حوار مع سمير أمين : الربيع العربي في قلب العاصفة

img

حوار مع سمير أمين : الربيع العربي في قلب العاصفة*

ترجمة : سعيد بوخليط

س – كل ذلك خلق شروطا لمواقف التمرد أو ”الربيع”العربي والتي انتهت حتى الآن،بانتصارات انتخابية –غير مستغربة كثيرا بحسبكم – للإسلام السياسي،في مصر وتونس؟

ج-كان التقاء أنظمة مع النيو- ليبرالية وكذا الخضوع إلى واشنطن،فظا وكليا في مصر حقبة السادات،ثم أكثر تريثا واتزانا لدى الجزائر وسوريا.لقد أعدت التذكير في كتابي،أنه لا ينبغي فقط اعتبار الإخوان المسلمين،مجرد ”حزب إسلامي”،لكن قبل كل شيء،هو حزب رجعي جدا،ثم إسلامي ثانيا.جماعة رجعية، ليس فقط بخصوص ما نسميه بالأسئلة المجتمعية(الحجاب، الشريعة، التمييز نحو الأقباط) ،لكن أيضا ما يتعلق بالميادين الجوهرية للحياة الاقتصادية والاجتماعية : يرفضون الإضرابات،الاستحقاقات المرتبطة بالعمل،النقابات المستقلة عن السلطة،وكذا حركة النضال ضد مصادرة الأراضي من الفلاحين،إلخ.الإجهاض المخطط له ل”الثورة المصرية”،يضمن إذن استمرارية النظام الذي أرسى دعائمه السادات،على قاعدة التحالف بين قيادة الجيش ثم الإسلام السياسي.يبقى أن نفس الأسباب تؤدي أحيانا إلى ذات النتائج.ماذا ستعتقده وتفعله الطبقات الشعبية في مصر وتونس وهي تتابع تقهقرا بدون رحمة لأوضاعها المجتمعية،مع مواكب البطالة وتسيّد الهشاشة،دون الحديث ربما عن التراجعات الأخرى المتأتية من تفاقم الأزمة العالمية للعولمة الرأسمالية؟ولا يبدو مع كل ذلك،أن اهتمام الفاعلين السياسيين الرئيسيين،يتجه صوب أيّا من تلك الأسئلة المصيرية.بحيث حدث كل شيء كما لو أن الهدف النهائي ل”الثورة” اكتفى بفوز انتخابي سريع ،وأن المنبع الاستثنائي لشرعية السلطة يتحدد في الصناديق.لكن تقوم شرعية أخرى،أسمى تتمثل في مواصلة النضالات من أجل تحقيق التقدم المجتمعي والدمقرطة الأصيلة للمجتمعات ! مدعوة هاتان الشرعيتان لمواجهات جدية مستقبلا.تشكل قضية التسييس الديمقراطي في العالم العربي، كما الشأن في أمكنة أخرى،محور التحدي المركزي.

س-حاليا تتجه الانشغالات نحو الوضع في سوريا .لماذا،في تصوركم،نجد أنفسنا وسط طريق مسدود مع هذه المأساة المتصفة بعنف وكذا تعقيد غير مسبوقين؟

ج- لقد حظي النظام البعثي في سوريا بشرعية،تعود إلى نفس مبررات الأنظمة الوطنية الشعبية خلال حقبة سابقة. ثم بعد ذلك انضم مثل باقي تلك الأنظمة إلى صف الليبرالية المتوحشة.بالتالي، قادت الكارثة الاجتماعية المترتبة عن ذلك نحو نفس النتائج التي حدثت في بلدان أخرى :تصاعد الاحتجاجات الديمقراطية، والاجتماعية المشروعة تماما،ثم جواب النظام بالقمع المتفاقم.إذن،غير مطروح بتاتا للنقاش مسألة شرعية ثورة الشعب السوري.يبقى أن تدمير سوريا،يمثل هدفا للتحالف الثلاثي،الجامع بين أمريكا وإسرائيل والعربية السعودية،الذي يوظف الإخوان المسلمين لتحقيق مخططه.انتصارهم المتوقع – بالتدخل العسكري الأجنبي أو بدونه – سيحدث تشظية للبلد وكذا تقتيلا للعلويين والدروز والمسيحيين.لكن،لا يهم  بالنسبة لهؤلاء،مادامت غاية واشنطن وحلفائها،ليس تحرير سوريا من ديكتاتورها،بل تحطيم البلد،كما حدث في العراق وليبيا.اليوم،المعارضة المسلحة،التي يدعمها الإسلام السياسي الوهابي،عاجزة عن تحقيق الانتصار سوى بتدخل خارجي.والحال، أن عملية تشرعنها  الأمم المتحدة،غير واردة ،مادام هناك اعتراض للصين وروسيا.أيضا، تركيا، العضو في الحلف الأطلسي،والتي تلعب دورا تقريبا حاسما بخصوص الدعم العسكري انطلاقا من قواعدها،بدأت تنزعج من تجدد نشاط المقاومة الكردية،الموضوع الذي لايُتطرق إليه.في خضم كل ذلك، تعيش المعارضة الشعبية الحقيقية،مأزقا محرجا.من جهة، لاتريد الانضمام إلى المعارضة الإسلامية المدعومة من الغرب وفي نفس الوقت ترفض النظام.يتمثل الحل الوحيد المقبول،في مبادرة النظام إلى التفاوض مع الحركة الديمقراطية والاجتماعية من أجل تحقيق إصلاحات جوهرية للشعب السوري.إذا بقي النظام عاجزا عن استيعاب تلك المعادلة،فلا شيء سيوقف مسار المأساة كي تبلغ أقصى مستوياتها. كذلك،الهدف الذي يلوح بطيفه من وراء تحطيم سوريا،يتجه مباشرة إلى إيران،بالتعلل وراء خدعة سلاحها النووي. معياران ومقياسان،كما الشأن دائما:العتاد النووي العسكري الإسرائيلي،لا يثير أي ملاحظة !

س-هل ينبغي التعامل بجدية،بخصوص الجبهة الإسرائيلية –الإيرانية،مع تهديدات تل أبيب الموجهة إلى طهرن؟

ج- لايمكن لإسرائيل بمفردها، تهديد إيران،وغير قادرة على القيام بذلك دون دعم عسكري ولوجيستيكي من طرف الولايات المتحدة الأمريكية،بحيث لن يتجاوز دور إسرائيل أن تكون مجرد وكيل مفوض للتنفيذ.إذن، يعود القرار إلى واشنطن،الرافضة حاليا التدخل،لأن ذلك يثير سخطا شعبيا قبل الانتخابات.

س- لكن بغض النظر عن الانتخابات ؟

ج-التهديد قائم دائما.

س-هل يمكن القول أننا نعاين استمرارا لتفعيل مشروع “الشرق الأوسط الكبير”؟

ج-هدف الولايات المتحدة الأمريكية وكذا حلفائها المنضوين في الحلف الأطلسي بالنسبة ل”الشرق الأوسط الكبير”،يتمثل في إذعان بلدان معينة لمقتضيات امتداد العولمة مثلما هي،والتي تحقق مكسبا استثنائيا لصالح الاحتكارات الامبريالية.خلف هذا السعي، يتعلق الأمر بضمان سيادة ”الشمال”،بمعنى احتكارات الثالوث : الولايات المتحدة الأمريكية، أوروبا، اليابان،وخاصة ضمان وضعه الأيادي مطلقا على الثروات الطبيعية الكونية،كي يستثمرها بيئويا  بالكيفية المفجعة، كما نلاحظ. أما التيمات الزائفة ثقافيا التي تستدعى بهذا الخصوص(الدفاع عن الديمقراطية،يخضع بدوره إلى تآكل مستمر في بلدان الشمال،حرب الحضارات،إبداع”حق قانون التدخل الإنساني”) فتحضر هنا من أجل إخفاء الهدف  الحقيقي.سياق ينطوي بصراحة على إبطال القانون العالمي وكذا احترام سيادة الدول،وإشعال حروب. هكذا، تندرج الحروب ”الوقائية” أو ”التحضيرية” الجارية في الشرق الأوسط، ضمن هذا الأفق.إنها تقتضي فقط من شعوب الجنوب توسعا في نسبة أعداد حثالة البروليتاريا وليس شيئا ثانيا. إنه نظام ”لا يمكن احتماله”،ليس فقط نتيجة أسباب إيكولوجية معروفة،لكن بذات القدر،جراء الكارثة السياسية والاجتماعية المصاحبة له.

س –ماهي بدائل هذه الاستراتجيات المفجعة؟

ج-أعتقد أننا نعيش ”خريف الرأسمالية”.موجة الحركات التحررية التي نظفت أمريكا الجنوبية سمحت بتطورات واقعية على مستوى اتجاهات، تتمثل في دمقرطة الدولة والمجتمع، إعادة تسييس الشعوب،تبني مواقف مهمة مناهضة للامبريالية،ثم الانخراط في طريق إصلاحات اجتماعية تقدمية.يكمن المحور المركزي لهذا التحدي في الترسيخ على أرض الواقع لمواطنين قادرين على صياغة مشاريع مجتمعية بديلة، وليس فقط تصور ”تناوب” دون تغيير، بانتخابات تفتقد لأية حمولة !انتفاضات متوقعة في القارات الثلاث الأساسية (آسيا، إفريقيا، أمريكا اللاتينية)التي تظل،أكثر من أي وقت مضى،منطقة للزوابع.إذا استطاعت هذه الحركات الاقتراب من اليقظة الأخرى،أي يقظة عمال المراكز الامبريالية،يمكن حينئذ لمنظور اشتراكي أصيل التبلور لدى الإنسانية قاطبة.


*هامش :

La revue « Le patriote » 18 septembre 2013.  

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.