دورها معايا ”  تجربة تستحق الثناء – محمد عطية 

img

دورها معايا ”  تجربة تستحق الثناء – محمد عطية 

 

ان أهم نقطة في حياتك هي اللحظة التي تقرر فيها مغادرة منطقة راحتك و البدء في اكتشاف العالم من حولك , انها لحظة فارقة عندما تدرك أن المكان الذي تشعر فيه بالراحة هو المكان الذي سيتسبب بموتك , هو المكان الذي تموت فيه أحلامك و قدراتك و يقلل شغفك بالحياة .

بعد قراءة هذا المقال لن تفكر في شيء سوى جمع أغراضك و التخطيط رفقة الأصدقاء للتخييم في عطلة نهاية الأسبوع المقبلة , انطلاقا من مقولة لغاندي ” كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم من حولك ” و تحت شعار ” دورها معايا ” عاش ثلاثة من الشباب تجربة بسيطة في ظاهرها و عظيمة في جوهرها , رحلة دامت 6 أيام انطلاقا من سوسة نحو معتمدية بني مطير فعين درهم ثم منطقة واد الزين بولاية جندوبة و كانت وجهتهم الأخيرة باجة زاروا بها وشتاتة و المقاصب , ست أيام حملة في طياتها الكثير من الأوقات الصعبة تارة و السعيدة تارة أخرى لكن الروح لم تكن لترضى التوقف عند أول المصاعب فانتهت هذه التجربة و عاد ثلاثتهم ليحكوا لنا قصة من أجمل القصص التي سمعتها لما فيها من دروس و معن استخلصوها من هذه التجربة المثيرة .

البعد الأول لهذه التجربة هي أنها تعلمك أن تهب الأشياء البسيطة التي تمتلكها في حياتك أهمية لأنك حقا لا تعلم كيف ستبدوا الحياة بدونها , و ما أعنيه هو أبسط الأشياء حنفية الماء , السقف الذي فوقك , فراشك الدافئ و غيرها من الأشياء التي اعتدنا وجودها و لم نتخيل يوما أننا سنفقدها لذلك فنحن لا نعلم كيف تكون الحياة بدونها كما أنك ستتعلم كيف تصنع كل شئ من اللاشئ لأن الحاجة هي الأم الاختراع .

ما يجعل تجربة بسيطة كهذه تستحق هذا المقال هو البعد الفكري و الاجتماعي الذي وهبته لمن عاشوها , واحدة من القصص التي قصها عليا هؤلاء الشباب حدثت معهم في يومهم الأول بمعتمدية بني مطير عندما قام بايصالهم سائق سيارة أجر فهم من الحديث المتوتر الذي كان يدور بينهم أنهم لم يتمكنوا من تأمين قوتهم تلك الليلة و رغم عدم معرفته بهم عاد لهم بعد 5 ساعات للمكان الذي يخيمون به ليقدم لهم العشاء , مثل هذه المواقف تكررت بشكل مستمر ففي كل مرة كانوا يجدون أشخاص لا يعرفون عنهم شئ يقدمون لهم يد العون و لطالما ابتسم في وجههم سكان القرى و المناطق التي زاروها بدون سبب و رحبوا بهم بينهم ببشاشة , القيم و المبادئ التي مازلت حية لدى سكان القرى الريفية و المناطق الداخلية على عكس مجتمع الحضر الذي فقد اليوم قيم كهذه فالجميع يرى الحياة سباق و عليهم الركض طوال اليوم لدفاع عن مصالحهم , يفكرون باستمرار في كسب المال متناسين أن أشياء بسيطة كمساعدة الغير بدون سبب هي من أسرار السعادة و نجاة المجتمع من الغرق في بحر الجمود الأخلاقي , أما المجتمع الريفي رغم كل المصاعب المادية و الطبيعية التي تعيشها هذه المناطق باستمرار لم يفقدوا قيم التشارك و الكرم كما رسخت لديهم ثقافة حب الأرض و الحفاظ على المحيط لنكتشف أن مجتمعات الحضر هي في جوهرها أقرب الى الجاهلية منها اللى التحضر و أن كل ما نراه بيننا من علامات التحضر ليست سوى شكلا بدون مضمون .

ان مناطق كواد الزين و المقاصب قد تمثل مخرج للأزمة السياحية التي تعيشها البلاد أولا  لغياب عقلية استغلال السائح التي تسبب النفور و ثانيا فهي على عكس المناطق الساحلية التي تستثمر بها الدولة الكثير من الأموال و فشلت في جعل القطاع السياحي قطاع حيوي طوال السنوات الماضية اظافة الى  أن بعض المناطق الداخلية تتوفر بها كل المواصفات التي تجعلها مؤهلة لتنافس في خارطة السياحة العالمية خاصة مع اشتداد المنافسة خاصة من دول مجاورة كالمغرب ، و في وضع كهذا لم تعرف مثل هذه المناطق سوى التهميش و اللامبلاة من طرف السلطة على مر السنوات .

هناك مثل افريقي يقول ” أن ترى لمرة واحدة أكثر قيمة من أن تسمع مئات المرات ” و أنا أقول أن ترى لمرة واحدة أكثر قيمة من أن تقرأ مئات المرة ,هناك الكثير من الأماكن التي تنتظرنا

 

 

 

 

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: