حوار مع طفلة في السبعين (مادلين غوبيل)

img
حوار مع طفلة في السبعين (مادلين غوبيل)
أجرى الحوار وعرّبه وقدّمه: كمال الزغباني
في مطار وهران-السانية (مطار صغير ونظيف لكنه لا يقدّم المشروبات الكحولية) التقيتها. كانت تنتحي ركنا قصيا بالمقهى الصغير وتحتسي قهوة سوداء. كانت –على خلاف كل الموجودين هناك- تعانق كتابا وتخط على هوامشه ملاحظاتها. كان ذلك من بين ما جعلني أتعرّف عليها رغم أن تلك كانت المرّة الأولى التي ألاقيها خلالها. بلّغتها تحيّات الأصدقاء الذين عرفوها بتونس (لاسيّما عبد العزيز العيّادي) والذين كانوا حدّثوني عنها على نحو جعلني متحرّقا للقائها. وازداد طربي بها حين أرتني عنوان الكتاب الذي بين يديها: حوارات جيل دولوز مع كلار بارنيت. قالت أنها أغرمت بدولوز في البرازيل إبان تعرّفها على شاب من هناك كان لا يفتأ يقدّم نفسه على أنه “دولوزي”. وحين أعلمتها أنني كنت بصدد إنهاء أطروحة عن دولوز أبدت من الاهتمام ما جعلنا نواصل التطرّق إليه خلال العشرين كيلومترا التي قطعناها من المطار إلى منتجع “الأندلسيات” بضاحية “عين الترك” الذي كانت ستجري فيه وقائع الملتقى الدولي حول الفلسفة والسينما ببادرة من أصدقائنا بقسم الفلسفة بجامعة وهران.
خلال أيام الملتقى الثلاثة كانت تحرص على حضور كل المداخلات مبدية في كل مرة قدرة على الإصغاء غير معهودة. وحتى حين كانت المداخلة تلقى بالعربية كانت تتابع حركات وتصويتات المتدخل بتركيز جعلني أوقن بأن لها عينا سينمائية نافذة وأذنا موسيقية مرهفة. وحين أزفت ساعة تقديمها عملها تملّكتها حالة من الحماسة جعلت عينيها تلتمعان بألق طفولي ووجنتيها تحمرّان تهيّبا. قبل أن تعرض علينا وثيقتها السينمائية عن سارتر وسيمون دي بوفوار حدّثتنا بإيجاز عميق ومؤثر عن تجربتها الثرية تلك مشدّدة بالخصوص على الأثر الذي تركته في كيانها عشرتها لذلك الزوج الإبداعي الفريد ولطائفة المفكرين والمبدعين الذين تعرفت إليهم من خلالهما.
بين جبل وهران الشامخ ومينائه العريق تابعنا محادثاتنا عن السينما والفلسفة والأدب والسياسة والحياة بتلقائية شخصين يعرف كلاهما الآخر منذ عشرات السنين. من تلك المحادثات جاء هذا الحوار الذي أنجزناه فيما بعد إلكترونيّا…
– من هي مادلين غوبيل؟
– كندية من مواليد أوتاوا. بعد تكوين أوّلي في مجال الفنون والعلوم السياسية بجامعة أوتاوا تحصلت على الأستاذية في الأدب المقارن من جامعة مونربال (1963). اشتغلت أستاذة مساعدة في الأدب الفرنسي بجامعة كارلتون بأوتاوا (1964-1971). بالتوازي مع عملي الجامعي مارست الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية. ونشرت عددا من المقالات وخصوصا من الحوارات مع ثلّة من أهم مفكري ومبدعي القرن العشرين (سارتر وسيمون دي بوفوار وميشيل لايريس وناتالي ساروت وجان جينيه…). لمّا كان عمري 15 عشر سنة شرعت في مراسلة المفكرة النسوية الكبيرة سيمون دي بوفوار. وفي سنة 1958 تعرّفت عليها مباشرة لتنشأ بيننا صداقة متينة اتصلت على مدى أكثر من ثلاثين سنة.
سنة 1974 شغلت خطة مستشار لدى اليونسكو ضمن قطاع “التعددية الثقافية”. وفي السنة الموالية سمّيت رئيسة للقسم الثقافي ثم مديرة لقطاع الفنون والحياة الثقافية. ولم أغادر المنظمة إلا سنة 1997. منذ ست سنوات أطوف مدن القارات الخمس وجامعاتها ومركّباتها الثقافية لعرض هذا الفيلم الذي يخلّد حياة هذين المفكّرين والمبدعين الذين أعطيا لحياتي معنى ما كان ليكون لها لولاهما.
– ما صلتك بالقراءة والكتابة؟
– يتعلّق الأمر بصلة أساسية هي التي تشكّلني على نحو ما. لقد أنقذت القراءة حياتي. مذ أمسكت بين يدي كتابا لأتهجى حروفه وأنا في الخامسة من عمري عشت اندهاشا لم يغادرني البتة من حينها. لقد فهمت أن هناك “حياة أخرى” أكثر امتلاءا من الحياة اليومية. فضاء أفضل ومتوحّد لا ينتمي إلاّ إلي ويتماهى مع حريتي. لقد أحببت دوما الأدب الذي يغرق في الحلم ويهز الكيان. لذلك قرأت كثيرا ومازلت أقرأ الروائيين الكبار مثل ديدرو وماريفو وبلزاك وفلوبير وستندال (وهو المفضّل لديّ) وموران وسلين ولاربو وبروست وكافكا وسارتر وسيمون دي بوفوار وفرجينيا وولف وجاين أوستن ونابوكوف وفيليب روث وغيرهم كثير ممّن لهم أكوان أغطس فيها مباشرة. إنهم بمثابة المنارات بالنسبة إلي. معهم أغادر هذه الحياة اليومية المحبطة غالب الأحيان والغارقة في هموم تجارية ونفعية والمنذورة للتكنولوجيات الجديدة لأغوص في عالم يمكّنني من اختراق القرون والظروف المختلفة وحيث أعبر قصص حب وحيوات مجهولة والموت الذي سآتيه يوما. إنه عالم على درجة مبهرة من الكثافة. هذا الهوس بالقراءة أزعج كثيرا أهلي وبعض أقاربي لأنه كانت دوما هناك كتب من حولي وعندما تنتهي الأحاديث أو تشعرني بالسأم لم أكن أفكر سوى في العودة إلى الكتب سواء كنت مسافرة أم بالمنزل. وإنك لتجدني دوما حزينة عندما أشارف على الصفحات الأخيرة من كتاب عظيم مثل “آنا كارنينا” لتولستوي مثلا. لأن واقع الكتاب قد صار بالنسبة لي أكثر أهمية من الحياة اليومية فتجدني أفاجئ نفسي وأنا بصدد التحاور مع الشخوص الذين غدوا أصدقاء لي وملئوا عالمي الذهني.
– كيف كان لقاؤك مع سيمون دي بوفوار وجون بول سارتر؟
– هي دوما مسألة قراءة. خلال سنوات المراهقة بكندا حيث كنت أتابع مشروعي في “قراءة كل شيء” اكتشفت من بين ما اكتشفت أعمال أندريه جيد وجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار.ولقد اهتززت حميميا لدى قراءة “الجنس الثاني” الذي صدر لسيمون دي بوفوار سنة 1949 هذا المؤلّف الحاسم عن الوضع النسائي والذي يبدو لي أنه ما يزال راهنا. لقد قلت لنفسي: “لن أكون وحيدة أبدا بعد الآن”. فسيمون بوفوار تصدح في كتابها عاليا بأنه من الجوهري أن تنال النساء ذات الحظوظ الممنوحة للرجال وأنه عليهن أن يتحمّلن بالكامل جدارتهن ككائنات إنسانية. وهي تفضح عبر تحليل صارم ميكانيزمات الهيمنة عبر بيان أن الصعوبات التي تلاقيها النساء مرتبطة بوضع وليس بطبيعة. لقد كان ذلك درسا عظيما في الأمل وفي الطاقة. لقد أذهلتني حياة سيمون بوفوار وأعمالها من جهة ولعها بالحرية الذي كنت أجد فيه نفسي. لكني كدت أطرد من جامعة أوتاوا في بلدي كندا لأني كنت أقرأ هؤلاء الكتّاب المنعوتين بالإصبع من قبل كنيسة روما (كانت تلك السنوات الخمسون حيث كانت الظلامية منتشرة). وكتبت حينها إلى سيمون دي بوفوار كما لو كنت ألقي قارورة في البحر. وبعد أن أجابتني ظللنا نتراسل طيلة سنوات ثلاث. حين بلغت الثامنة عشر من عمري سافرت إلى باريس حيث تعرّفت عليها ونشأت بيننا صداقة عميقة. كنا نتحدث عن كل شيء وخصوصا عن الكتب، فقد كانت قارئة لا تقل عني شغفا. لقد كانت سيمون دي بوفوار شديدة الكرم تجاهي إذ عرّفتني على أصدقائها ميشيل لايريس وجان جينيه وخصوصا سارتر الذي كنت دوما معجبة به وخصوصا من خلال “الغثيان” و “وضعيات” وكتاباته السير-ذاتية.
– وماذا عن هذا الفيلم (جون بول سارتر وسيمون دي بوفوار – بورتريه متقاطع) الذي أنجزته سنة 1967 وأنتجه راديو كندا؟ كيف غدا ممكنا علما وأن علاقتهما بوسائل الإعلام لم تكن دوما على أحسن ما يرام؟
– من جهة المبدأ لم يكن سارتر وسيمون دي بوفوار ضد وسائل الإعلام. ولكن منذ صدرت كتبهما هوجما بشدة من قبل هذه الوسائل التي كانت تقدمهما على أنهما شخصان فضائحيان مثيران للجدل وساعيان إلى إفساد الشبيبة. لقد أغضب “الجنس الثاني” إبان صدوره أوساط اليسار واليمين معا. ولقد ذهب الأمر بألبير كامو (الذي يعجبني كثيرا) إلى أن يكتب أن سيمون دي بوفوار “قد جرحت الذكر الفرنسي”. وكما هو واقع اليوم فإن المقالات الأكثر غلوّا كانت تلقى صدى واسعا وتتسبّب في بيع هذه النشرية أو تلك. كان هناك أيضا الانشقاق الأكبر سنة 1962 بخصوص الحرب في الجزائر. فسارتر ودي بوفوار لم يكونا يرغبان في الظهور على شاشة التلفزة الفرنسية بسبب معارضتهما للجنرال دي غول. في ذات الوقت لم يكن يلقى بال في فرنسا وقتها لتقديم بورتريه مرئي ومسموع عن كبار الكتّاب أو كبار الفنانين. لم يكن ذلك مربحا تجاريا, امّا عني فقد كنت أساهم (إلى جانب وظائفي كمدرّسة للأدب بجامعة كارلتون بأوتاوا) في برامج أدبية واجتماعية في تلفزة مونربال. من ثمّة أمكنني أن أقترح على سيمون دي بوفوار أن أنجز عنها وسارتر فيلما لصالح راديو كندا. وقد ساهم معي بصفة محاور الصحفي كلود لانزمان الذي يعرف جيّدا عالم سارتر وسيمون بوفوار. كانت هذه الأخيرة بالخصوص ترغب في ترك أثر سمعي بصري وفي أن يتمّ إنجاز الفيلم مع أصدقاء حتى يتسنّى لها أن تقول ما كانته هي وسارتر وما فعلاه. إنها صورة فريدة لكاتبين.
– كان المشهد الثقافي في الستينات والسبعينات على درجة مذهلة من الثراء ومن التعقيد (خصومات سارتر مع كل من كامو ومرلوبونتي، حرب الجزائر، حركات التحرير ومواقف المثقفين منها، ماي 68 …) كيف أمكن لشابة مثلك قادمة من أونتاريو أن تشق لها طريقا وسط تلك الغابة؟
– كانت تلك في الواقع فترة مشوّقة. في بلدي أيضا كان “كل شيء يتقوّض”. وهو ما سمّي وقتها بـ”الثورة الهادئة”. كان الشبيبة مشدودة إلى الحرية ومن ثمة صار سارتر نوعا من المثل الأعلى. لقد كان مطلوبا من الجميع وكان يستقبل “المعذبين في الأرض” وقتها من أفارقة وكوبيين وفيتناميين. كانت هناك نقاشات كثيرة في المقاهي. وكان المسرح بالخصوص، بفضل سارتر ويونسكو وجينيه وبيكيت على درجة كبيرة من الثراء. كنت أراقب كل شيء وأتابع كل ما يحدث وأقرأ كثيرا. كانت سيمون دي بوفوار تحدثني عن حرب الجزائر حيث كان التعذيب يثير سخطها. وقد مكّنني كل من سارتر وجينيه وسيمون دي بوفوار بين 1964 و1965 أي قبل الفيلم الذي أنجز في 1967 من حوارات نشرتها في عدد من الجرائد والمجلات. وقد كنت أوّل من أجرى حوارا مع جينيه. كنت مطّلعة على جميع أعمال هؤلاء الكتّاب وكانت ملاقاتهم تبدو لي أمرا طبيعيا. ولم أدرك إلا بعد ذلك بكثير أنه قد أتيحت لي فرصة استثنائية,
– ما الذي بقي راسخا في ذاكرتك من هذه التجربة الثريّة؟
– اكتشاف باريس التي كنت أحلم بها منذ سنوات المراهقة وملاقاة مثقفين وكتاب كنت معجبة بأعمالهم ومنحوني صداقتهم. أحفظ ذكرى منبهرة عن حرارة الحوارات وعن جمال اللغة وعن أريحية هؤلاء العظام الذي كانوا يفوقونني سنّا تجاه الفتاة الشابة التي كنت وعن كرمهم الصادق وقراري على غرارهم ألاّ أتنازل قيد أنملة فيما يخص مسألة الحرية. لم يتم تعويضهم ومن ثمة فإن المشهد الثقافي الفرنسي لم يعد والحق يقال بذات القيمة. خلال هذه الجولة العالمية التي تملأ حياتي منذ ست سنوات وحيث أكرّم سارتر وسيمون دي بوفوار في الجامعات والمركبات الثقافي عبر القارات الخمس ألاحظ عودة الاهتمام بهذين الكاتبين. أفكّر فيهما كثيرا وأسمع صوتيهما وأفاجئ نفسي أحيانا مرددة جملهما وأنا أتجوّل في شوارع باريس التي أحبّاها كثيرا وأسعى إلى إيصال رسالتيهما إلى الشباب على وجه الخصوص.

المصدر : صفحة

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: