حوار مع النحاتة السورية نهاد حلبي أجراه السعيد عبدالغني

img

 

1.ماذا يمثل لكِ النحت ؟ولم اخترتيه من بين الفنون الأخرى؟

مؤكد، النحت أحد مذاهب الفنون اللغوية، له مفرداته التي تخصه بذاتها،نحن نمارس عملية صياغة متبادله لما سيقال ونعيد تشكيل أنفسنا على وقع التساؤلات ، أنا وهي وأقول هي لأني أتكلم من منطق الشراكه والتبادل بين كائنين. اللغه الفنيه البصرية على العموم والنحت خاصة يشكل مخرجا أو منقذا من أزمة إعادة الإستعمال المتكررة والمستهلكة للغة المحكية والتي في بعض الأحيان لا تلبي إحتياجات التعبير. النحت يمتحن شريكه ويعيد الطرح ولكن ليست ذات الأسئلة، هو الذي يعيد النظر في نقد أفضل ما يمكن طرحه، يُغني الحيّز الخاص لممارسيه ويثري الذات بقيمة القدرة على الخلق,  يبني, يهدم ومن ثم يعيد البناء من جديد.

لا يوجد أفضل من الميل الحميم (وهو أحد أسماء الحب) من أجل الإنضمام لمفردات النحت ولا توجد لدي أسباب واضحة أو مبررة لسبب إختياري النحت وكلي يقين بأن ما اختير عن تخطيط أو تفكير مسبق لا يعول عليه كثيراً, أن أجيب على سبب الإختيار كأن أسال نهر: لماذ مررت من هذا الوادي, أو لماذا يهطل الثلج على قمة الجبل في ديسمبر، مع العلم بأني لا اشكل الطين كصدفة عابرة، لكن يمكن القول بأنه تجاوب وتواصل مع حاله من الدواعي والرغبات, حالة إنسجام وليس من الضروره تبريرها لأني أعتبرها وأتقبلها كظواهر طبيعة لا داعي لنقاشها.

No photo description available.

 2.كنحاتة ما فرق الصلصال عن اللون والحرف؟

الجميل في الصلصال بأنه شريك (كما أسميته) عنيد ومطواع في ذات الوقت وكما حصل على الدوام,.عرضت مخلوقاتي الطينية في الحاله الحية لها والماء لا زال يغذي مسامها وبما انها آيله للجفاف, اقتطف حالتها الرطبه من أجل اقتناء المزيد من الحياة لها ومن أجل حثها على التغيير، بمعنى آخر، الشكل والحاله المعروضه فيها ليس نهائياً وأمنحها حرية التغيرأو التراجع عن خياراتي التي أقترحتها كنوع من الإخلاص لمشروع الشراكة،هذا ما يميز الصلصال أو الطين الرطب كما أسميته عن اللون الذي يختص بعالمه الواسع والجميل بالطبع والذي يحتمل الكثير من البحث والتجربة اللانهائية أما الحرف كلغة تعبير، بالطبع له أحبّته ورفقائه بحيث يتبادلون الشراكه ويعيدون صياغة ذواتهم كما أفعل أنا مع الصلصال.

Image may contain: 2 people

 

3.كيف تخططين لعملكِ في رأسكِ؟هل ترين النحوتة كطيف أولا؟

أستعمل لغة النحت كما أسلفت لأعبرعن وجهة نظري بما يخص ما أنتجته تفاعلاتي الحسيه وخيالاتي من مخلوقات وهياكل وحالات وجدانية مُتخيّلة تحتاج لأن تكوّن هويتها وتعثر على مساحتها وكنتيجة لحاجاتي الملحّة في التعبير يتداخل التخطيط مع التلقائية ويتعلق الأمر بخصوصية اللحظة وفرادتها ولا يخضع لتصنيف معيّن, أعتمد البساطة والعوده للذات ولعالمي الصغير والخاص الذي يحتويني وأحياناً أجد صعوبة في إنتاج وتوليف لغه نحتيّه لا تناظرها أو تجابهها غريزة الهدم التي تعادل غريزة البناء، حيث تلتقيان على باب خبرولادة منحوتة جديدة. أجمل ما يمكن أن يحصل وقد حدث ذلك مرات عديدة, بأن التلقائيه تغلب التخطيط وأنتج بخلاف ما كنت قد خططت وأحظى بنتيجه أفضل منه, هنا أعثرعلى أنقى وأصدق النتائج وأكثرها نبلاً بحيث أستطيع تحيتها لأنها تجاوزت حالة القرارات المسبقة والجاهزة التي اتخذتها بحقها وذلك يشعرني بالسعاده لأنها وجدت مكانها ومساحتها وهويتها كمخلوق جديد ولد بأقل رعايه وتخطيط مسبق بل برعاية الصدفة الخالصة النقاء.

No photo description available.

  4.هل جعلكِ الفن تكتشفي العالم أم تلغزيه أكثر؟

يمكن القول بأن الإكتشاف يؤدي للمزيد من التلغيز, يحدث أن تجري الأمور على هذا النحو: العالم مليء بالتساؤلات والطروحات تجاه الكينونة والوجود، تاتي اللغه النحتية كمفردات نبيلة وشفافة بما يكفي لتضع بعض أو جزء من الأجوبه التي تحتمل المزيد من الأسئله الإضافية، لا شيء نهائي ومحدد. هناك حالة من البحث عن أفضل الأجوبة لحل الأزمات الأخلاقية والوجدانية، من ثم يأتي الإتكال على أو الهروب إلى ما يمكن أن نثق بمصداقيته في طرح الأجوبة فالنحت بيت دافيء وحميم ويمكن الركون اليه في حالة التوق والتعب، لا أتعمد التلغيز كلعبة ولكن يمكن للجواب أن يطرح مزيد من الأسئلة التي تسمى ألغازاً وذلك يأتي كحاله مُعرّفه تتصل في جميع المسارات الفنية البصرية واللغوية.

5.التفاصيل في أعمالك عوالم أخرى؟ما أهمية التفاصيل بالنسبة إلى الفنان؟

تأتي التفاصيل لتترافق مع مكونات الفكرة وتؤكدها، ببساطة، التفاصيل هي أدوات العزف ويمكن اعتبار كل تفصيل عالم قائم بذاته أو عمل صغيرمستقل, فيها تكمن براعة النطق ومن هنا تتوضح أهميتها،مع العلم بأن حاله تجريدية ما يمكن أن نعتبرها تفصيل، العالم الخارجي وذواتنا مبنية من أقسام تفصيلية وبعملية جمعها معاً نعمّر كائناتنا التي تخصّنا والتي ننتمي إليها. ممارسة التفصيل في النحت يشبه تلاوة صلاة أو تسبيح صوفي تمجيداً للقيم الجمالية في عالمنا الخاص. أذهب للتفاصيل كما لو زرت معبداً غابراً في القِدم أوعشت حاله من التجليّات الوجدانية الخالصة.التفاصيل فيها الكثير من المماهاة بروح العمل بالإضافه للمتعة الشخصية والسعاده التي أختبرها وأعيشها أثناء ممارسة دقائق التفصيل.

6.من أين تأخذي وحيكِ ،من الواقع ،من الخيالات ، أم من كل ما تدركيه؟

أحاول ان أؤنسن الواقع والوقائع بما أسميه (حكي بالنحت), بهذا يصبح الواقع حالة ذات شيفره مفككة ويسهل قرائتها. عندما يبلغ التراكم ذروته أذهب للنحت والتشكيل بالطين لأتواصل مع الواقع وأترجمه بلغتي ومفرداتي والتي تارة تصيب وغيرها تخيب.هنا تبدأ حالة الٍاستحضار،الخيال يتعاون مع الواقع على خطٍ متوازٍ, هو يرفد الفكره بمساحةٍ أوسع ويغذيها، لكن، لا أعول كثيراً على الخيال بمفرده في حال كان منفصلاً عن الواقع الذي يضعني أمام مفارقات وتداعيات إنسانية وحقوقية للبشر مع سائر الكائنات التي نشاطرها هذا الحيّز الذي يسمى كرتنا الأرضية والتي ما انفكت تعاني من جَلد البشر واستغلالهم لها عبر حروبهم ونزاعاتهم وسعيهم للسلطة، وإن كان لا يعنيني الأمرعلى المستوى المباشروالسطحي لما يحدث وأجد صعوبة  للإصغاء لهذا الضجيج. لكن بعد سماع كل هذا العويل اليومي لا استطيع إلا أن أتضامن مع عذوبة الذوات المتعبة، النقيّة والطيبة إذ تتمازج الذات مع الرغبة في التواصل مع قيَم الوجود.

No photo description available.

7.هل يمكن الشبع أبدا من الخلق؟ وهل العاطفة هي المثير أم العقل؟

نحن على قيد الحياة, إذاً مستمرون بتنفس الحقيقه،المسأله على الأغلب تتوضح بحاجة الروح لغذائها ولا يمكن الشبع أبداً مما يثري أنفسنا بما هو جميل وما نهتدي إليه من مفردات نعثر عليها كما لوعثرنا على أصل مادة البقاء، التعبير بلغة الفن هي حاله مُعاشة من النقاء والشفافية والنظافة الروحيه والحسيّة وتُعد أعلى قمه في السعاده هي أن نستطيع التواصل مع ذواتنا والعوده إليها ومن ثم نهنأ برفقتها. الحاجه لكشف الحقيقة هي صيانة للذات ومدها بالمناعة النفسية والمعنوية حتى تستطيع العيش والإستمرار, لا ينفصل العقل عن العاطفة ولا عن أدائهما المشترك أبداً وفي حالة النحت أو الرسم عموماً تأخذ العاطفه الحيّز الأكبرإذ نعيش على وقعها وعزفها وهي التي تمد العقل بجوهر وشرعية التنفيذ.

8.النحت مركوزه الجسد فما هي فلسفتك عن الجسد وسط الكبت العربي؟

الوعي والإدراك يحتاجان لدفىء ورعاية الجسد أثناء رحلتهما، يحتويهما ويشكل لهما كلمة سرالمرور ولا يمكننا ان نتجاهل حقيقة الجسد،هذا الكائن المادي بصفته مفتاح وشيفره للعبور إلى قمة الوعي ومن ثم ماذا يمكننا أن نضيف لهذا الوعي. بإختصار، كانت هناك أزمة  تعاليم الأديان والتي تفضي إلى  تقاليد وموروث وضعت أسسه المجتمعات البطريركية والتي أسست لمفهوم الجسد ككائن يصعب وحتى يستحيل تقبله كما أتت به الطبيعه دون إدراجه ووتمريره تحت ماكينات وأختام المشخيات والمذعورين والمأزومين من حقيقة حالات تجلياته. هناك أكثر من مستوى يجب تجاوزه من أجل الوصول للفهم الخلاّق للجسد، أولها تجاوزاً للإبتذال في عرضه كسلعة، إن كان عن طريق التعرية المبتذلة بهدف البيع أو المبالغة في تغطيته بسبب الإقبال الشديد على شراءه وفي كلتا الحالتين يعتبرهذا تشييء للجسد بوجهي العملة الواحدة وبحسب العرض والطلب بالإضافة لمعضلة النظام الديني والسياسي العربي المتلازمان, إذ لم تنفصل التشريعات المدنية عن التشريع الديني وبقيت الدائره تدور وبقيت التحريمات تفعل فعلها وتؤسس لميراث متراكم وبالتالي أدت لإضافة أحمال من العُقد الإجتماعية والنفسية بما يخص معضلة اللقاء الصحي مع الجسد.الأمر يحتمل إعادة تفكيك لهذا الموروث وبناء علاقه ذات (صحه أخلاقية) عن الإنسان وجسمه. إن جاءت الرغبه في الحديث باللغة النحتية،يتشارك ويتفاعل في فعلها العقل كحدث منطقي وواقعي مع الجسد بكل أعضائه وعندما يخطرللمحتشمين التقليديين أن يستروا أو يعرّوا بسبب الكبت والشعور المستمر بالتهديد, هنا ينكسر المعنى، يتقطّع ويتلاشى وتغيب الفكرة بحيث تؤدي هذه الإزدواجية في التعاطي معها إلى خرابها ومن ثم العودة إلى تابوهات المحرمات والتحريمات وثقافة الغيبيات التي نص عليها قانون خارجي يهدف لفرض سلطة إجتماعيه وسياسيه والذي بدوره يؤدي لتشويه في المعنى الحقيقي, عندما يكون الجسد محترماً, يُنظر إليه بشرف وتنتفي عنه فكرة التجييروالتسليع ويوضع بمحل تقدير, لا يهم كم بان منه او كم تغطى بالقماش, والأهم هو كيفية أن ترتقي الذائقة التي ستأخذ موقعها من حكم معنوي, وجداني وأخلاقي داخلي وليس من قوانين وتابوهات مُسبقة أصدرتها سلطات خارجيه تصبوا لإحكام القيد على رعاياها. لا تنطوي مهمة الفنان على إصلاح هذه التشوهات بشكل مباشر وليست تلك مهمته بل تأتي مساهمته في ممارسة الحقائق عبر لغته الفنيه بما يخص التعبير عن الروح والجسد والتي تؤسس لقيَم إحترام هذا الكائن البديع. من المفهوم بأن الفنان الذي يولد وسط مجتمع تحكمه التقاليد المُعادية للجسد سوف يعاني ويقاسي ويصارع ببلوغ مجهود أكبر من أجل إمتلاك أدوات ألف باء التعبير الذي يعول عليه عن إحترام هذا الكيان المادي الذي يُسمى بالجسد, هنا يكمن التحدّي في مدى بلوغه الوعي والقدرة على عودته لذاته الفنية الخلاّقه.

No photo description available.

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب السعيد عبد الغني

السعيد عبد الغني

شاعر مصري وقاص فقط لا شىء آخر

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: