خواطر حول كتاب ” غواية أخرى ” للكاتبة عائشة المؤدب

img

    ” اخلع نعليك وأنصت.. سترى .. ”

خواطر حول كتاب ” غواية أخرى ”

للكاتبة عائشة المؤدب

بقلم : أحمد بن إبراهيم  

 

 

… صدر هذا الكتاب في شكل – أقاصيص – بتاريخ 2016 في طبعة جيدة عن دار المنتدى للثقافة والإعلام

تمهّد الكاتبة برأي تقول فيه :

” الشعر حالة طارئة على اللغة، تُفقدها صوابها وتقترب بها من حالة اللاوعي. هل الحكاية سبب كاف لتعود إلى رشدها؟ لكن مهلا ! متى كانت اللغة سجينة في كلمة؟ ! ”

تستهل الكاتبة \ الشاعرة ” عائشة المؤدب « كتابها بنص ( ص 7 ) بعنوان  ” وصايا قبل عبور المضيق ”  نأخذ منه مقتطفا، تقول :

” أيها المارُّ من مضيق النص، ترفّق. اخلع نعليكَ. تحسس تُربتي بقدمين حافيتين. سر عليها وأنصت. ترفق وأنتَ تطأ العتبة الأولى حافيا. وأنتَ تطأ العتبة الأخرى تحيطك اللغة بكمائن من مجاز. ”

نحن أمام مضيق النص كما قالت. وعملا بوصيتها سنطرق تربته وقد رمينا وراءنا بأحكامنا المسبقة. الأكيد أن السير فوق تربتها – هذه التجربة – ليس معناه استسهال للذات الكاتبة أو تقزيمها. بل نحن في حقل مختلف. كل ما يؤثثه يدعو إلى الحيطة والتريث والتثبت. لسنا من المستعمرين الجدد الذين يحلّلون ويحرّمون حسب أذواقهم وعلاقاتهم -وأغلبها ملغمة بالوقاحة- بل نحن نحاول أن نكتشف هذا الحقل الإبداعي الجديد الوامض بروح السلام والمسالمة.  نحاول من خلال الإبداع أن نكتشف مضيق هذا الحقل الجديد الذي تعرضه الكاتبة وتدعونا لفك شفرته وتذوّق لذّته.

“الكاتبة /الشاعرة ” عائشة المؤدب في هذا الكتاب – المأساة \ الملهاة – لم تتهيب المغامرة. بل طرقتها بعنف. لامست الحكاية وعرضت مواقفها من الواقع في “راديكالية” لا تشوبها سخرية. من جهة أخرى، سمحت لنفسها بالدوس على القوالب الجاهزة وتكسيرها. وكذلك فعلت مع الجنس، جنس هذا النص الذي نحن بصدده، لا نقول هو جنس ” لقيط ” لا، بل جنس سردي توفرت فيه كل عناصر القصة القصيرة، القصة الإطارية وقد عملت على تعدد الأصوات – وربما هناك صدى لأصوات أخرى (تناص) –  حضرت الخاطرة والقصة القصيرة جدا والغلبة للشعر المنثور وإن جاء – حسب رأينا –  في بعض المواقع القليلة غامضا بعض الشيء. أن تعتمد الشعر في سياق سردي – حكائي – هو غواية أخرى  وليس شذوذا.

فالعنوان – غواية أخرى – ليس عنوانا عاديا.. بل هو صورة جديدة تشي بالمعرفة والجرأة. فالغوايات كثيرة ومتنوعة. ولكن همّ كاتبتنا هو أن تنتج الجديد خاصة على مستوى تشكيل الصورة الشعرية. فعائشة المؤدب هي شاعرة بالأساس وناقدة.

 الرَّجلُ : غوَى ، ضلَّ وانقاد للهوى تمادى في غَوَايته..”

سنحاول الوقوف ما أمكن على مشارف بعض النصوص ونلتقط بعض الصور لنقرّب الصورة إلى القارئ.

بداية نص ” أرملة الوقت ” ( ص 9 ) تقول :

” قبل الشروع في رصف نهار جديد. كانت كل صباح تُراقب الكلمات وهي تقفز من فنجان القهوة كغربان جائعة. تعارك شاعرها المنفي في دمها حول مصروفها العاطفي الزهيد.. ”

ترتقي العبارة من خلال البلاغة وتحلّق بحركة الجُمل فتكون صورا ذات دلالات عدّة. ويكون حظنا وافرا نحن القرّاء فنتسابق لفهمها وإعادة كتابتها في أذهاننا لنخلق صورا جديدة من وحيها.

يشي هذا المقطع في ظاهره بعلاقة الرجل بالمرأة. ولكن في عمقه نرى حالة التوتر التي تحاصر الذات المنشئة – الشاعرة –  والتي مرّرت الكلمة إلى تلكم الكلمات المسجونة في القهوة داخل الفنجان وهي تقفز تريد الخروج للحياة – المرسل والمرسل إليه –  إنها حوارية تضمن المشهدية التي عملت الكاتبة على إحضارها وطرحها لتكون عملية الاستنطاق متكاملة أي أن يشارك القارئ في ثأثيث النص. هذه الكلمات هي أحلام الذات المنشئة – الشاعرة – وما تحتويه من سلبي وايجابي. كذلك هو البوح بصوت خافت ومسموع هو الاحتجاج على ضيق الحياة. لو عدنا إلى تيمة هذا النص سنقف عند هذا المشغل وستتجلى العناصر الرافضة لحرية الشاعرة \ المرأة في مجتمع رجالي. وهذا ما يبرز قوة عنصر الزمان ومدى حضوره كسماء واجب على – الشاعرة – أن تخترقها. أن تصنع لنفسها مكانا لتحلق فيها.  لقد أتقنت الكاتبة في اللعب بعنصر الزمان حتى بدا عنصرا خطيرا  مترصدا الحال من بعيد يومئ بما زرع فيه من تعاليم من طرف الرجل. تقول :

”  قبل الشروع في رصف نهار جديد ”

يعني أن تخلق الإمكانية التي ستستعين بها في رسم مسار يومك ( تحليقك ) كان لابدّ من ذاك الطقس السحري ” ترقب الكلمات وهي تقفز من فنجان القهوة كغربان جائعة ”  أن تروض الكلمة. أن تحدّد رقصتها حسب إحساسك أن تحمل هذه الكلمة مشرع حياتك. أن تهدهدها والزمن يمرّ . أن  تحاول تجريدها من – التغريب –  وتنعشها وتجسدها في (هدهد) مثلا سيكون عاملا لأسطرة النص لابدّ  “للذات المنشئة” لهذه الكلمات – الشاعرة – أن تجد لها حلا لتصير مملوءة  بالدلالة ولم لا بالرموز لتجد مشروعية حياتها هذه هي الغاية ما دامت الكلمة هي ترجمان مشاعر الذات الشاعرة.

في هذا المقطع المكثف لا يفوتنا أن نشير إلى عنصر المكان – الداخل \ الخارج- وكيف تعددت الأطر المكانية وكانت ضيّقة. والضيق من دلالاته الخوف. فجمالية العمل السردي ليس في تسويق الأفكار العميقة ولو في” إنشائية جافة ” بل في خلق الشعرية المناسبة للفكرة. وبما أننا نحاور بعض علامات النص

نص  ” زوربا يرقص على إيقاع نشيدنا الوطني “( ص 25 )

تقول ” أبرياء من وردة تفتّحت على وجه الإسفلت.

أبرياء تماما من صوت يقطع الألم

ويمزج ريق الحمام بقطرة فرح

أبرياء حتى النخاع من فرحة طفل يتوضأ كل صباح بالجوع ورائحة أم تأرجحت في الذاكرة..

تقول في خاتمة هذا النص ” .. كم هم أبرياء مناّ..  وكم نحن متهمون بهم”

ها نحن نرى الوطن يكابد عرجه ويرقص. يضع ذراعا على كتف زوربا ويرقص. وبذراعه الأخرى يلكز وجوهنا لنرقص معا على إيقاع نشيده الرسمي ”

هذا النص… هذا الهمّ.  هو صرخة في وجه ( الكهنة الجُدد ) أن تتكلّم الكاتبة وتشير إلى خطورة رؤيتهم للحياة. أن نرى الدنس يأكل أطراف الوطن، في الحقيقة يجب أن نتحمّل مسؤولياتنا، أن نحارب الانحراف، أن نرقص رقصتنا نحن، رقصة نارية مطهّرة لنستمزّ

أن تعيش الذات الشاعرة  وخز الكوابيس ويكثر تقلبها ليلا نهارا تحت شمس وقمر  يبدوان غير منحرفين عكس النجوم الفضولية المتلصصة والمتزاحمة. أن تحدّد ” الذات الشاعرة ” جغرافية أيامها وما اكتنزت بحجرات منتقاة من جبال اليأس. أن تستأجر خيط ريح وتدس في يده اسمها وتأمره أن يلقيه على موكب اليأس وهو في طريقه إليها.. أسأل ما الغاية من كل هذا النحيب؟ نعم المرأة في الوطن العربي تعيش بين المطرقة والسندان. إن هي ضحكت يعقد الرجل حاجبيه. إن هي عقدت حاجبيها يصفعها لتطاولها عليه.

نحن أمام نص منفلت شكلا ومضمونا. مشاهد قريبة من الحركة الركحية. هي لوحات اختصرت كل الفصول. تعاركت فيها الألوان وتصالحت مثلها مثل صور الإيقاع في حزنه وابتساماته القليلة والخجولة. هي شعر منثور.. سمّ هذه النصوص ما شئت.. فقط عليك أن تتقن رصد نبضات إبداعها الصادقة

حقا .. لقد أبدعت الشاعرة عائشة المؤدب في هذا النص وباقي نصوصها وهي المتروية والراوية بسجلات الابداع وهي الرسامة المتقنة لفن ” البورتري ”

سوسة 31 \ 12 \ 2019

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: