خواطر حرّكتها قراءة كتاب ” سمير حمّوده ” عن ” صراع داخل حزب العمّال ” – نشر 2019

img
خواطر حرّكتها قراءة كتاب ” سمير حمّوده ” عن ” صراع داخل حزب العمّال ” – نشر 2019
بقلم : الصادق بن مهني 
 
تردّدت كثيرا قبل أن أحبّر ما سيلي. تردّدت لأنّني تموقعت منذ زمن طويل خارج أفق النّقاشات “التّقليديّة” لليسار السّياسيّ. وتردّدت لأنّني لا أرغب البتّة في أن يقرن ،وإن بشعرة، بيني وبين ما يهزّ اليوم اليسار الموسّع المنظّم من إرهاصات ومنازعات ومشاحنات وما يكبّله، هو واتّساعه غير المنظّم، من عجزأو قصور. وتردّدت لأنّ بي حياء يكاد يمنعني من أن أعبّر بطلاقة عن رأيي في نصوص يبدو لي أنّ من أشار عليّ بالكتاب يعيشها كإعلان تمرّد بل ثورة حقّة وتحرّروخلاص.وتردّدت لأنّي عوّدت قلمي على تلافي إزعاج النّاس بمسائل غدوت منذ لأي أحسبها قد خرجت نهائيا من زمننا.
ولكنّني إذ ناداني مرشدي إلى الكتاب لأعبّر عن رأيي في الكتاب، وقد ألزمتني بأن قرأته، رأيت إكرامه بأن أفعل.
هرعت إلى قراءة الكتاب وقد غالبت توجّسي وصرعت شكوكي . وتطلّعت إلى أفكار فيها تجاوز ونقد فيه إبداع ومنهج فيه فتوحات جديدة.وتخيّلت نفسي ،أكتب بعد القراءة،نشيدا يغنّي انبثاق الأمل.
غير أنّي سرعان ما وجدتني أتثبّت : هل ما تمسكه أصابعي نصوص جديدة أو على الأقلّ محيّنة أم وثائق ترجع إلى زمن كنت فيه بالكاد أحسب شابّا؟
التّوق إلى ديمقراطيّة ما. النّظر إلى الإيديولوجيا كهدف في حدّ ذاته أو كأداة ووسيلة .النّقد الذّاتيّ مسطّحا.
المراجعات وهي تظلّ تحبو وتقصر عن أن تفرد جناحيها وتحلّق إلى الأرحب.المناضلون عطاء بحر لا ينضب يبهر ولا يلد.صراع بل صراعات فكريّة ترحي ماء تصدّها عقيدة كان من الأجدى بالفاعلين أن يستخدموها قادحا لا أن يسخّروها سلاسل.خوض في مجرّدات يعجز عن كسر السّور بل الأسوار الّتي تحول بيننا وبين من ندّعي تمثيلهم او على الأقلّ السّعي إلى تمثيلهم والحال أنّنا نقصد التّضحية نيابة طوعيّة عنهم وينكروننا.أحاديث في المركزيّة ديمقراطيّة وبيروقراطيّة يشلّ المضيّ بها قدما الإقرار الأعمى بالهرميّة والعجز البيّن عن الإبداع وتشبّث مرضيّ بلزوم التقيّد بما ينسب لسلف وحياد بالأبصار عن مجريات واقع تغيّر كم مرّة. تمسّك بالمطبعة الحجريّة في زمن المعلومة والنّصّ الّذي يجوب العالم و يبلغ النّاس حتّى قبل أن يستكمل باعثه نقره.شخصنة وإفراد واستفراد . إنهاك الجهد في تناول الأمورمن حيث تمّ تناولها مرّات ومرّات هنا وهنالك دون جدوى ولا نجاعة.صراعات كصراع الدّيكة إخوة – أعداء. ” عركات وشهود على ذبيحة قنفود “. حقد وتباغض محرّكه التّهافت على سراب سلطة واهية لا تقود إلى السّلطة…
يوجعني جدّا أن أمضي أكثر.
إذا كان شقّ الصّراع الّذي يعبّر عنه الكتاب هو حقّا الشّقّ المتوثّب إلى الأجدّ والأنقى والأكثر تحرّرا والّذي يمكن أن نحلم بإبداع يأتيه فما هو حال الشّقّ الآخر؟ أفضّل أن يزيغ بصري نحو بحر الظّلمات وأمنع عقلي من أن يتكهّن.غير أنّي أهرب إلى أمل ولو عنكبوتيّ فأرى في الكتاب وقد عانيت لأقرأه حتّى منتهاه علامة على تكسّر قيود مشلّة وبداية انعتاق لدى طرف ولربّما أطراف من مناضلي اليسار قد تجعل الحوار ( ولا أرى فائدة في استخدام كلمة:صراع) يندفع ويهدر لدى الشّقّين ولدى غير الشّقّين فتينع الألوان حقّا ونفلت أخيرا من بوتقة التّقليد والاستكانة لما ابتدعه الأسلاف على حاله أو كما استقرأناه ونتحوّل حقّا ، بل يغدو الشّباب والشّابّات من بيننا، مبدعين لنهج تحرّر متحرّر في ذاته يناسب ما يحقّقه التّضحيات الّتي تبذل تشوّفا إليه.
الكتاب وثيقة هامّة إذا ما هو قرئ بهدوء. وثيقة هامّة لأنّ فيها ما يحرّك الرّغبة في تحقيق ثورة يجب أن تحدث قبلا داخلنا. ووثيقة هامّة لأنّ فيها ما يدفع بكلّ هؤلاء الّذين بذلوا دون أن يجنوا إلى عصف ذهنيّ حقّ.
وأخيرا أجدني منهكا ممّا أكتب فأنهي بأن أقول إنّه تبيّن لي مرّة أخرى أنّ على الشّباب أن يفتكّ المبادرة وأنّ على القياديين أن يقرّوا بفشلهم.
ورغم ما يحيط بنا من دوافع الإحباط أرى في الأفق أفقا بهيّا وفجرا ينير.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: