حوار مع الحمائم البيض

img

اعداد : الدكتورة سعدية بن سالم 

(نشر للمرة الأولى في الملحق الثقافي منارات جريدة الشعب ،تونس ديسمبر 2016).

  قليل منّا من تساءل عنهم فرادى، ما كان يعنينا ونحن نتابع عروضهم إلاّ أنهم “الحمائم البيض”، ما كانوا جمعا، أو هكذا شبّه لنا، كانوا في وجداننا مفردا متنوّعا، وحين التقينا”هم” في هذا الحوار، كانوا أيضا مفردا-جمعا.. ظاهرة قد لا تتكرر كثيرا، استمرّت وتستمرّ منذ (ست أو سبع) وثلاثين سنة وتعد بالاستمرار ونطلبه لها ومنها، هم أربعة وخامستهم الموسيقى وسادسهم الحلم وسابعتهم الحريّة، هم عمار ، محاورنا الأساسي، وزكرياء وإلياس وحشّاد، هم أربعة في واحد، إذا تحدّث أحدهم فقد عبّر عن فكر الجميع وضمائرهم،  وبدأ الحوار بخطأ في التوصيف إذ ذكرنا لفظ فرقة في التّعبير عن المجموعة، فكان التصحيح وكان الحوار:  

– نحن لسنا فرقة ففي الفرقة فُرقة وفراق وتفرقة وفي الفرقة صرامة العسكري وما نحن كذلك، نحن مجموعة بما في المجموعة من جمع والتقاء وترابط، نحن مجموعة بما في المجموعة من تلاحم وتآزر وتوزيع للأدوار وغياب  لمركزية القرار والفعل، نحن جسد واحد كلّ يقوم بوظيفته لما فيه خير الجسد ونجاعته، ونحن لا  نغنّي ففي الغناء انضباط وتكرار لا يمكن أن نعيشه، وهذا التوضيح الثاني فما نقوم به ليس غناء على ما تعارف الناس الغناء وإنما هو أداء حالةٍ محكومة بالزمان والمكان والسياق وطبيعة الجمهور الحاضر، غايتنا أن نعقد ميثاق حياة ونعيش حالة إبداع جماعيّ، لذلك فالقضية ليست العرض في ذاته وإنّما القضية ماذا نعرض، نحن لا نؤلف أغان ولا نردّدها إنما نشارك المتلقي في حياةِ، لذلك لا نكرّر ما نقدّم مرّتين فلكل إنجاز خصوصيّة باعتبار السّياق الذي خُلقت فيه، الزمان والمكان والسياقات الحافّة تغيّر العرض وتمنحه روحا خاصّة به. ولا يعنينا أن يكون عملنا أمام جمهور قليل العدد، فالأهمّ من العدد هو في تفاعل الحضور مع ما يسمعون وفي تمكّننا من تغيير شيء ما في وجدان الحضور، في تمكّننا من غرس بذرة وبناء ذرّة، في تمكّننا من حملهم على المبادرة والاكتشاف أيّا كان مقدار هذا الاكتشاف. إنّا نعزف لنستمتع ونُمتع ونفتح أفقا للتغيير والاكتشاف وهذا التغيير وذاك الاكتشاف هو جزء من العرض فليس أمامنا إلاّ أن نتجدّد كلّ مرّة وفي هذا الإطار يدخل اعتناؤنا بإشراك الأطفال الصغار في العرض حيث نمنحهم فرصة المشاركة حين يصعدون للرّكح ويدقون على الآلات التي نوفرها لهم ويشعرون بفاعليتهم في المجموعة فيُبذر داخلهم حلم. وكم من طفل غدا موسيقيّا مشهورا (ربما كانت بدايته بتلاق مع الحمائم البيض). نعزف لنحيا ونتفاعل.. كل من مرّ بالحمائم ترك  أثرا وحمل الحمائم معه ليخلق تجربة جديدة.

  • هل معنى ذلك أنّ وظيفة الفنّان أن يبثّ الوعي ويغيّر الواقع؟

لا، ليس بهذا الشّكل وليست وظيفتنا فنحن لا نعزف لنكيّف وعيا ونغير عالما، نحن نعزف لنحيا ولنعبّر عن حرّيتنا، نفتح كوّة على الحياة لذلك فنحن لا نعتمد الكلمة بالدّرجة الأولى، نعم نختار كلماتنا ولكن ليستْ الهدفَ في ذاته، و نحن لا نتقيّد بطريقة أداء واحدة لنصّ أو لمعزوفة في عرضين مختلفين فالاختلاجات مختلفة ، نحن نعبّر عن الحريّة ولا يمكن أن نطوّع الوعي لقوالب معينة والحال أنّنا نتمرّد على القوالب، وهو تمرّد يدرك في طريقة عرضنا وفي الموسيقى التي (نقترحها)، فلا أحد من الموسيقيين، غير الذين مروا بالحمائم،  يمكن أن يعزف ضمن مجموعة الحمائم البيض ولا أحد من مجموعتنا يمكنه أن يعزف مع  الموسيقيين “العاديين” فتقنيا نحن نعزف موسيقانا التي تختلف في “مقاماتها وإيقاعاتها ” عن الموسيقى السّائدة ولذلك لا تجد لنا علاقات متينة مع الموسيقيين على خلاف علاقتنا بالمسرحيين مثلا.

– أليس من المنطقي أن تكونوا أقرب إلى الوسط الموسيقي منكم إلى الوسط المسرحي؟ فلماذا هذا العدول عن المفترض إلى واقع آخر؟

 نحن نقترح موسيقى مختلفة،لا نمطيّة، لا تخضع لمقاييس الموسيقيين، رغم تكويننا الموسيقي العاديّ الّذي تمرّدنا عليه منذ ثلاثين عاما  وربما مكّننا ذلك  من التصرّف في موسيقانا بأكثر حريّة ولعلّ ذلك ما جعل علاقتنا بالمسرحيين والسينمائيين أمتن، منذ بدئها كانت أمتن،  فحين ضيّقت علينا سلطة الإشراف وأغلقت الأبواب أمامنا ولم نجد مكانا نتدرّب فيه، فتح لنا المسرحيون فضاءاتهم لنتدرّب، فتحها عز الدين قنون حين مكّننا من مفتاح فضاء الحمراء ولم يكن قد اكتمل تجهيزه بعد وكنّا نتدرّب وسط الرّكام رغم أنّنا لا نعرض، ولكنّنا نتدرّب دون انقطاع. وكنّا نعيش مع المسرحيين أعمالهم ونحضر تدريباتهم قبل أن نضع الموسيقى المناسبة، نحن نتشارك مع المسرحيين والسينمائيّين إحساسهم وانفعالاتهم وحلمهم وحين نضع الموسيقى تكون هي الموسيقى الأقرب إلى روح المسرحية أو الشريط السينمائي . وضعنا عددا لا يستهان به من موسيقات  لمسرحيات. عملنا مع أسماء مميّزة في تاريخ المسرح والسينما في تونس  مثل رضا بوقديدة وحمادي المزي والمنجي بن إبراهيم ومحمد الزّرن وغيرهم، ولم يكن هاجسنا الرّبح المادي ففينا المعلم والأستاذ والأستاذ الجامعي الناجح في عمله وليس الربح المادي  هدفه . لذلك كثيرا ما عملنا دون مقابل أو بمقابل رمزيّ، ولأنّنا لا نبيع بضاعة فإنّا لا نقدّم إلاّ ما يناسب العرض فإذا لم يستوجب المنتج المسرحي موسيقى، عزفنا أن نفعل وهو ما حدث مع إحدى المسرحيات التي اكتفينا فيها بصوت وقع نعل سيدة  في حالات مختلفة وكانت تلك الموسيقى الوحيدة المصاحبة للعمل.

  • ألا يفسّر وضعكم المادي “المريح” حريتكم في اختيار عروضكم وعدم اللهث وراء وزارة الثقافة مثلا؟

نحن لا نسعى إلى الرّبح المادي، لأنّا مكتفون وما نقوم به من موسيقى هو للمتعة وللحريّة، نحن منظمون على مستوى التسيير ولا أحد من المجموعة غير إلياس على دراية بوضعنا المادي مثلا، فنحن، بقية المجموعة، لسنا على علم بما نملك وما لا نملك لأنّ المسألة المالية من اختصاص إلياس شأن المسألة التقنية التي هي من مهام حشّاد. وهذا الوضع يجعلنا في وضع أفضل  من غيرنا الذي يتكسّب من الفنّ وليس له مورد آخر غيره.

  • الحمائم والسلطة، أيّة علاقة؟

السلطة تملك الفضاءات وتملك مقاليد الثقافة والسياسات الثقافية وهي من تفتح إمكانيات العروض وتغلقها. وإذا نظرنا في الّرسم البياني لعروضنا منذ خمس وثلاثين سنة من النشاط نجد أنّها فاقت الـ 500 عرض وهو عدد قليل مقارنة بغيرنا وبالزمن الذي قضيناه إلى حدّ الآن، ولكنّا ما كنّا نعمل لنسترزق..  فتمرّ علينا سنوات دون عروض دون أن يعني ذلك أن نتوقف عن التدرّب. وقد مرّت عروضنا بمدّ وجزر في مستوى عددها والأمر راجع إلى سياسات الدولة، فهي تغلق باب العروض في وجه المجموعات الموسيقية الملتزمة إذا انتفت حاجتها لتوظيف الثقافة محليا أو دوليّا وتطلق يدها فتفح دور العرض وترخص في الأنشطة إذا أقبلت على انتخابات مثلا أو استضافت مؤتمرات دوليّة، لذلك حاصرتنا السّلطة بعد أحداث الخبز نتيجة للمناخ السياسي السّائد وأطلقت سراح نشاطنا نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ثمّ عادت وأوصدت الأبواب بعد انتخابات 1994، وهكذا، تسمح السلطة للثقافة أن تعمّ حين تحتاجها وتغلق عليها حين تنتفي منها حاجتها.

  • اليوم بعد 14 جانفي، كيف ترون استراتيجيات الثقافة؟ هل هي مسؤولية السلطة أم مسؤولية فاعل ثقافيّ آخر؟

السلطة اليوم لا قدرة لها ولا رؤية لإرساء تصور ثقافيّ  وإن شاءت. السلطة تسيّر الشأن المؤسّساتي ولكن لا مشروع لها، ونرى أنّ المسألة الثقافية اليوم مسؤوليّة ثلاثيّ من المفترض أن يأخذ على عاتقه وضع مشاريع ثقافيّة وطنيّة بديلة عن السّائد في طبيعة طرحها وطبيعة مكوناتها، هذا الثالوث هو الاتحاد العام التونسي للشغل، والجبهة الشعبيّة والاتحاد العام لطلبة تونس. فأمّا الاتّحاد فقد كانت لي (عمار)، تجربة معه في بعث مهرجان الإبداع  الثقافي للاتحاد العام التونسي للشغل وتصور برامج وتكوين مبرمجين ولكنّ ما حدث بعد ذلك من سوء إدارة وتصرّف وقفز أشخاص لا صلة لهم بالثقافة والإبداع وتكريم وجوه تكرّس الثقافة السائدة لا الثقافة الوطنيّة التي من المفترض أن يدافع عنها الاتحاد جعلت التظاهرة تفقد معناها وتفشل في إدراك غاياتها. وأمّا بالنسبة إلى الجبهة الشعبيّة، فلا نجد تصوّرا حقيقيّا للثقافة في الأرضية التي تنطلق منها وتكتفي بترديد بعض الشعارات التي لا امتداد لها على أرض الواقع وتكتفي باستدعاء الثقافي في المهرجانات الخَطابيّة دون تصوّر ودون روح، فقط لتسجيل نشاط، وهذا توجّه لا يمكن أن يرسي ثقافة وطنيّة في البلاد. ولهذا السّبب رفضنا المشاركة على هامش المهرجانات الخَطابية للجبهة الشعبيّة وغير الجبهة الشعبية …

 أمّا ثالث الثالوث فهو الاتحاد العام لطلبة تونس الذي يحمل مسؤولية نشر الثقافة البديلة بين عموم الطلبة وحمل المسألة الثقافية في الجامعة على عاتقه، وهذا الثالث لا يختلف عن  غيره ولا تعدو المسالة الثقافية في برنامجه تسجيل نشاط لا غير وكثيرا ما نلبّي دعوات الاتحاد العام لطلبة تونس دون مقابل ونفاجأ بالمنظّمين للحفل في ذاك الفرع من الجامعة لم يكلفوا أنفسهم مشقة الإعلان عن العرض لجلب الطّلبة وأستثني من ذلك فرع كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة “فلوجة الجامعة التونسيّة” الذين هم على درجة كبيرة من الوعي والروح النضالية والقدرة على التنظيم .

وعليه فالمسألة الثقافية تبدو غائبة تماما عن برامج الجميع، وإذا أردنا تحديد المسؤوليات فهي مسؤولية الثالوث سالف الذكر وعليهم أن يغيروا من رؤيتهم وتصوراتهم وخططهم ويتحمّلوا مسؤولياتهم التاريخيّة.

ولسائل أن يسأل، أين المجتمع المدني؟ وأيّ دور له؟ وفي الحقيقة، لا وجود لمجتمع مدنيّ حقيقيّ في الفعل الثقافي، وليس هذا إحباطا وإنما توصيف للواقع لا غير بحثا عن حلول مناسبة للوضع الراهن المتّسم بالانقسام والتناحر وتدمير الذات في غياب هدف جماعيّ تدافع عنه القوى الوطنية وتضع له الخطط لتحقيقه بصدق ومحبّة وثقة. وهو ما ذكره أولاد أحمد في قصيدة غير منشورة توصّف واقع التشظّي وغياب الهدف المشترك.

  • ما الحلول الكفيلة بتغيير الواقع الثقافي الرّاهن نحو الأفضل؟

الحلول موجودة، قدرنا أن نكون على ما نحن عليه وقدرنا أن نواصل على هذا الخط وقدرنا أن ننجح، إن لم ننجح اليوم سننجح غدا أو بعد غد، لأننا في المستقبل سنجد شبابا يحقّق ذلك الشعار التاريخي …” جامعة شعبية ..تعليم ديمقراطي ..ثقافة وطنية “

  • هل ترى أنّ التاريخ أنصف الحمائم البيض؟

كانت مجموعة الحمائم البيض موضوعا لشريطين وثائقيين..أحدهما للمخرجة منى السلطاني والثاني للمخرج رفيق عمراني كما نجدها حاضرة في إحدى روايات محمد الجابلّي .. وشخصية “الزّا” في شريط “السيّدة ” للمخرج محمد الزرن . موسيقى الحمائم البيض موجودة في العديد من مسرحيات و أشرطة الهواة وهي تؤثث برامج إذاعية داخل الوطن وخارجه … بفضل الحمائم البيض جلنا البلاد وتعرفنا على مدن وقرى و أصدقاء ما كنّا لنتشرّف بمعرفتهم لولا الحمائم البيض..ما الحمائم البيض إلاّ حلقة من حلقات نضال هذا الوطن ..تعلّمنا من أسلافنا وها نحن نتقاسم ما نعرفه مع من سيحمل العبء بعدنا …وعلينا أن نحقق إنسانيتنا حتّى  تجد زوجاتنا ما يحكينه لأحفادنا ….

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: