختلفة، الفرد، الإنسان– ومدى انتماء هذا المسرح إلى الأصول المختلفة التي ينحدر منها، وهنا نذهب إلى أن المشروع العام لهاته التجربة هو إعادة صياغة الأصل في الممارسة المسرحية من خلال دراسة علاقة الفرد بالمجموعة في جدلية الثابت والمتغير في التجربة المسرحية. ولعل ذلك ما يحيل إلى المتعلق بذات الفرد منذ الولادة من تفاعلات مع المحيط الذي يغرس في هذا الفرد مبادئ جماعية تتعلق بالانتماء للطبيعة التي تمنح الشرعية للإنسان للتحول من حالة الكيان الجامدة داخل الطبيعة إلى فاعل حي في حالة من العرض المسرحي،فيمكن القول بأن هذه الطبيعة هي الهوية الحقيقية التي تبرهن جماعية الفرد في العرض المسرحي من حيث علاقته بالثقافي الاجتماعي فيه عن طريق الجماعة التي تعتبر معطى ثابتا في جدلية أزلية مع الطبيعة التي ولدت شعور الانتماء في هذه الجماعات التي تعرف بعضها البعض من خلال مجموع الروابط الروحية والفكرية والاجتماعية في حقل من الدينامكية التي يخلقها اللقاء المباشر والغير مباشر بين الطبيعة والمحيط والبشر“فالفرد هو نتاج تفاعل بين إرثه الطبيعي ووسطه الثقافي حيث تنشئته, فكل منا يصبح ثمرة السياقات الثقافية التي يتعرف فيها على ذاته”.

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: