خطبة الوداع في ربيع الضّياع

img

محمد حراثي

خطبة الوداع في ربيع الضّياع

لَمْ يمتلك “بن علي”رأسا ,كان قبضةً، كان يدًا و كان زنادًا.
هذا ما يدركه الجميع، و يدركه “الهادي البكوش” الذي وضع خطّة الإطاحة “ببورڨيبة”. الإنتقال الدستوري فقط من سمح لبن علي بأن يكون في الصّدارة، كان الإتفاق الإطاحة بالعجوز الهرم المريض وفق آليات مشروعة ثمّ تنحيّ الرجل العسكري لصالح البكّوش، لكنّ للسلطان بريق لا يقاومه أحد.
للسلطان بريق يجعل الجميع يتنكّر لوعوده و إلتزاماته،كان بيان السابع صادقًا كما كانت وعود مؤسس النداء صادقة، و لكن للسلطان بريق يطيح بكل إرتباطٍ قيمّيِ و أخلاقيِ.
لتحقيق الموت على كرسي السلطان و مغادرته بجنازة عظيمة يتقدّمها الرئيس القادم، الخليفة الوريث، إستوجبت آلية “الدكتاتورّية”.
لا يقول اللّص أنّي لصّ، يبررّها على أنّها ” حاجة “.
لا يقول المستعمر أنّني مستعمرٌ، بل يقول جئت لحماية الشعوب أو لتعقّب حاكم يخزّن الكيميائي. لا يقول المحتلّ أننّي محتلّ، يقول جئت بأوامر ﷲ.
دائما هناك ظروف ما تبرر خياراتنا الجانحة.
كانت الإخوانية مرضا عضالاً، و كانت تهديدًا حقيقيًّا للمدنيّة و نُظم الجمهوريّة.
نفخ “بورڨيبة” الروح في كيانٍ إسلامي ليكون عصاه في مواجهة العصيان اليساريّ. و لكنّه غفل قليلاً و لم يلحظ أنّه كيان يتمدّد ليقضم إصبع السلطان؛ ” الزعيم نفسه “، و طموحه اليد ثمّ الجسد. هذا لا يمكن أن يحطّ من قدرات بورقيبة فلكلّ قائدٍ هفوة ،الإله نفسه تفاجأ بإنقلاب الشيطان و عصيانه المباغت.
في هيكل الدكتاتوريّة هناك طواقم من نحّاتين و صنّاع و مؤلفين..لا تنمو الدكتاتورية في شخص دون جوقة “البسابيس”.
نمو إقتصادي أشادت به صحف العالم، ديمقراطية ناشئة أبهرت حكومات غربية، إنّه العسكري الذي لبس البدلة و ربطة العنق و شرع في بناء و إحياء تونس الحديثة، هكذا كان بن علي صفحات الصحافة الغربيّة.
في الطرف الآخر من العالم، كانت عجلة “البناء الإسرائيلية “على قدم و ساق، لا يمكن الإذعان و في الشرق نصر ﷲ، بشار و إيران و صدام المهيب،لا يمكن للدولتين المواجهة لو قسمنا ظهر حزب ﷲ.
هكذا كانت تفكّر واشنطن في داخلها و هكذا أفصحت “كوندليزا رايس” عن هواجسها مع إنطلاق أوّل غارة على لبنان سنة 2006 : ” إنّنا نشهد ميلاد شرق أوسط جديد”، شرق أوسط بلا حزب ﷲ ,شرق أوسط بلا سورية و لبنان و عراق، مقاومتين بلا أضافر و لا أنياب.
استماتت المقاومة، إستمات “العتّالة” في دعم حزب ﷲ
و استمات الشعب السوري في احتضان مصائب تتوالى.
لاح فجر نصر تموز 2006، أدرك الجميع أنّه لا يمكن بحال إستهداف المنطقة العربيّة و قوى الممانعة و بناء نموذج للهوان
و الخنوع عبر سحق مباشر للمقاومة. هذه الشعوب العربية المتنافرة مذهبًا و عرقًا و ديانةً وحّدها حزب ﷲ، إنّها شعوب متناغمة متى تمّ إستهداف المقاومة.
يعرف الغرب مثلنا قصّة أجدادنا عن الرجل الذي جمع أبناءه و منحهم قصبة ثمّ مجموعة من القصبات مجتمعة، لتكسرها عليك أن تفرّقها و تشرذمها و تقسم وحدتها.
في أقاليم عربيّة متنافرة مذهبيًّا و عرقيًّا و ثقافًيّا و دينيًّا لا معنى لأن تحرّض على الثورة ضد الدكتاتورّية، سيقول السنّي أن رئيسه السنّي مستهدف من الشيعة، البلد الذي يمتلك نمطا موحّدا، ديانة, مذهبًا، عرقًا وثقافةً..
إذن تونس نموذج جيّد!.
بلد موحّد و رجل دكتاتوريّ و خصوم في المنفى يمكن إستخدامهم كأدوات و شرارة الحريق. و لكنّ الدّاخل مهمّ،
علينا بحذف “رجالات” في عقر دار الرجل “الواحد”.
سأكون صادقًا، قيم اليساريّة الثورّية وراء إستماتتة اليسار ,لم يكن حمّة متآمرا، لم يرصد أحد لقاءات له بالمخابرات و لا السفرات ,فقط إنّه ضمن الجوقة بدوافع ثوريّة، فقط كان حمار يسهل ركوبه.
تغيّر الغرب قليلاً.. إنه يشعر بالإستياء قليلاً. بدأ وهج الديمقراطيّة يخبو. سنة 2009 اكتشفت المخابرات المصريّة لقاءات سريّة في واشنطن بين زعامات إخوانيّة مصرّية و أمريكيّة أغضبت مبارك. بن علي تمّ إعلامه بذلك، في الجزائر رسائل رسمية من الغنوشي للرئاسة و تهاني بأعيادها الوطنّية، برامج تلفزيونيّة على قناة ” الجزيرة” الأولى عربيا في التعبير عن الرأي و الرأي المعاكس تنتقد تونس بحدّة متصاعدة، نسي الجميع أنها تبثّ من بلد المواريث.
بعد فوزه مباشرة في إنتخابات أحاديّة بثوب ديمقراطي تشاركي فلكلوري ,إنطلقت حملة مناشدة لرئاسة لاحقة ,لرجل التغيير الذي عشقه كلّ “التوانسة”. في الحقيقة يبدو الأمر غريبا، ما دواعي أن تفوز 2009 ثم تنطلق في مناشدة ل 2014..؟ كان بن علي يوجّه رسالة رفض شعبية على طلب أمريكيّ بالإختفاء بُعيد نهاية حكمه بعد فوزه الأخير، كان الجواب ” الشعب ” وحده من يقرّر و ها أنّ شعبي يريدني.
على الجزيرة إنتقد الغنوشي في مناسبات كثيرة النظام الفاشي و قلّل من أهميّة ” التميّز الإقتصادي ” و الأهمّ أنّه انتقد دولة 140 ألف بوليس و جيش لا يقوم إلاّ لتنفيذ الأعمال القذرة التي يعجز عنها البوليس.
لو سأل أحد يومها الباجي قائد السبسي، جغام , محمد الغرياني ,عبير موسي لكانوا سيطالبون بإعدامه، الآن ليس غير عبير “متمسّكة” بمحاكمته ، لأسباب سياسيّة بحتة، و ليست نفعيّة كما تدعّي . أصبح الباجي حليفًا لشخصّية وطنيّة و مدنّية و قدّمت الكثير لتونس، و أصبح الغرياني “بسبوس” يسحب المواطنين لعرين مونبليزير.
لم تستطع شرارة الخلاف النقابي /النقابي في ڨفصة أن تحقّق الهدف. محاولات بائسة أمام قبضة رئيس لا يزال يمسك بالمقود، و لا يزال الترتيب في أوّله و لا أعتقد أنّ أهدافهم كانت إسقاط النظام وقتها ,كانت الردّيف بداية خلخلة “الضرس” في 2008..
لم أدرس يوما سياسة بل لم أجلس يوما قبالة دكتورة أو دكتور علوم سياسة في جامعة مختصة في هذا المجال، لأنّ السياسة تقترن أساسًا بتحليل كينونة التاريخ البشريّ و فنون الفعل السياسي ناهيك عن حصره في زمكنية الأنثروبولوجيا و أصول التراب و الجمهور لإستخلاص و إسبيان العلّة و أصلها.
و ما هذا إلاّ قطرة من محيطٍ مجهول، كتبته آملاً أن يكون براديغمًا مفسرًا لسيرورة العمل السياسي في حقبة ما تسمى ب”تونس الحداثة”

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: