حول التجانس في جنازة لينا بن مهنّي

img

حول التجانس في جنازة لينا بن مهنّي

إن جنازة لينا بن مهنّي لم تكن جنازة كلاسكية – وهذا ما اكتشفناه لاحقا – لفقيدة ترجّلت من فوق بغلة الحياة بل كانت جنازة مهيبة  لمهرة جامحة كما الماء تماما  لم تعرف الوقوف أو التوقّف و” لم تعفّر في مسالك الحياة الجباه” على حد قول شاعرها سعدي يوسف الذي أشادت به  في الأيام القليلة السابقة لرحيلها وهي تستشعر وجودها عاطفيّا و حسيّا ببغداد  .

إن مقود الجنازة لم يكن بيد العائلة و إن تدخّلت فيه بتحديد مسارٍ مرتبطٍ بالخطوات اليومية للينا بن مهنّي باتجاه البحر ، ذاك المسلك الذي دأبت” بنت البحر” وهي القادمة من الجزر الفاتنة – و نقصد جربة – ان تسلكه في ساعات ضيقها أو اتّساع الأفق أمامها ،

قبل الخروج الأخير  للتابوت تقدّمت أخوات لينا و رفيقاتها لتنظيم الصفوف و تحديد المسار – و قد كنت قريبا من هنّ حين انزوين – باتجاه البحر في آخر الزقاق في اجتماع مضيّق استعدادا للجنازة لهذا زعمت أنّ المقود كان بيدهن و لم يكن بيد العائلة- وهنّ ايضا من بنات العائلة – ، تقدّمت الاخوات و الرفيقات ليلتمسن من الحضور الكثيف الوقوف في صفين متقابلين مختلطين ، و الاختلاط هنا أمر طبيعيّ بل أكثر من طبيعي في سياق متاجنس فكريّا ، لم نشعر الحقيقة أن الأمر غريب عنّا و لم يستفز الأمر أي حاضر من الحضور لاننا منذ البدء – قبل تنظيم الصفوف-  كنّا في تمام اختلاطنا و لم يضف طلب الوقوف في صفوف غير القليل من التنظيم ولا نزعم ان الاخوات و الرفيقات اللواتي تقدمن لطلب التنظم قد غيّروا شيئا في المشهد العام للجنازة المتجانسة بطبعها , هذا يعني ان العملية لم تكن مفتعلة  لا بل قد أجزم ان الجنازة كانت ستكون بنفس  تلك الشاكلة لو تركت للعفويّة أن تسيّرها ببساطة لأنها بنت سياقها تشبه من فيها و تتطبّع بطباعهم  ، و لانّ الماء لا يعرّف بغير الماء كان انسياب الجنازة مهيبا و هي تتقدم باتجاه البحر و تم التداول على حمل النعش بنفس تلك الانسيابية و السلاسة من دون ان ننتبه لجنس حامل النعش فلا فرق عندنا بين مريم بريبري او أحمد الصديق  وهما يتناوبنان على حمل أوّل النعش  لا بل نزعم ان الانتباه ” للجرم ” الكبير الذي اقترفناه لم يتم الا آخر الليل بعد عودتنا من مقبرة  الجلاز من خلال صفحات الحقد الاجتماعي  و أبواق التكلّس ، ما بدا لنا طبيعيّا وسلسا أربك سير  القوافل المشدودة أطنابها لخيام البداوة و التخلّف ببساطة لأنهم خارج السياق ،سياق التاريخ ، سياق الجنازة و من فيها ،فمن حضر مرتبط بالسياق و لم نر ايّ غريب عنّا و من غاب – و غيابه شرعيّ و لسنا بباب افتقاده أو لومه – فهو خارج السياق فمن الطبيعيّ ان تستفزه جنازة لا يرى نفسه فيها و  لا نراه فيها  بل قد يربكه تجانسها و انسيابيتها، و قد أراني متأكدا أنهم سيجدون ألاف الأسباب لقذف الجنازة بالحجارة ، حضرت النساء او لم تحضر ، رفعت النعش النساء او لم ترفع في كلّ الحالات السوائل المختلفة عن الماء لن تتجانس معه ولو سكبت بنفس الكأس او الإناء، ختاما نرى أنفسنا من ماء الحياة في تمام تجانسنا ننساب في أديم الارض لنغرس فيها  سنديانة أو زيتونة .

جمال قصودة

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: