حينما تفرغ دور الشباب  من الكفاءات…  ما الذي يحدث؟

img

حينما تفرغ دور الشباب  من الكفاءات…  ما الذي يحدث؟

بقلم الباحث : خالد طبابي 

تعيش البلاد هذه الأيام على وقع صفيح ساخن من حركات الاحتجاج التي تنادي بشعارات كان قد عانقها الشباب منذ انتفاضة القرى المنجمية سنة 2008 وآمن بها في الفترة الفاصلة بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011. لكنّها تبخرّت وسط الساسة والحكومات المتعاقبة… وقد سٌلّط الضوء هذه الأيام على حركات احتجاجية مثل حراك الكامور أو الحوض المنجمي واحتجاجات الدكاترة وقطاع الصحّة بصفة أولية، ومن هنا نعلن مساندتنا لكل المطالب الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية كانت في سياق الشرعية أو المشروعية… ولكن لا يزال أساتذة الشباب وهم من خريجي المعهد العالي للتنشيط الشبابي والثقافي بئر الباي _ جامعة تونس_ يناضلون منذ أكثر من 8 سنوات قصد افتكاك حقوقهم الشرعية ألا وهو الانتداب بمكانهم الطبيعي والجوهري أي دور الشباب، أو انتدابهم بفضاءات أخرى مثل المدرسة التي تفتقر للأنشطة الثقافية والترفيهية والإبداعية  وتكون فيها وظيفتهم خلق الديناميكية والأنشطة التربوية الاجتماعية عن طريق مقاربات سوسيو_ ثقافية واجتماعية وتربوية التي هي أساسا ولدت من رحم الاختصاص المتنوع في الحقول. ولكن ارتطمت احتجاجهم مثل باقي احتجاجات البلاد باليأس والإحباط إما بتجريم الحراك أو الوعود التي لم تتحقق بعد، مما أجبر بعض المحتجين من دفعات مختلفة على خوض أقصى أشكال الاحتجاج وهو الإضراب عن الطعام خلال هذه الأيام زمن كتابة هذا المقال بمقر الإتحاد العام لطلبة وتونس ومواصلة الاعتصام والتحركات أمام وزارة الشباب والرياضة تحت إشراف إتحاد أصحاب الشهائد العليا المعطين عن العمل UDC.

من جهتنا لا نغفل ولا ننكر ذاتيتنا التي نعلن عليها منذ البداية وهي مساندة المحتجين المغيبين المهمشين، فالموضوعية هي أن نعلن ذاتيتنا منذ البداية كما يقول ذلك عالم الاجتماع السويدي جينار ميردال. واخترنا في نفس السياق أن نفهم ما الذي يحدث إن استغنت الدولة عن الكفاءات في قطاع الشباب من خلال بعض الأسطر التي ينقصها طبعا التفحص السوسيولوجي المنهجي والعلمي؟ فهي محاولة تفسيرية ومناصرة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

إنّ انتشار ظاهرة العنف والجريمة  والانقطاع المبكر عن الدراسة، وعدم قدرة الفرد على الاندماج بمحيطة الاجتماعي وهجرة القاصرين والتنشئة الاجتماعية القائمة على النظرة الاحتقارية للمرأة  والعنف بالملاعب الرياضية وانخراط بعض الشباب بشبكات النصرة والقتال والإرهاب  وغيرها من الظواهر السائدة بالمجتمع تفسّر بالعديد من الأسباب والعوامل، ولعلّ التخلّف الاقتصادي والتبعية السياسية في طليعة العوامل المصدرة لهذه الممارسات والأفعال. ولكن السياقات الاقتصادية والسياسية وحدها غير قادرة على التحليل. ذلك أنّ مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأولى ( العائلة، المدرسة أي المجتمع والمؤسسة الدينية) هي الأساس لبناء شخصية الفرد ثمّ تأتي عملية إعادة الإنتاج. ولكن هناك مؤسسات أخرى تعتبر أساسية بل نقل جوهرية في بناء شخصية الفرد والمجتمعات ألا وهي دور الثقافة والشباب ومركبات الطفولة، ولكن من المؤسف قولا أنّ هذه المؤسسات قد شهدت تراجعا خلال السنوات الأخيرة، وذلك من خلال افتقارها للمواد اللوجيستية والماديةـ وشبه غياب للكفاءات البشرية المختصة وبالتالي فإنّ السياسات الحكومية المتصّلة بالخيارات النيوليبرالية والتي أعطت الأولوية للبرجوازية همّشت هذه القطاعات وجعلتها في هامش برامجها مثل باقي المؤسسات العمومية.

أمام هذا التهميش الذي يتزامن مع سياق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وصعود الحركات الاحتجاجية افتقرت دور الشباب لروادها، ولم تعد تواكب تطور ديناميات المجتمعات مما جعل من الشباب يختار فضاءات أخرى تحتضنه مثل عالم الأحياء والمقاهي  وهذين الأخيرين يساعدان الفرد على صنع القرار الهجري والانقطاع عن الدراسة  والانخراط بشبكات للجريمة والانحراف،  كما يبتعد الفرد عن الأنشطة التي تخلق ديناميكية للجماعات وبالتالي تصعب عليه عملية الاندماج كما قد يظلّ منحصرا في حلقات ذكورية تجعله آخذا تلك النظرة الاحتقارية للمرأة، وقد تقع له أيضا عملية التطبيع مع جماعات دينية متشددة تجعله حاملا للفكر الإرهابي ويعود هذا لغياب المنشط الشبابي والاجتماعي دون تجاهل العوامل الأخرى.

بناء على ما تقدم وإن كان بصفة عامة ومختصرة ودون عمق في التحليل، يمكن القول أنّ تجاهل الحكومات المتعاقبة في عملية انتداب أساتذة الشباب بدور الشباب، أولئك المتمكنين من جلب العديد من الفئات كرواد لذلك الفضاء وقدرتهم على خلق تظاهرات ونوادي تستنير من خلالها المجتمعات وإن كانت الكلفة الماديّة محدودة، ساهم في خلق مجالات أخرى تحتضن الفرد ولا تنادي بعقلنة القرار، فالحلقات المجتمعية مترابطة ومتناغمة، فإن تمّ الاستغناء أو تهميش حلقة من الحلقات ضاعت معها الروح المواطنية وشرّعت لأخلاق لم تنادي بها الوضعية ولا الديمقراطية الحديثة أو سيرورة الديانات السماوية.

لذلك إنّ افتقار دور الشباب للكفاءات ساهم في صعود ظواهر يمكن وصفها بالمخطرة أحيانا، وهذه الظواهر لا يمكن معالجتها أمنيا، بل تعالج فقط سوسيولوجيا، أي اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا قصد بناء مجتمع يتغذّى بالمعجم الإنساني الديمقراطي، طبعا دون التعسف على مجتمعنا ذلك أنّ المجتمع التونسي قد تغذّى بالمفهوم المواطني وأثبت هذا في محطات عديدة وفي لحظات تاريخية فارقة، ولمعرفة المحطات يمكن لقارئ هذه الأسطر العودة إلى العديد من الكتب التاريخية والسوسيولوجية التونسية.

وأخيرا نترك بعض التوصيات التي نلخصها كالتالي:

إذا ما ظلّت نفس الخيارات الحكومية والاعتماد على مبدأ المديونية التي تجعل من التنمية دون نمو ونمو دون تنمية، نتوقع انفجار اجتماعيا أكثر مما عليه الآن وبالتالي صيفا ساخنا مناخيا واجتماعيا. وإذا لم تتم معالجة الأزمة الاقتصادية بالإرادة السياسية الوطنية فإنّ العديد من الشباب والفئات ستختار طريق المتوسط، إذن المزيد من الفواجع وفقدان الأرواح البشرية.

أيضا إذا لم يتم النظر في هذه المؤسسات التي تساهم في تكوين شخصية الفرد وعقلنة القرار وعدم انخراط وانتداب المختصين والكفاءات في قطاعات الشباب والطفولة والثقافة فإنّ سلوكيات الانحراف قد تتوسع، وهنا نؤكد على أنّ الهجرة لا نعتبرها سلوكا انحرفيا بل نعتبرها حقا شرعيا ينادي به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

نؤكد ختاما أن اعتماد المقاربات الاقتصادية والتنموية هي الأنجع حتما، فالمقاربة الأمنية تساهم فقط في تدهور الوضع والاحتقان الاجتماعي.

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: