خواطر حول  كتاب ” ساعة أبي وحبّ ” قصة للفتيان – للكاتبة سعدية بن سالم

img

الخيال .. الواقع  والرّؤى من منظور ” الناشئة  “

         خواطر حول  كتاب ” ساعة أبي وحبّ ” قصة للفتيان – للكاتبة سعدية بن سالم

 بقلم أحمد بن إبراهيم

 

صدر هذا الكتاب بتاريخ 2018  في 94 صفحة. واستهلّ بإهداء خاص : إلى الأستاذ  محمد الصالح فليّس  وَ ” عمّ حمدة العتال ” (وهو عنوان روايته الأولى)

  تتفرّع القصة إلى إطارين متكاملين..إطار رئيس يقول كل الحكاية..وإطار ثانوي انقسم على شكل عناوين فرعية كل عنوان يقول جزءا من هذه الحكاية..وكأننا نتصفّح كتابا.. أو نطرق أبوابا.. لا انفصام ولا تشتّت..بل هو ( تنويع في الأساليب )

*..في البداية لا بدّ من الإشارة استناد هذه القصة الطّويلة الموجّهة للفتيان، إلى بعض العلوم كَعلم النفس والاجتماع .. ما جعلني ألجأ إلى كتاب الأستاذ ” محمد صالح حويشي ”  ” في صميم التربية – تعلّم، تنشئة، شخصية، نجاح”، والذي حاول فيه توضيح مراحل النموّ العقلي للطفل/ الإنسان،  للاستعانة به في فكّ مفاتيح هذا العلم.

الجانب التقني:  تحديدا القصة القصيرة

  ما يمكن الإقرار به  في هذا الموضوع هو ما توفّر من صدق في هذا النصّ. ما توفّر من إتقان وَ– صنعة – تفرّد هذا النص بخاصية وجب تثبيتها في هذه النوعية من النصوص وهو ” الجانب التعليمي ” حيث كانت تحركات الشخصيات في الزمان والمكان ذات أحاءات  ” تعليمية وتثقيفية  ” وخاصة في سرد الوقائع بالاعتماد على تنوّع الخطاب من خلال ” المسرح ” كقيمة  فنية وتعليمية.  كما هو الحال في تنويع الخطاب وتوزيعه بين الشخصيات. ثمّ التشكيل ” الشعري ” واكساب التبئير مهمة  الولوج إلى عمق الحدث..إن في خطيته أو في اعتماده على ” الاسترجاع “

ثمّ هناك مستوى آخر من الخطاب هو ما كان من طرافة في  المشاهدة الساخرة – كاريكاتورية – دون  السقوط في التضخيم ” الأجوف ” أو الرّكاكة والبلادة.. شخصيا لا أفهم في التقنيات البيداغوجية..ولكن النص ( ذكي ) يلامس مشاكل الناشئة والكهول على حدّ السواء. يوفّر لهم فهم الواقع المعاش من زاوية علمية ومعرفيّة كما يدفعهم لنقد هذا الواقع والبحث في وسائل الوقاية من مخاطره.

من هذا الفهم لعملية البناء الدرامي يمكن لنا تقفي فواصل هذه القصة ومحاولة الوقوف عند تشكّلها الفني. وأوّل ما يمكن الانتباه إليه أن الشخصيات الفاعلة بقوة في هذه القصة هم من المراهقين..

هذه القصة القوية في موضوعها والتي نحاول ملامسة أبعادها شكلا ومضمونا. تحمل ميزة واضحة  كونها – قصة  مخصوصة لليافعين – من حيث بناؤها وكذلك مضمونها. لذلك احترمت الكاتبة هذا الشرط الأوّلي بأنها لم تحاول الابتعاد كثيرا في تشعّبات التجريب. كما أنها ابتعدت عن الزخرفة والتنميق في الوصف ولم تشحن لغتها ببلاغة لغوية لا تستقيم مع ذائقة القارئ العادي.  بل اجتهدت وأصابت في اختيار أسلوب سلس يستعذبه التلميذ والقارئ وَ كذلك ”  القارئ المشارك ” الذي سينشدّ إلى النص ويجد نفسه يبحث في عمق النص وخاصة في علاقته بروح المسرح إلى – الجانب التعليمي المبثوث في الأسلوب من خلال بناء الحدث. طبعا سيبحث هذا ” القارئ المشارك “. سوف يتعمّق أكثر للبحث في مغزى الحكاية ومحاولة قراءتها معتمدا إلى أدواته النقدية التي ستكشف له أبعاد جمالية أخرى تحيله على المرجعيات العلمية المعتمدة في تشكيل هذا النص.وهذا ما أكسب النص جمالياته الأدبية والفنية..  فسعدية بن سالم وَالمختصة في ” فنون الخطاب ” هي متمكنة من مرجعياتها العلمية ( البحث التربوي ) وهو اختصاص حسّاس يتطلّب معرفة بالعلوم الإنسانية منها – علم النفس و الاجتماع – وهذا ما تأكّد لدينا من خلال نوعية هذا العمل السردي المتميّز. حيث أشارت في الغلاف بأن هذا الكتاب هو ” قصة للفتيان “

من وجهة نظري أعتبر هذا النص ( إن نحن عدنا إلى بعض التصنيفات ) أعتبرها ” قصة الشخصية “

حيث كان الاهتمام بالشخصيات يفوق الاهتمام بالحدث. وبالزمان والمكان..

الحدث كان في المرتبة الثانية رغم ” خطورته ” لقد كثرت شخصيات القصة وتوزّعت في النص ولكل دورها الحيوي ..لا يعني هذا تشتت ذهنية القارئ. بل بالعكس فأغلب الشخصيات ذات ارتباط وظيفي ببعضها البعض.. الشخصيات توزّعت على نوعين – شخصية جاهزة. وشخصية نامية –  وهذا ما زاد من درامية الحبكة وَ إيقاعها..وتوّج هذا الاختيار الصائب حين أوكلت الكاتبة لإحدى الشخصيات سرد الأحداث..

” حين بدأت الحكاية لم يكن أحدا يتوقّع ما ستؤول إليه الأمور “

من خلال هذا الاستهلال السردي-  الارتدادي حسب تنظيم سياق الإحداث –  ( وكأنه يصوّر قاعدة ثابتة لكتابة القصة القصيرة –  بمعني : الإسراع نحو النهاية )

الكاتبة رشّحت ” سليم ” ليتكفّل بسرد الحكاية  لِمَا  يتميّز به من أخلاق عالية وإحساس بالمسؤولية..ونحن نراه في الصفحة  67 تحت العنوان الفرعي – ساعة والدي ورضوى – فكان فطنا لكل إشارة وحركة تربطه بما يدور حوله :

” في اليوم الثالث بدأت  أستعيد صفاء ذهني رغم الإرهاق والشعور بالفراغ. حين هممتُ بتناول الدواء . لمحتُ ساعة والدي مهملة بين أكداس الأدوية لا تكاد تظهر. شعرتُ بوخز في صدري يؤلمني..ماذا تُراه يعتقد  والدي ؟ أتراه يفكّر أني لا أحبّه إذ أهملتُ ساعته ..”

ما هي رمزية الساعة هنا ؟ هي حفظ الأمانة..التجربة.. احترام الوقت ( الزمن ) هكذا نجد شخصية  ” سليم ” مؤهلة لمهمة السرد أكثر من غيرها..

 تنطلق الحكاية. من نهايتها  ( PLAY BACK )يقول الراوي ” سليم ” وهو شخصية محورية تروي الأحداث تحت عنوان فرعي  ” بدءُ حِكاية ” ص 7

” حين بدأت الحكاية لم يكن أحدٌ يتوقّع ما ستؤول إليه الأمور. لم يكن أحد يعتقد أنّ الأحداث الجسام يمكن أن تحدث في أي لحظة وفي أي مكان. هو فقط حدس خفي أنبأ ” سليما ” خطرا منذرا لكنّه لم يتبيّن ما هوَ. وكم حاول أن يفهم ما يحدثُ لكنه عجز عن ذلك وربما تكون الظروف المحيطة به سببا مباشرا في عجزه عن التقاط الخيط الموصول إلى الحقيقة.. حثّ الخطى إلى قاعة التدريب فقد تأخّر عن تمارينه. قريبا يخوض مبارات حاسمة في مسيرته الرياضية. وكم تمنى أن يخوض النهائيات مع صديقيه ” عماد وَ صابر ” ولكن لا أحد يعلم أين اختفيا منذ أكثر من أسبوعين . عائلتاهما تأكلهما الحيرة وأصدقاؤهما في ريبة ممّا قد يكون حصل لهما.. لا أثر..”

هم ثلاثة شبان مراهقون. جمعتهم قاعة للرياضة : سليم .( الراوي للقصة ) تعرّف على الشخصية الثانية –عماد- في قاعة الرياضة. كما أنه ( الراوي سليم ) على علاقة بالشخصية الثالثة – صابر – بحكم الزمالة التلمذية. وثلاثتهم يلتقون بقاعة الرياضة للتمارين بإشراف شخصية أخرى هي الممرّن  الذي انتحل اسما حركيا هو-  محسن –

هناك شخصيات أخرى مثل : والدا صابر اللذان يمثلان صورة لامعة لعدم التفاهم والتجاوب. دائما في حالة عراك.

 يقول صابر  تحت نفس العنوان الفرعي الأول-  بدء الحكاية –  واصفا وضعيته العائلية  ص 10  :

 ” لو أقمت معنا في بيتنا لفهمتَ ما أقول..( يعود إلى آلته ويبدأ في الرّكض فوقها. ثم يواصل : أتمنى يوما أن أصحو على الهدوء أو أن أنام دون أن أسمع الشتائم المتبادلة بين أبي وأمّي.. لقد مللتُ الحياة معهما ويوما ما. وسيكون قريبا..لن يجداني. أعدكَ.. “

والدا عماد مطلقان.

لم يغب على الكاتبة عملية توظيف الاسم فنيا..وهذه العملية نكتشفها مع صيرورة السرد حيث ترتفع وتيرة السرد كما الإيقاع الدال عليها..

وان بدت الحكاية معلومة وحدثت ربما في واقعنا المعاش.( الإيهام بالواقع ). ما يمكن أن يثير قلقنا أكثر هو تكرارها في واقعنا الملتبس.( الغريب ).ربما هُوَ نِتاج ضغوطات الواقع المعاصر الذي افسد العلاقات الأسرية والاجتماعية وقتل فيها كل سبل التعايش السليم..

يقول عماد واصفا وضعيته الأسرية  ص 11 :

 ” أما أنا فأتمنى أن أعيش بين أبي وأمّي. ولكن ( ويلوّح بالصورة ) أبي لا يريد ذلك. أمّي تقول  إنه لا يحبّنا. لذلك تركنا وحدنا.”

ما دلالة قاعة الرياضة..نرى حضور المثل القائل – العقل السليم في الجسم السليم –

الجميل في هذا المشهد ( وباقي النص ) هو نجاح الكاتبة – سعدية بن سالم – في النأي بنفسها وعدم توجيه الشخصيات إن كان على مستوى الحوار أو ” درجة وعي الشخصيات بذواتها وبمحيطها ” وهذا يؤكّد براعة الكاتبة وتحكّمها في مجريات النص.

سليم  ( الراوي ) يصف وضعيته العائلية لصديقيه عماد وصابر وهما في قاعة التدريب الرياضية ..تحت العنوان الفرعي – ..ثمّ صداقة فبوح..ص 22 :

”  .. قلتُ : لم يعد الانفصال أمرا غريبا إذا استحال العيش بين اثنين. هل حدّثك  صابر عن الجحيم الذي يعيشه في منزلهم. اسمع أنا سأحدّثكَ عن الجحيم في منزلنا. لي من الإخوة أربعة أنا كبيرهم. أعود من التدريب مساء فأضطرّ أن أراجع معهم الدروس. ثمّ أعين أمّي في ضبط حسابات الدُكّان.. ثمّ أتفرّغ لدروسي. وفي الغد أنهض باكرا لأفتح الدكّان حتى تجد أمّي متسعا من الوقت لإعداد إخوتي للخروج إلى مدارسهم. أتفهم ما معنى أن تجد نفسكَ كبيرا قبل الأوان ؟ أنتَ لا تعرف ذلكَ لأنّ والديكَ في ما يبدو دلّلاك َ أكثرَ ممّا يجبُ..

عماد : اعذرني إن  أعدتُ السؤال .. ولكن أين والدك ؟

انتابتني غصة مفاجئة وأجبتُ مغمغما : رحمة الله عليه. والدي توفى منذ سنة  فجأة.. أبي أشتاق رائحته عندما يضمّني. أتعلم ؟ أشتاق أحينا ملمس ذقنه على بشرتي وهو يقبلني..

ران صمت على المجموعة. قطعه عماد :

 آسف. لم أكن أعلم. “

سليم بحكم تردّده على العمل في دكان والدته أصبح مدمنا لقراءة الكتب. كانا عماد وصابر يسخرن منه . يعتبران المطالعة هواية للفتيات..

يحكي سليم ( الرّاوي )  تحت عنوان  صداقة  فَبَوْح ص 28

عماد وصابر  ” انقطعا عن الدراسة وغابا عن التمارين ثمّ هجرا عائلتيهما. أسبوعان مضيا. ولا خبر. ولا إشارة.. ” تأتي الشرطة  إلى قاعة الرياضة لتحقق في غيابهما. لم تتحصل الشرطة على إجابات شافية من سليم والمدرّب.

يقول الشرطي سائلا “سليما”

 ” لقد سمعنا أنهما يتصلان بشخص يدعى محسن.. هل سمعت هذا الاسم سابقا “

ينفي سليم معرفته بهذا  ” محسن.”

العنوان الثالث  تدور أحداثه على الرّكح  تحت عنوان فرعي – في غفلة من الجميع كُبرتُ – ص 35

ما معنى حضور المسرح ..دلالته.._ أعطني مسرحا أعطيكَ شعبا عظيما –

ثم المسؤولة عن المسرح امرأة. السيّدة وردة…وهذه إشارة ذكية ترمز إلى قيمة المرأة حين يتعلّق الأمر بالمسائل الفكرية..

يتوجّه  “سليم ” إلى مشاركة بعض زملائه في عمل مسرحي. يدخل على المجموعة دون استئذان. كان عليه أن يسرد بعضا من تفاصيل حياته. تقول السيّدة وردة شارحة الأمر :

 ” ابتسمت السيدة وردة وقالت :  أنتَ اقتحمت علينا مركزنا وقطعت تدريبنا وَ قانوننا يقضي أن يقصّ علينا كلّ ضيف قصّة. له مطلق الحرية في اختيار أحداثها وشخوصها.. وأنتَ قصصتَ في ما أرى قصتَكَ..

هي بعضُ قصة لم تكتمل. ولكني أعجز عن إكمالها الآن “

توجه ” سليم ” إلى ” المسرح ” دون تخطيط مسبق بل  هو كان يتبع خطى صديقته( فَتاته ) كما يسميها.. كانت تتدرب مع ستّة تلاميذ على مسرحية تسرد تاريخ-  تونس – قرطاج –

علم الجميع أنّ عمادا وصابرا  غادرا البلاد خلسة.. صابر مات بعد أن فجّر نفسه بحزام ناسف وهو يعمل مع جماعة متطرفة دينيا. والسبب في ذلك ممرن الرياضة. وعماد مات غرقا في ” حرقة ” للمبادوزا..

نهاية الحكاية..وتحت العنوان الفرعي ” وما كانا ” ص 91  يقرّ سليم ببعض خفايا علاقته بصديقيه يقول :

” فهمتُ بعد زمن أنّ الصمتَ أعمق درجات الحزن وقد يكون أـخطرها على الرّوح وَالجسد على حدّ سواء. لقد قفدتُ بفقدهما شيئا مني.ومازلتُ أشعر بجرح دون قاع في أعماقي. جرح جعلني أكثرَ حذرا في تخيّر الأصدقاء وأكثر مسؤولية في علاقتي بعائلتي..

حين التقيتُ  ” فرح ”  بعد سنوات أسرّت لي أنّ عمادا وصابرا لم يتفقا على الرحيل معا. بل لا أحد منهما كان يعلم بقرار الآخر. كان غيابهما معا محض صدفة. فعماد رغب في معاقبة أمّه حتى تُعرض عمّا قرّرت وقد فعلت بعد أن فقدته وفقدت عقلها معه.

أما صابر فقد استدرجه المدرّب إلى عالم التشدّد الديني منذ فترة قصيرة مستغلا وضعه العائلي المفكّك. كانت ” فرح ” على علم بما يحدث مع صابر وكانت تحاول أن تثنيه عمّا عزم عليه. غير أنّ لجوءَ والد عماد إلى التبليغ عن اختفاء ابنه وربطه بين اختفاء الشّابين سرّع الأحداث وقطع تواصلهما. واختلط عليها الأمر في البداية حتى أنها شكّت في هروبهما معا. ثمّ خشيت إن هي بلّغت أن تكون قد خانت حبيبها. ويبدو أن خوف المدرّب من انكشاف أمره دفعه إلى اجتياز الحدود خلسة  رفقة عدد من الشبّان من بينهم صابر لينضمّوا إلى تنظيم من تنظيمات الدّم المباح. ويترك في  ” فرح ” شعورا بالذّنب عجزت السنوات عن محوه. ويترك في عائلته وعائلات الشبّان ألما لا شفاء منه. يساهم في قتل أبرياء وتشريد عائلات آمنة في بلدانها لا ذنب لها غير أنّها كانت هدفا لتجّار الأوطان والدين والدّم ( انتهت )

نعم هكذا انتهت أو نعتقد أنها انتهت..هذا الكتاب يستشرف الآتي من خلال نفس المشكل.. ظاهرة التشتت الأسري..الأسباب والمسبّبات..يشير بطريقة غير مباشرة إلى الحلول..” التربية الحسنة ” للطفل ..عدم التسلط عليه وحصره في زاوية مغلقة يعني.. الضغط يولّد الانفجار.

عندما يتعلق الأمر بمستقبل الأجيال لا بدّ من الرجوع إلى العقل. المعرفة. بعيدا عن كل صور المساومة هذا ما يمكن استخلاصه من هذا العمل المسؤول.

هذا الكتاب أعتبره مرجعا. أدعوكم لقراءته.

شكرا لكم

                              سوسة 28 \ 3 \ 2018

 

 

 

 

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.