حوار مع خالد الحمروني ( أبو شادي ): البحث الموسيقي ، انتفاضة الخبز ، بلقاسم اليعقوبي ، اليسار التونسي ..

img
حوار مع خالد الحمروني ( أبو شادي ):
البحث الموسيقي ، انتفاضة الخبز ، بلقاسم اليعقوبي ، اليسار التونسي ..
حاوره : جمال قصودة 
1/ خالد الحمروني كيف يمكن ان تقّدم نفسك لقرّاء موقع أنتلجنسيا خاصة هؤلاء الذين لم يعايشوا انطلاقة مجموعة البحث الموسيقي بقابس؟
  •  بعد تقديم اجمل التحايا الى قرّاء موقع انتلجنسيا والمتابعين والمهتمّين بالشأن الثقافي والابداعي يشرّفني القول اني مواطن تونسي عاش مراحل متتالية من التراكم الحياتي والمجتمعي في مدينة قابس بالجنوب التونسي ثم في تونس العاصمة، مراحل متعاقبة جمعت بين الدراسة والتعلّم والمعرفة والعمل الميدان النضالي التلمذي والطلاّبي ثم تجربة مهنية طويلة في الوظيفة العمومية انتهت بالاحالة على المعاش منذ سنتين.
2/ حول الانطلاقة وعذاباتها ورحلة التحدّي التي رسم طريقها أعضاء المجموعة ماذا يذكر خالد الحمروني ؟
  •  انطلاقة تجربة مجموعة البحث الموسيقي بقابس كانت مليئة بالحماس والشجاعة وآتّساع الحلم، حين أُتّخذ قرار الانطلاق في التجربة لم يكن هنالك ايّ نوع من التلكؤ أو الخوف أو التردّد، حسمنا أمرنا بوضوح لخوض تجربة غنائية/ فنيّة تقطع مع السائد الفنّي في جميع مظاهره وتلتحم مع واقع الناس، الواقع المختلف المتنوّع المتجدّد لتكون تعبيرة مقبولة مستساغة محبوبة بعيدا عن الابتذال وعلى مجارات متطلّبات ” السوق ” والذوق المستهلك.
3/ حول الالتزام والهاجس الجمالي ، ألا تشاطرني الرأي أن الأغنية الملتزمة في تونس نجحت في أن تكون حمّالة لمضامين ثوريّة ولكنها فشلت في الاختبار الفنّي الجمالي خاصة موسيقيا ؟
  •  اشتعلت مجموعة البحث الموسيقي بقابس كإحدى مكوّنات الأغنية البديلة من البداية على وحدة الشكل المضمون، الوحدة الجمالية ضرورة مطلقة، لذلك أيّ فصل في التقييم بين الكلمات واللحن والأداء والتنفيذ يكون مجحفا في حقّ الأثر الفنّي، والموسيقى قراءة جديدة ومتجدّدة للنصّ وولادة أخرى للكلمات، لذلك الالتحام بين النص واللحن في البداية يولّد وحدة جمالية بالضرورة والتقييم يجب ان يتمّ لتلك الوحدة في ذاتها وعلى أساسها ولا لعناصرها كل على حدة… ثم على مستوى موسيقى فنّي وتقني لا يمكن استعمال نفس أدوات النقد المتداولة في الأغنية السائدة على الأغنية البديلة لسبب بسيط وهو اختلاف الأهداف والغاية والمضمون.
4/ عن بلقاسم اليعقوبي شاعرا وفاعلا ثقافيا متعدّد المواهب هل من شهادة مختلفة لم يتطرّق إليها الأصدقاء الذين عايشوه وحاولوا تخليد ذكراه ؟
  •  بلقاسم اليعقوبي مؤسسة ثقافية جمعت بين الإبداع الفني والفعل الثقافي، الإبداع في الشعر والشعر/ الأغنية والرسم والمسرح، والفعل الثقافي المتواصل من خلال المساهمات المتعددة في التظاهرات الثقافية من مواقع مختلفة،كان بلقاسم اليعقوبي ورشة إبداعية بتشكيله الفردي وكانت نظرته للفن جامعة وشاملة فكان بانوراما من الإبداع لذلك كان يؤذيه إلى حدود تلقيبه بالشاعر فهو الرسام والمسرحي والمونولوجيست والراقص والعاشق للإيقاع والمهتم بالفعل الثقافي والعمل الثقافي والحركة الثقافية بصفة عامة.كان بلقاسم يسبح في خيال شاسع وتسكنه أحلام كبيرة وكان يضيق به المدى كلما أعجب الناس بقصيدة جديدة له وكم من مرة رايته متضايقا قلقا بعد نهاية عرض أو سهرة من كثرة التصفيق والمبالغة في المدح والشكر والثناء وكان يقول نحن لم نقدم شيئا يذكر للناس إلى حد الآن لننال كل هذا التقدير.الراحل كان مشروعا جميلا لتأسيس المسرح الغنائي بكافة عناصره لقدرته على خلق الحركة داخل النص الابداعي وما يتطلبه ذلك من تفجير للموسيقي التي عليها الالتصاق بتلك الحركة عبر ضبط الايقاع وتنويعه وشحن النغمات والمقامات بالأحاسيس المتدفقة والمتسارعة لكسر كل روتين في السير اللحني ولنا في نجاح اغنية ” البسيسة ” احسن المثال لذلك، كما تميز بلقاسم بطريقة في الالقاء توحي وكأنه بصدد البحث عن الخروج من اطار الكلمات وضيق المعاني الى فضاء ارحب وذلك باستعمال التعبير الجسماني والحركة فوق الركح وعشقه للعزف المصاحب اثناء الالقاء وكذلك قدرته الفائقة على تلوين نبرات الصوت عبر الوصول الى الدرجات المختلفة للطبقة الصوتية، فيخيل اليك وبلقاسم فوق الركح انك بصدد مشاهدة مشهد درامي او كوميدي او متابعة “وان مان شو” .كما لا يفوتني ايضا التذكير بقدرة بلقاسم اليعقوبي الكبيرة على صياغة الحدث والتأثير فيه وعدم الاكتفاء بالمشاركة والمشاهدة وفي هذا المجال كانت لي معه تجربتان، الأولى إعداد وتنظيم احتفالات مجموعة البحث الموسيقي بقابس للذكرى الخامسة لتأسيسها سنة 1985 حيث ساهم معنا بقسط وافر في إنجاحها من خلال الإشراف على المعرض وإعداد الندوة الفكرية والثانية كانت أثناء إعداد وانجاز المؤتمر 18 الخارق للعادة للاتحاد العام لطبلة تونس وتحديدا داخل لجنة العمل الثقافي حيث كانت البرمجة الثقافية متميّزة وساهمَتْ بقسط كبير في نجاح المؤتمر وأضفت اجواء ممتازة على الحدث وكان لبلقاسم دور فعال في ذلك.واختم بهذه الجملة لبقاسم اليعقوبي: ” يموت المأزومون في ظلال ازمتهم المعرفية لا حزن على نصوصهم المرتبكة امام النشيد “كان اليعقوبي شديد الحركة بفكره الوقّاد ولا يكلّ من طرح الاسئلة الجديّة بعيدا عن المناكفة والخصام لذلك حاولنا مع جمعية توريس في المنصورة بقبلّي تطوير ذكرى الاحتفال برحيله الى ايّام ثقافية برؤية مختلفة تؤسّس الى فعل ثقافي بديل.
5/ باعتبار انكم من المنتفضين الذين عبّدوا شوارع الكرامة في انتفاضة الخبز جانفي 1984 ماهي الشهادة التي يمكن ان يقدّمها خالد الحمروني ؟
  •  يوم 3 جانفي 1984 بدانا بالذهاب باكرا الى المركب الجامعي بالمنار لحضور الاجتماع العام بعد ان قضينا الليل كله في الاعداد والتنظيم بالمبيت،وسط حماس شديد اُلْقِيَتْ بعض الكلمات التي يتطلبها الموقف ودعت خاصة إلى الانضباط، لتكون المظاهرة سلمية وجماهيرية وشعبية… وانطلقت الجماهير الطلابية من وسط المركب الجامعي في اتجاه منطقة الجبل الأحمر للالتحام بالجماهير الشعبية أولا وتجنب المواجهة المباشرة السريعة مع البوليس ثانيا …مررنا من منطقة الجبل الأحمر بسلام وسط الزغاريد والهتافات ثم منطقة العمران…وحين وصلنا إلى باب العسل، بداية الدخول إلى عمق العاصمة حيث كنا على مشارف قوس باب الخضراء وجدنا قوى كبيرة من البوليس متمركزة لمنعنا من المرور…وبعد مشاورات قصيرة بين قيادات المظاهرة تقرر المواصلة مهما كانت الظروف وحتى إذا تشتتنا يكون اللقاء بمحطة باب الخضراء او ساحة الباساج أي في عمق مدينة تونس العاصمة وكانت تلك هي الغاية…. وبدأ القمع الوحشي … وكنا تقريبا في العاشرة صباحا…وفجاة دوّى الرصاص وسقط أول شهيد برصاص الغدر انه الصديق فتحي فلاح الطالب بمعهد العلوم الفلاحية والزميل بالمعهد الثانوي بقابس…كانت الصدمة كبيرة ولكن العزيمة كانت اكبر فقررنا التفرق بسرعة وإعادة التجمع من وراء البوليس والمهم الوصول إلى قلب العاصمة…بعد ذلك تواترت الأحداث بصفة سريعة للغاية ومن مواجهة إلى مواجهة كنا نلتقي ونفترق نلتقي ونفترق….وحوالي منتصف النهار كان شارع باريس انطلاقا من الباساج وجزء كبير من نهج روما في يد المتظاهرين وكنا نتقدم بصعوبة ونحاول تشتيت قوى البوليس داخل الانهج والأزقة…كان الإصرار كبيرا للوصول إلى شارع بورقيبة من طرف المتظاهرين وكانت وحشية البوليس تفوق الخيال لمنع ذلك ودارت مواجهات عنيفة للغاية على مستوى تخوم الشارع الرئيسي وكان أقصى ما وصلت إليه من تقدم رفقة بعض الأصدقاء والشباب هو زاوية فندق ” تونس الدولي” على مستوى نافورة الماء التي كانت هنالك…كانت حالة من الرعب كبيرة سائدة اذ لم تكن لنا أي فكرة عن ما بعد الوصول لشارع بورقيبة لقلة عددنا من ناحية وكثافة الطلق الناري تجاهنا من فوق الأسطح من ناحية اخرى …كان القنص من كل مكان لمنع المرور وكان إصرارنا على المرور خرافي في انتظار وصول أفواج أخرى من الشباب ….كأنّ الشعار كان المرور إلى الشارع الكبير أو الموت ونحن كنا على بعد أمتار قليلة من الهدف….وفجأة جاء الموت من جديد أصيب شابان وسقط احدهما شهيدا… انه الفاضل ساسي، الرمز الأبرز لشهداء انتفاضة الخبز 3 جانفي 1984وتواصلت المواجهات واختلطت مع بعض مظاهر النهب والتكسير ولم يعد للشباب سيطرة على الوضع …كانت حالة حقيقية من التمّرد …كانت حالة شبيهة بالعصيان لان الأمن فقد السيطرة على الشارع ما عدى شارع بورقيبة ربما لرمزية ما …لذلك في الظهر نزل الجيش إلى الشارع وأعلنت حالة الطوارئ…
 
6/ البحث الموسيقي رافقت شيخ إمام في رحلة زيارته الفنية إلى تونس وكنت من المشاركين في العروض ، لو تنقل لنا تلك اللحظات ؟
  •  الشيخ إمام عيسى هو المدرسة التي نتتمي إليها والطريق الذي سرنا فيه اقتناع وحماس لذلك فهو دون منازع أستاذنا والمرجع الذي اعتمدنا عليه خلال مسيرتنا، لقاؤه في تونس ومرافقته في جولته الغنائية والمساهمة معه خلال تقديم عروضه كان شرفا عظيما حمّلنا مسؤولية كبيرة… كانت فرصة للتعرّف على الشيخ إمام الإنسان وما يحمله من رقة ولطف وشهامة وتواضع، وإمام المواطن المصري الذي عاش الأتعاب وذاق المعاناة بكل أشكالها وقاوم وناضل واستبسل…التجربة مع الشيخ إمام رسّخت لديّ القناعة انّنا كنّا على صواب في اختيار الطريق واننا اجتهدنا لتحقيق النجاح وان الخطوات كانت ثابتة ومدروسة، كانت أوقات فخر وعزّة.
 
7/ أمال الحمروني – شقيقتكم – أيقونة الأغنية الملتزمة في تونس ألا تشاطرني الرأي أنها تستحق مكانة أكبر في سماء الشهرة وطنيا وعربيّا وماهي معيقات الانتشار بالأمس و اليوم ؟
  •  آمال الحمروني دون منازع صوت له قدرة كبيرة على التعبير بفضل الشجن الطبيعي الذي يحمله ويصبغه، صوت يمتاز بقوّة التموّجات التي تستصيغها وتطلبها أذن المستمع في تعبيرات الفرح كما الحزن والحماس والرومانسية وغيرها، صوت يطرب وهو يعبّر عن جميع التعبيرات وذلك الطرب الأصيل فطري حين يؤدّي جميع الأشكال الغنائية من الدور إلى القصيد إلى الأغنية الشعبية…علاوة على ذلك فهي مثّقفة وصاحبة رؤية وموقف وفكر وفنّانة نادرة داخل الوطن العربي لذلك لا يمكن تصنيفها في خانة ضمن الفنانات/ المطربات كما تعوّد على ذلك الإعلام والنقد السائد وغربتها هي غربة المثقّف العضوي العربي بصفة عامة.
 
8/ حول اليسار التونسيّ والانتكاسات المتكرّرة ، ألا يحتاج هذا اليسار لمراجعة عميقة تخصّ الأساليب ، الهيكلة ، والخطاب الموّجه وما هي معيقات التحامه بالجماهير ؟
  •  افتخر بالانتماء مبكّرا إلى مدرسة اليسار الخالدة رغم عدم انتمائي الحركي أو التنظيمي في أي وقت أو مرحلة لأحد فصائله، كنت اعتقد ولا زلت أن العمل الثقافي عنصر أساسي لوحدة اليسار وتجميعه ورصّ صفوفه لمجابهة أعداء الوطن ومصالح الجماهير الشعبية، فالعمل على الجبهة الثقافية لا يقلّ أهميّة على العمل السياسي، والفنّ سياسة في خدمة عامة الناس والجماهير الشعبية والقضايا العادلة هذا إضافة إلى الدور الاستراتيجي في حماية عناصر الثقافة الشعبية الأصيلة بمختلف أشكالها وخاصة التراث اللامادي من الاندثار والتشويه والاضمحلال…
 
9/ خالد الحمروني وقد خلع عنه معطف العمل الإداري ما هي مشاريعه الفنيّة القادمة ؟
  • كل ما يشغلني حاليّا هو الكتابة والتقييم المتواصل للتجربة وبناء آليّات النقد الضرورية للتطوّر والمراكمة، وهي مهام صعبة ودقيقة وتطلّب الكثير من التجرّد والموضوعية،أمّا المشروع الحلم هو إنتاج أوبيريت غنائية مستمدّة من أحد عناصر التراث اللامادي المنتشرة داخل ربوع الوطن.
10/ كلمة أخيرة
  • اتمنّى للوطن السلامة والمناعة والعزّة ولكم جميعا اصدقائي الاعزّاء كامل النجاح والتوفيق والصحة الدائمة وشكرا مرة أخرى على الاستضافة.
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: