حميد عقبي :الدراما التلفزيونية العربية تدعم سلطة الأنظمة  

img

حميد عقبي 

منذ ما يسمى الجهاد الأفغاني تحرك التيار الوهابي في كل الأقطار العربية مدعوماً بمالِ وفيرِ ليحشد الشباب للجهاد في أفغانستان وكانت التحركات تتجه لهدم أي صرح فكري تقدمي مدني ونشرت مئات المدارس الدينية المتطرفة وقامت بشراء الذمم لدعم هذه المدارس وكذا التأمر ونسف المنصات الثقافية والفنية ثم السعي لتأسيس بدائل وإن كانت تناقض الفكر الديني لكنها تبسط أرضية خالية من أي مقاومة وفارغة من أي وعي قومي أو وطني وتسلم بالأمر الواقع كما تخاف وتبصم للأنظمة المستبدة.
كثرت عثرات الدراما التلفزيونية العربية وخاصة الرمضانية كونها تزدهر في رمضان وينتظرها الجمهور، في السابق كانت الدراما المصرية تتربع على عرش التمييز ثم ظهرت دراما سورية مختلفة تميزت بنزعة شاعرية تهتم بالتكوين وتنبش في عمق الحكايات الشعبية والتراث يضاف إلى ذلك الجنوح إلى الطبيعة ودهشتها الساحرة والأزياء والأماكن المختلفة، كما أن الدراما الأردنية البدوية نالت قسطاً من الشهرة وكذلك الأعمال الكويتية التي تميزت عن بقية الأعمال الخليجية ولم تقف اللهجات كعائق أمام أي عمل فني حقيقي.
شهدت الدراما العربية بشكل عام نكسة مربكة بظهور دبلجة المسلسلات الأجنبية خصوصاً المكسيكية ثم ظهرت الدراما التركية المدبلجة باللهجة اللبنانية لتسحب البساط أكثر ولتشهد الأعمال التلفزيونية العربية تراجعاً ملحوظاً وخسائر أكبر بوجود أعمال رخيصة وتجد جاذبية جديدة بمواضيعها وأماكنها وممثليها، ثم ظهرت المسلسلات
الهندية.
رغم هذه النكسات والصفعات المتتالية لم يحدث تحديث أو تجديد بل بالعكس ظهرت شركات تبحث عن السهولة وقلة التكاليف فنتج عن ذلك أعمال هزيلة ومواضيع مكررة فزادت عيوبها وقلت محاسنها وضعف سوقها.
لا توجد مشكلة لمعرفة أسباب ضعف الدراما العربية ولكن المشكلة أن شركات الإنتاج تعرف الأسباب وتتجاهلها، كما إن الأنظمة السياسية أفرحها ضعف الدراما والسينما والمسرح ولا يمكن أن ننكر أن هذه الأنظمة لعبت أدواراً مهمة لشراء شركات إنتاج ناجحة ثم أفشلتها لتتخلص من صداع أصداء بعض الأعمال الفنية فمنذ أزمة غزو العراق للكويت والضربة الأولى لبغداد ثم وجود قواعد عسكرية مريكية لأول مرة في السعودية، هكذا لعب مال الدول الغنية بالنفط للتخلص من الدراما التلفزيونية والسينمائية وظهرت قناة روتانا وقنوات خليجية لتروج لموجات جديدة خالية من أي فكر جاد وأصبحت السوق العربية الفنية تحفل بالسذاجة والتفاهة وتجد هذه النوعية الدعم السخي.

بدأت سنوات القحط الدرامي مع التسعينات ثم تكاثرت الأزمات لتصبح اليوم في غرفة الإنعاش وما نراه الآن مجرد نبضات نتمنى أن تستمر.
قد يقال إن متغيرات هامة تحدث الآن أهمها تحجيم التيار الوهابي حيث تعترف السعودية وعلى لسان ولي العهد بضرورة معالجة الأخطاء وأهمها الموجة الوهابية وجعلها احدى أسس النظام السعودي وها هو التحول يسير لدعم الترفيه وفي هذا العام تعاقدت بعض القنوات السعودية بمئات الملاين لشراء مسلسلات وعرضها بشكل حصري.
هل من سياسات جديدة لتشكيل وعي عربي خاص؟
هذا سؤال معقول ومهم، المنطقة العربية تشهد حروباً يبدو أنها لن تنتهي وكذلك دعم صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية لذا يلزم البحث عن وسائل ترويض وتخدير تبقي الشعوب العربية في وحل التخبط وتشجيعهها على الإستهلاك، من رأى فيديو المصري عمرو خالد الذي روج منتج شركة دواجن سعودية وربط أكلها بأكل الجنة ومن مرضات الله كون المسلم يجب أن يستثمر رمضان لبناء جسده الصحيح السليم بغذاء وبهذا الدجاج المبارك بحسب زعمه، وجد هذا الإعلان سخرية وتهكم عشرات الآلاف من الناس عبر منصات السوشيل ميديا مما دفع عمرو خالد أن يحذف الفيديو وكذلك شركة الدواجن، هنا نود فقط ملاحظة وجود نوعية ممن يسمون أنفسهم دعاة لديهم إستعداد فعل أي شيء وهم يخلطون الأوراق بفتاوي لتشجيع إستهلاك الأكل والشرب والجنس ويطلبون تجنب الفكر والتنوير والإبداع الأدبي والفني الواعي.
لن نستغرب لظهور أمثال عمرو خالد الذين يخدمون أسيادهم ويتاجرون بالله ودينه ويقدسون الأنظمة ويخدرون الشعوب كما أظن أن الدعم سيزداد لأي عمل فني أو ثقافي تافه، كما سيزداد الحصار والتجويع لأي عمل درامي أو سينمائي يحمل قيماً وجماليات ويخاطب العقل والروح.

مخابرات الأنظمة العربية تسعى بشكل جاد لخلق أدوار جديدة للدراما التلفزيونية فتوجهها لتقديس الأجهزة الأمنية وخلق هالة لرجال الأمن القومي والمخابرات بجعلهم أبطال يتعرضون لمحن وحياتهم مهددة وهمهم الدفاع عن المواطن، عندما يتم عرض صورة المواطن العادي فهو صايع أو مروج مخدرات أو هو عنيف متحرش وفوضوي، أي أن هناك عنف مجتمعي وتخلف اجتماعي وإرهاب وفي المقابل جهاز أمني يضحي وأنظمة لا تدري ماذا تفعل لسعادة شعبها لكن هذا الشعب فوضوي وغير مؤدب.
ثمة أعمال أخرى تقدس الإستهلاك وتشجعه وأخرى تنبش في ماضي الفتن وتقدم تاريخاً مزوراً وتكرس مفهوم السمع والطاعة لولي الأمر في كل الأحوال.
المهمات المستقبلية للأعمال الفنية قد تأخذ أساليب وقحة كما فعل عمرو خالد بتوظيفة كلمات دينية وسمعته ليروج للدجاج السعودي وقد نرى في رمضان القادم أعمالاً أكثر جراءة من إعلان عمرو خالد أو ترى شخصية مدنية متحررة تدعو للإستهلاك بلكنة متحررة.
الدراما التلفزيونية العربية تقفز فوق الواقع وتقدمه في صورة تخدم الأنظمة، تارة تمرير حكم مثل “أمشي جنب الحيط” وتارة بتصوير أن جيل السلطة الجديد مكافح ومناضل وأن المسؤلية عبء ثقيل يحرمهم من أبسط متع الحياة فحكامنا عندما يورثون السلطة لأبنائهم فهم يحملهونهم أثقالاً وهموماً ويحرمونهم من كل شيء..أعتقد أن العزف سينشط على هذه الأوتار والمطلوب منا أن نؤمن بهم وبأبنائهم كسلطة أبدية وعلينا أن نفرح ونرقص لهذه النعم.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.