حين نفتقد عزيزا

img
مهاب حبيري
بصراحة كانت صدمة شديدة. لم أعلم بعد أية خطة صبر انتهجتها لاقوى على احتمالها. منذ ذاك اليوم و انا اضطرم حزنا كلما تذكرت فراقها لنا. أصبح سيري و مروري في السبل التي جمعتنا بهامقترنا بتنهدات حارقة. صحيح أني لم ارها منذ امد بعيد. لكن صوتها يصلني بين الفينة و الأخرى زمن الحلم. كان صوتها رخيما كأنه تجليات الفجر حين يفصل بين ليل قاتم و نهار مشرق مذعن للخير .لم أكن أعلم أنها ماتت بدون سابق إنذار. لم أعلم أن أنفاسها الطاهرة ولت مدبرة نحو الفراق. لم أعلم أنها اختارت البرزخ عالما جديدا.لم يخبرني أحد بهذا الخبر المحزن. لماذا اخفوا عني هكذا خبر؟ هل خافوا علي من وقع الخبر و قد علم القاصي و الداني حبي الأسطوري لها؟ أم أنها لا تعني لهم شيئا عادي إن ماتت و عادي إن بقيت على قيد الحياة؟ لا أدري كيف مر هذا المصاب الجلل دون أن أتحسس الأسى الذي رسمه في أوجه احبة الفقيدة. و هل للفقيدة احبة غير الذي أعرف ؟ لا أدري كيف سأقدم لهم واجب العزاء بعد هذه المدة الطويلة. أخشى أن اكون سببا في تجدد أحزانهم.لماذا لم ينتشر الخبر في الفايسبوك مرفوقا بصورة لها ككل نعي؟لماذا لم يعلمني أصدقاء العمل و الحي و المقهى؟ أعرف أنهم علموا و عملوا بنصيحة أحدهم بأن يبقى الأمر طي الكتمان دون أن يعرف لي عنوان.صدفة أعلمني احدهم في قالب حديث. كانت الرشفة تودع حافة الفنجان حين حطت في فمي. لكنها المسكينة كان مآلها الثرى حين حط الخبر على رأسي. لم اقوى على اسكانها جوفي فلفظتها. ثم ما اتخذت دون وعي مني قطع الفنجان المحطم كما فؤادي مقعدها هي أيضا على الثرى.حتى أن رواد المقهى هالهم المشهد لكن دون أدنى ردة فعل و كأن الشلل أصابهم.بقيت ساهما لا أدري ما أقول و قد اوجعت قبضتي فخذا علا سخطه. لا أدري كم قطرة دمع سالت على خدين صدحا ألما . و لا أدري كم ذكرى مرت حضرتها . حين عدت إلى الواقع بعد أن رجني النادل من كتفي رجوت الصديق أن يفرح قلبي بأنه يمازحني. لا ليس موضع مزاح يا صديقي. تلك هي الحقيقة فصبر جميل. انتهى أخر امل يبقيني حالما بأنها في افضل حال. كان جادا في حديثه. ثبات عينيه المغرورقة ببعض الدمع اسفا على حالي و امتقاع وجهه المرح في العادة و الامتعاض الذي زوقته شفتيه كلها تؤكد انه صدق فيما قال و فيما سيقول . قال لي أن جنازتها كانت مشهودة. حضر الآلاف في تشييعها إلى مثواها الأخير…
ليتني كنت معهم لاودعها وداعا يليق بمقامها في قلبي. لماذا اخفيتم عني أيها الاوغاد…؟ لماذ…؟
قال أنهم دفنوها و السرور يغمرهم. لا أحد يلوم أحدا و كأنها غمة انزاحت عنهم لتستمر الحياة سعيدة دونها. كانوا قساة مع جثمانها و كأنها عدو ينتقمون منه…
انتظرت الصباح و قد ضاق بي ذرعا سريري حين اتلظى فوقه ألما يمنة و يسرة. لم يغمض لي جفن و لم يسمع لي لحن سوى الأنين. كانت تتراءى لي صورتها في كل رفة عين. كانت ضاحكة رغم الشحوب الذي طبع على وجهها. ربما من تعب الموت و ربما من قسوة المشعيين. فقط ضحكتها طمأنت قلبي الملتاع… مع أول إطلالات الشعاع كنت امام قبرها. ذرعت المقبرة اكثر من مرة حتى وجدته. كان قبرا مهملا في آخر هذا المكان الموحش . الأوغاد دفنوها على حافة الواد كأنهم تعمدوا ذلك ليتخلصوا أيضا من رفاتها عند أول فيضان. لا يهم عاشت كريمة و ماتت كريمة و ستبقى ذكراها خالدة في كياني و شاردة من خيالهم. بدأ بعض الرذاذ يقطع الوجوم الذي اعتراني و يؤنس في الآن ذاته وحشة المكان. حان وقت المغادرة ووقت كفكفة الدمع و الإقرار بأنها مضت بلا رجعة. ودعتها بكلمات اختنقت اثرها و لوحت لها بيدي المرتعشة. قطعت بعض الخطوات نحو باب الخروج لكن عن لي ان أعود و كأني تذكرت شيئا. طال وقوفي امام القبر الهامد الذي يحمل فقيدتي الهامدة بين اضلعه. بقيت برهة من الزمن لم يحدد عقلي المتألم مقدارها أتطلع الى شاهد القبر الرخامي بأسى متمتما بالكلمات التي نقشت عليه “هنا ترقد مطمئنة ضمائركم التي ماتت في صمت و دفنتوها بصخب”…
Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.