حول تقنية الشعر/ الجزء الاول

img

حول تقنية الشعر/ الجزء الاول

بعض دقائق الامور.. أثناء کتابة الشعر

سوران محمد

بما ان الشعر هو لغة الروح فمن الصعب ان نحدد لە تعريفا وقالبا محددا، لذا اقفز علی هذا الموضوع و ادخل في لب المقال، ابدء بسٶال بسيط و منه يتعرف القاريء بمضمون و هدف الموضوع؛ لو نسأل أنفسنا أي منهما أدق؟ التصوير الفوتوغرافي للواقع أم تصوير شعري بالکلمات للواقع؟ من البداهة سيجيب الانسان الحفيص بأن آلات التصوير المتطورة ستنقل لك الصور و كأنها نوع من الواقع.

اذا فلماذا يحاول بعض الشعراء کتابة ما حدث و مايری في حياته اليومية في نسق شعري و طبق أصل الواقع؟ للجواب علی هذا السٶال نستطيع القول بأن الشعراء منقسمون الی ثلاث فئات: أولا/الهاوي، ثانيا/المهموم. ثالثا/ المبدع.

مع اننا لا  نوجه خطابنا الی الفئة الاولی والثانية لأن غرض كتابة الشعر عندهم ليس الابداع والاتيان بالجديد والبحث عن لغة أخری ما وراء لغة الشعر، أو الاستعانة بطيف الخيال أو کشف عالم خاص خلال استعمال رموز غيرمكشوفة و مستعملة، لأن وحدات و مفردات الکون في هذه الدنيا الواسعة هي متنوعة و كثيرة جدا، والتجديد و التغير علی الدوام من مميزاتها الرئيسية، فلماذا نکرر أنفسنا و الاخرين عند کتابة الشعر؟ هل هذه هي صفة الشاعر المبدع؟ أنی يکون لشاعر أن يأتي بجديد و هو يكتب شعرا أو أكثر من شعر في أكثر أيام الاسبوع؟

قناعة الشاعر بماهية الشعر و خلفيته المعرفية و تجاربه الحياتية يجبره علی ان يکتب هكذا، هل يود ان يوجه رسالته الشعرية و نتاجه الادبي الی القاريء العادي کي يفهمه مباشرة و يٶثر عليه بنوع ما ثم ينساه و لا يشجعه علی الاکتشاف والبحث والتعب وراء فك الالغاز و اسرار النص الغير المکشوف؟ لو جاوبنا علی هذه الاسئلة بشکل مدروس حينها يکون بمقدورنا تميز النص الحي المتعدد المعاني و الافق مع نص ولد ميتا و لن يترك عندنا أي جديد ولا يحرکنا من الاعماق، حتی القيمة الجمالية في تلك القصائد تکون شائعة و مررنا عليها سابقا اثناء قراءاتنا.

من الخطأ الفادح ان نقلص مساحة  الشعر في الاحاسيس والتجارب اليومية فقط، فهو مزيج بين الخطاب الحسي و الفکري و الروحي، فتطور مسيرة الحياة علی کل الاصعدة يتطلب منا ان نبني شيئا مغايرا و متطورا علی ما بناه أسلافنا و نجدده في آن معا کي نستطيع مواکبة عصرنا، أي مخاطبة فرد واع و مطلع علی مجريات الامور والمستعين  بالتكنلوجيا الحديث، فلعل هذا  السبب  هو الجوهر في ظهور وبقاء لأسماء شعراء قلائل في کل حقبة زمنية و نحن بدورنا نقرأ ابداعاتهم و كأنها کتبت في يومنا هذا، لأن لغتهم الشعرية هي خارج  حدود الازمنة والامكنة و أخرجوا ضميرهم المخاطب منها أيضا ، و المٶسف اننا نادرا نخادف و نقرأ هذا النوع من الشعر في أيامنا هذه و في المواقع الادبية والصحف المقروءة، و هذا النوع من الابداع و أثناء الترجمة الی اللغات المختلفة سيبقی شعرا في کل اللغات، لأن سحر اللغة المستعملة استعانت ببلاغة  المعنی والجانب المعنوي، ليست الاکتفاء و الوقوف علی اختيار کلمات  جميلة و نادرة، لأن هذه الکلمات علی سبيل المثال لربما ليست لها نفس الشبيهة في لغة أخری، فالمدارس النقدية والشعرية الحديثة عالجت کل حيثيات و صغائر الامور في الابداع الشعري علی مر العصور، فتشابکت العلاقات بين علم النفس والتأريخ و الفيزياء و علم الاجتماع والفلك و….. مع الادب، يبقی علی الشاعر الاطلاع عليها و الاستفادة منها لخلق عالم جديد باسلوب مغاير، فليس الالهام يعتبر کل شيء أثناء کتابة الشعر بل اختيار التقنية المناسبة والحديثة هي الاهم، کيف يلعب بالالفاظ  و يکون واقعا شعريا جديدا بدلا من تصوير واقع نعايشه و نلامسه!

يعتبر هذا الموضوع نقطة تحول مهمة لکل من يريد ان يکتب شعرا و يود الاتيان بالجديد وحسب الاستطاعة، لأن هذا الهم فقط ينحصر عند کل من يٶمن بنظرية الشعر للشعر و قد حاولت الشکلانية الروسية والسريالية  و غيرهم الکتابة بهذا الاتجاه و بهذه النية، لکن قليل من الشعراء ما يحبون الغوص في الحيثيات المعقدة لهذا العالم الشائك والمسبب للصداع احيانا، فأکتفي بهذا القدر من الكلام العام ها هنا و حاولت ان اجتنب الاتيان بالامثلة الشعرية کي لا أغضب أي شاعر، وأكثر الشعراء اصحاب شعور مرهفة، و کل الشعرائ بما لديهم فرحون، و نحن نحترم العالم الخاص بکل واحد منهم و قناعاتهم الشعرية، لأنه بالتأكيد ان کل ما يکتبونه بأسم الشعر هو نوع من الشعر ولکن علی مستويات متفاوتة، وانا اعتبر نفسي متابعا شعريا و لست في منزلة ان أرشد الناس الی ما أقتنعت بە، لکن هذا هو فهمي للشعر الجيد خلال تجربتي في العقود الثلاثة الماضية ولحد الان. و يعتبر آرثر رامبو مثالا حيا لتوثيق هذا الکلام، فهو في بداية مسيرته الشعرية جرب أكثر أنواع الشعر وبأسلوبه المتجدد المبدع الی ان ختمە بـ(الاشراقات) واکتفی، لأن هذه النقطة من الصعب اجتيازها.

يمكنك الاطلاّع على الجزء اللّاحق :

حول تقنية الشعر/ الجزء الثاني

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: