حوار : الشّاعر رحيّم الجماعي : لا أحتمل الحياة دون كتابة

img

حوار : الشّاعر رحيّم الجماعي : لا أحتمل الحياة دون كتابة

Untitled-1حاوره :جمال قصودة

الشّاعر كحامل المسك بالجيب لا يطلب منه الافصاح او الاعلان عنه ، و  الشّاعر حامل الشمس في رأسه /قلبه ينير المدى السرمديّ لانه يحترق مثلها تماما ، وحده الشّاعر لا تطرح عليه الاسئلة” البوليسيّة” للتعرّف علي هويته  لانّ مهمته تنتهي بالنقطة القافلة لاي نصّ شعريّ . الشّاعر لا يحمل بطاقة هويّة  مختومة من  الحكومات الساقطة ،و لايحتاج  جواز سفر ليعبر الحدود المرسومةباحكام  بجغرافيا الارض / الوطن و لا يقف كبقيّة البشر بباب الدرك الديواني او الجمارك ليقدّم تاشيرة عبور مختومة من القنصل السّامي ،لا يحتاج هذا الشاعر هوياتكم و لا ينحني بباب سلطاتكم ،لا سلطة لكم الحقيقة على كائن لا يعترف بالجغرافيا و لا يقدّس التواريخ القديمة و الجديدة بل يصنعها و يسطّر ما اغفلته من جمال هو باعث الحياةفي الارض هو سيّد الكلمات و حافظ اسرارها و هو لوحها المحفوظ .

و برغم كل هذا قد نتقمّص دور ” البوليس” و الدرك الديواني ،لنستوقف الشّاعر برغم  معرفتنا بنصّه/ هويته المعلّقة بمعاريج السماء و لكننا نروم من خلال الاسئلة  اضاءات أكبر قد تكون  سببا في عروجنا باتجاه سدرة المعنى ، و قد تورّطنا اكثر في محبّة هذا الكائن الشفّاف العصيّ على الادارك برغم ماديةبشريته

في هذا الحوار الجديد نستوقف شاعرا تونسيّا  شغل  الكواكب و اجبرها ان تسير في مجرّاته

“بوليس” الثقافة هاهنا يقول:

“سين”-1- : كيف يقدّم الشّاعر رحيّم الجماعي نفسه لقرّاء موقع انتلجنسيا للثقافة و الفكر الحر ؟

rجيم 1 : – رحيّم جماعي ، قطرة في محيط مُترامي الشعراء العِظام ، أحتسي قصائدهم كلّ يوم ، وأصلّي كراهب لأحزانهم ، ونزيف قلوبهم… رحيّم جماعي كاتب تونسيّ رجيم ، وكاتب تونسيّ تعني حرفيّا ، رقما مُحْتَقَراً كالعامل البلديّ ، وخادمات البيوت ، وحرّاس المقابر… رحيّم جماعي أنفق عمره في الكتابة والإخلاص لها ، فدحرجتْه بلاده إلى مرتبة أدنى من مرتبة المواطن العاديّ ، وأدنى من قشّة مُهملة .

سين -2-:يقول النابغة الذبياني في تعريف المبدع العصامي “نفس عصام سوّدت عصامِاً … وعلمته الكر والإقداما وجعلته ملكاً هماماً … فتعالى وجاوز الاقوام”، هل حقّق رحيّم الجماعي بموهبته” العصامية” ما يصبو اليه من مجد ؟

جيم 2 : – عن أيّ مَجد تتحدّث يا جمال ؟!!! أنت في تونس يا صديقي ، بلاد التّحقير والإهمال والتّناسي… تونس العظيمة ، المجد فيها يحقّقه التّافهون والّلصوص والمؤلّفة قلوبهم… عصاميّتي أدخلتْني بسلاسة قلوب بعض العامّة ، والكتّاب المملوئين بذواتهم ، بالكتابة المتجاوزة ، بالنّصّ التّقدّميّ السّاحر… كما حقّقت لي حقد بعض النّقّاد البائسين ، الّذين يبحثون فقط عن أدلّة للإدانة في ما أكتب… وحقّقت لي حياة كاملة من العطالة والفقر المُزمن… العصاميّة في بلادي لعنة يا صديقي ، وقَدَر غريب أصابني بدقّة صيّاد مُحترف .

سين -3- : الا ترى ان العظامي –وهو من يعتمد على عظام أجداده اي عكس العصامي – هو سبب البليّة و هو المسوّق لتهمة  العصامي من اجل التاكيد على دونية ابداعه و بهدف تقزيمه ؟ 

جيم 3 : – لو تبنّى كثيرون غيرك هذا الرّأي المشبوه ، لاصطدم المفهومان ( العظامي والعصامي ) والكاتب والكتابة عموما ، بجدار صلب من الأوهام ، تتحطّم عليه بعض الرّؤى ، الّتي تحاول قيادة التّجارب العذبة إلى مربط الجمال… العظاميّ حسب رأيي المتواضع ، هو النّاهل بخبث الّلصوص من منابع الآخرين ، ويقتات بلا جهد من حرائقهم… أمّا العصاميّ ، فإنّه ينحت ذاته وتجربته من من جرحه الخاصّ ، لا يتّكئ على شيء سوى دواخله الأمّارة باقتراف الجمال ورعايته… الفرق بين جَيْبِ قلبك وجيب قلوب الآخرين ، بحجم مسافة ضوئيّة يا جمال ، وأنت شاعر تَعِي جيّدا ما أقول .

  • سين-4-: الكتابة هي خمرة الحياة وهي هاجس يومي لدى رحيم الجماعي هل لك تعيش من دونها ؟ 

جيم -4-:– حجرٌ ذلك الّذي لا يقرأ…

ميّت ذلك الّذي لا يكتب…

هذا ما أردّده دائما ، فالكتابة فعل حياة بامتياز ، بمعنى أنّك إذا أردت أن تثبت أنّك على قيد الحياة تماما ، لا تتزوّج ، ولا تتكلّم ، ولا تذهب إلى النّوم حتّى…

بل أكتُب أوّلا ، ثمّ أكتب ثانيا ، ثمّ أكتب ثالثا ، ثمّ أكتب دائما…

أعلم أنّ الحياة أهمّ من الكتابة بكثير ، لكنّني أعلم أيضا أنّ الكتابة هي حياة أخرى لا يدركها العاطلون عن المحبّة والجمال…

يكفي أن يمرّ يوم دون كتابة ، حتّى أُصابَ بالجنون ، وأغدو كائنا على غاية من الشّراسة ، وسوء الأخلاق ، كائن لا يُطاق…

وهذا ترى أنّ الكتابة تقوم بدور المهدّئ للأعصاب ، إضافة إلى تجميل الحياة ببهائها…

لا أحتمل الحياة دون كتابة…

دون كتابة أموت .

  • سين-5-: عاش الشّاعر رحيم الجماعي على وقع محاولات متكرّة لتشويهه و شبكة الانترنات تتضمن مقالات ماجورة في هذا السياق ما ردّكم ؟

جيم -5-:.-:– لقد وُفِّقْتُ إلى بشكل ما في تجربتي الإبداعيّة ، ودفعت الثّمن غاليا من حياتي ، من أعصابي ودمائي وسنيّ العمر القصير…

وُفّقتُ بشهادة جوائزي الكثيرة في الشّعر والقصّة والنّقد والمقال الصّحفي والمقال الإبداعي…

وُفّقتُ بشهادة نقّاد وكتّاب كبار ، لكنّ “الحَقَدَة” و”الحَسَدَة” ،لم ترُق لهم هذه العلامة المضيئة في الأدب التّونسيّ ، فأطلقوا -كما تعلم صديقي جمال- حملات مسعورة ومتكرّرة ، لتشويه سمعتي الّتي ساءَهُم طَعْمُ السّحر فيها…

فأنا في نظرهم سِكِّير ، وسليط الّلسان ، وبذيئ حدّ القرف ، ووو….

لكنّ المُضحك حقّا حدّ الإستلقاء على الظّهر والإغماء ، هي هذه (التّهمة) :

رحيّم جماعي العصاميّ (السّادسة إبتدائي)…

لكنّني لا أعير اهتماما لهؤلاء البؤساء ، وأعتبر حقدهم وحسدهم ، ذبابة في كأس سيّد نبيل…

أنا كاتب حقيقيّ ، مشغول بالحياة وبالكتابة ، ولا وقت لي أهدره في مقارعة التّافهين والرّديئين والسّفلة .

  • سي-6-: رحيّم الجماعي و المراة ،هل لها تجليات بطيّات النصّ و هل لها حضور فعليّ في حياته ؟
  • جيم-6-:- منذ مجيئي الكارثيّ إلى الحياة ، أو الممات (لا فرق) ، وأنا في حالة حبّ يوميّة لهذا الكائن المدهش ، الّذي يُسمّى -بهتانا- إمرأة ، وأسمّيه جنّة… لا أذكر أنّ امرأة أُصيبت بالنّفور منّي ، فأنا رجل ناعم ورقيق ، عكس ما يُروّجه أعدائي المجانيّون ، وهذه ميزة لَمَسَها كلّ مَن عرفني عن قُرب ، ورافقني في هذا الدّرب الحجريّ الطّويل… ( مِن دمي عبرت فاطمة ) ، قصيدة طويلة جدّا بحجم كتاب ، كتَبْتُها لامرأة… ليلى ، سعاد ، ريما ، جيم القيروان ، سين الجنوب… كلّها قصائد حُسنى ، كتبتُها بحبّ أعمى ، لسيّدات تعثّرتُ بهنّ ، أو تعثّرن بي ، وأَضَأْنَ حياتي… كلّهنّ خرجن من دارات القلب الوسيع ، وظلّت واحدة تُضيئ كنجمة الرّاعي في أقاصي الرّوح… أنا يا صديقي ، كأيّ شاعر أو كاتب ، لا أستطيع الحياة دون امرأة وكتابة
  • سين-7- :يعيش الشّاعر رحيم الجماعي حالة اجتماعية ضنكة ، متى تتحرك وزارة الثقافة لتوقف  هذا النزيف و لما يطول انتظار الشّاعر ليلمس لفتة منهم ؟
  • جيم -7-:- أنا لا ” أُعَسْكِرُ ” كالكتّاب الرّخيصين أمام أبواب الوزارات ، لي ما يكفي مِنَ الكرامة ، لأَحْرِمَهُمْ مِن إذلالي ، ولي من بهاء النّصوص ما يجعلني أعلى من الوزير وسَادِنِهِ…
  • لكنّني أتألّمُ يا صديقي ، فكلّ الكتّاب ” المناشدين ” ، يتمتّعون بحقّي أنا في حفظ ماء الوجه ، وكلّ الفاشلين في تركيب جملةعامّيّة سليمة ، يتقاضون مرتّبات مشبوهة ، وكلّ الّذين ينصبون الفاعل ، ويرفعون المفعول به ، فعلوا ما فعلوا بفُصْحانا ، يتمّ تكريمهم ، ويُكافؤون بمطر حاتميّ ، إلّا أنا…
  • لن يتحرّك أحد يا صديقي ، لأنّني رحيّم جماعي في ثمود .
  • سين-8-:اصدر رحيم الجماعي الى الان خمسة دواوين شعرية و في انتظار الطبع اكثر من 18 مخطوط ، هل النشر الورقي عملية مجزية بالنسبة للمبدع و متى يصلح حال النشر و الطباعة في تونس و الى متى تستفرد دور النشر بثمار المنجز الابداعي ؟
  • جيم-8-:- أنت تتحدّث عن مصّاصيّ دماء يا صديقي ، لا عن دُور نشر… ثمّ عن مردود مادّي تتحدّث ؟!!! هل سمعت بكاتب تونسيّ مِن مداخيل كُتبه ؟ هذه بلاد ترتعش من الكاتب والكتابة ، والكلّ ينهش لحم الكاتب : النّاشر ، الصّحف ، المجلّات ، الإذاعات ، التّلفزات ، الملتقيات الأدبيّة… حتّى الكتّاب أنفسهم ينهشون بعضهم بعضا… الكاتب الحقيقيّ في بلادي ، يحتاج معجزة ليستقيم حاله .
  • سين-9-: توّج النص الشعري لرحيّم الجماعي في اكثر من 33 مناسبة و من اهم الجوائز جائزة مفدي زكريا المغاربية ، مسيرة التميّز هذه الا تحتاج تكريما رسميّا من لدن الحكومات المتعاقبة و وزارة الثقافة ؟ ام قدر الشّاعر ان ينتظر عنقودهم بعد الممات ؟

جيم-9-– :العكس تماما ، فقد ( تكريمي ) جيّدا ، فبعد عودتي من الجزائر ، وقع سحب الجائزة منّي في مطار تونس قرطاج الدّولي ، وحُمِلْتُ إلى قبو وزارة الدّاخليّة ، ليتمّ استنطاقي أربع ساعات متتالية ، حتّى كِدْتُ أفقد عقلي… بعد ذلك تتالت ( التّكريمات ) بإهمالي ونسياني المفضوح ، ربع قرن كامل… أليست هذه ( تكريمات ) تليق بكاتب تونسيّ محترم ، مثّل بلاده خارج حدودها ، كأروع ما يكون ؟!!!

  • سين-10-: منذ اسبوع تقريبا تطاول أخر طالكم ، اذ اختلس أحد الاعلاميين مقطعا شعريا لكم و نشره على حسابه الفيسبوكي دون ذكر اسمكم ، هل اعتذر ؟
  • جيم-10-:
    – الّلصوصيّة تجارة مزدهرة على هذه الجدران ، ولصوص الأدب مجتهدون في اقتراف السّرقات المعنويّة بالأساس ، فقط لمداواة أمراض وعُقد قديمة / جديدة ، ومحاولة منهم لإكمال نواقصهم…
    لم يكن سمير الوافي الأوّل ، ولن يكون الأخير ، لكنّني استغربت حقّا سَطْوَهُ على إحدى كتاباتي ، فالرّجل إعلاميّ مشهور ، وكلّ ما يملكه سمعته الّتي تصنع شهرته ، لكنّه استهان بها على غباء صارخ…
    ليس لي ما أضيف حول هذا ، سوى أنهم لم يتركوا لي شيئا أبناء الّذين…
  • سين-11-: كلمة الختام
  • جيم -11-::ربّما ، أقول ” ربّما ” يجد هذا الحوار آذانا صاغية هذه المَرّة ، فتُكَفِّرُ وزارة الثّقافة عن ذنبها في حقّي ، ذنب مازال متواصلا منذ ربع قرن بلا هوادة… أخيرا قُبلة لقلبك صديقي الشّاعر جمال قصودة ، على هذه الفسحة ، وإطلاق قلمي ولساني للبوح .
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.