دستويفسكي بين صعوبات القراءة وتجلياتها

img
 دستويفسكى بين صعوبات القراءة وتجلياتها
عبدالرحمن الخليفة،السودان .
ىرغم الكم الهائل من القراءات والدراسات التى ناقشت أعمال الأديب العالمى الكبير دستويفسكى ، يظل ذلك المحتوى الأدبى الذي خلفه فريدا وبحاجة متزايدة لإستكشافه ، وتعود تلك الحاجة لأن دستويفسكى إستطاع أن يقدم الحياة البشرية خلال رواياته ، بشمولها وتداخلها ، إنسجامها وتناقضها . ولاشك أن كل قراءة مهما كان عمقها تظل خاضعة لإطار ما يقيد االعقل ويحول دون الوصول إلى تجلياتها الفكريةة والشعورية الكامنة خلف ظلال الكلمات .. فإننا جميعا قراء ومهتمين ودارسين نقرأ بدافع أن نجد شىء حتى لو كان فى لاوعينا ، أو لنهرب من رؤية أو لنؤكدها ، وثمة ماهو أخطر من ذلك ، فماايختزنه العقل من هذا الكم الهائل الذىى تقدمه الوسائط المختلفة وما تروجه البيئات المحيطة بنا ، ليصير مطلق فى واقعنا ، يقزم رؤانا أمام الأبعاد الإنسانية الشاملة والخالصة فى إنسانيتها والمستقلة بها التى كرس هذا الروائى العبقرى أدواته المعرفية واللغوية لتناولها . هذه حقا أكبر المصاعب التى تواجه قارىء من معاصرينا لدستويفسكى ، وهو مبعثر بين هذا التشظىى بما يملك من بنية معقدة فى عالم مادى محض صار صلبا كجدار يعزلنا عن كلية وعينا بالحياة . إن الوصول لمبتغى أى فكرة مجردة مهما كانت بسيطة تستدعى تواصل عقلى قادر على الإتصال بوعى مغاير أو آخر ، فإذا كانت تلك الفكررة صادرة عن عقل مبدع ومشبعة بكل ذلك الحس الإنفعالى والتفاعلى العاطفى نتيجة تقلبات النفس البشرية ومحاولتها اليائسة لإخضاع معنى الوجود وإفراغه على رغباتها وطموحها دون أن تسترشد برابط حقيقى لفرديتها بصيرورة عامة هى معطى متراكم من التجارب الطويلة لبنى جنسنا ، عندها يصبح الأمر مأساة صادمة وإن حاولت إحتقار المصائر المنطوية عليها ، والتى يمكن أن توصف بتمرد الإنسان على معطياته الذاتية لأنها تمثل عائقا أمام أحد أو كل خياراته المرئية . يمكن أن يكون كل هذا نوقش وأكثر فى التجربة الأدبية الروائية الغنية جدا لدوستيفسكى بل للأدباء الروس بصفة عامة وقد ميزوا أدبهم بتلك النزعة الإنسانية المستكشفة والصادقة لجوهر النفس البشرية . لكن لفدستويفسكى بعدا خرف إشارته التاريخية والدينية والسياسية ، وأكاد أجزم أن ليس هناك عمل له يخلو من إشارات بليغة عن وقائع تاريخيةة وجهت مسار التجربة البشرية وغوضت دعائمها الآمنة من الصدق … الإخلاص .. الخ فى إمتدادها الروحى والقيمى ، وهذا أمر طبيعى لكاتب أمكنه إنجاز ذلك التحليل المميز للنفس البشرية وقد وجد نفسه فى فترة تاريخية حاسمة وهائلة التغيير الذى توفرت له أدوات جدمة يبدو للأسف جلها كان موجها لمزيد من تسلط الإنسان على ذاته والطبيعة من حوله وصياغة تراتبية جديدة بعد عصر الصناعة والإستعمار . ثم المادية المطلقة التى إن كان لها شىء يحمد فسيكون بلا منازع أنها لم تتح تكرار مثل هذا العقل والنفس بشموخهما الذى يمثله دستويفسكى زعيم الأدب الروسى العالمى ، وهو إن كان حالة فريدة فإن عصره ضم أدباء مميزين على مستوى العالم مثل فيكتو هوغو وبول بوجيه وغيرهم ، وكأنهم مثلوا آخر طاقة إبداعية مستمدة من عوالم جمالية .. فكرية ووجدانية لم تجود بمثلها الآفاق المرتبطة بالفردية والنخبوية التى تدشنت مع نهاية القرن التاسع عشر وسادت حتى تمردت عليها عبقريات أخر وثارت على جمودها وعبرت عن كينونة الإنسان وإرتباطاته ودوافعه الأسمى
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.